في العشر الأواخر من شهر رمضان يزدحم الحرم المكي بالعاصمة المقدسة بملايين المعتمرين من مختلف الجنسيات والبلدان يأتون سنوياً من كل فجٍّ عميق، يصلون الأوقات الخمس والتراويح والتهجد ويطوفون حول البيت، سيّما وفي هذه العشر الأواخر من الشهر الفضيل تقبع ليلة القدر، التي يتم اختيار أحد الناس يستجيب الله لدعائه فيها، مهما بدت حاجته مستحيلة، وفي ذلك تتداول الروايات الشفهية قصصاً مثيرة، عن أشخاص ما كان الواحد منهم يجد قوت يومه وينوء كاهله ثقيلاً بجبال من الديون، ليصحو فجر اليوم التالي وقد وجد كنزاً من الذهب تحت وسادته، وغيرها من الحكايات المماثلة.

نهار ذلك اليوم الجمعة 8/ يونيو 2018م لم يكن استثناءً من حيث ازدحام الحرم بالمصلين والطائفين حول البيت بمساع طوابقه الثلاث التي أضيفت في مشاريع التوسعة. ومن يشاهد أداء الشعائر من التلفاز، مثلما كنت أفعل، يستطيع أن يحدس انه لا يوجد موطئ قدم، فأجساد الطائفين كانت ملتصقة وملتحمة ببعضها البعض، وليس بين طائف وطائف من فراغ أو مساحة تتجاوز السنتمترات.، ورغم هذا الزحام والتدافع، لا يكاد أحدهم يشعر بالضيق، فالقلوب والأروح مستغرقة في ابتهالها محلقة بعيداً عن المكان.

وبينما الناس بين تسبيح وتهليل وتكبير وهم يطوفون، إذ بجسد يهوي من الطابق الثالث ليرتطم بالأرض بينهم محدثاً صوتاً غريباً لم يسبق لأذن أياً منهم سمعت صوتاً يماثله، ولكنه صوت يبعث القشعريرة في الجسد والانقباض في القلب، صوت يشبه الفاجعة.

ولما كانت أجهزة الاتصال ومنصات التواصل الاجتماعي في نهم دائم واستعداد على مدار الساعة، سرعان ما تم تداول الحدث بالصورة والصوت، فكنت تسمع أصوات الطائفين حول بيت الله تصرخ بصوت واحد مع رحلة الجسد، مختلطة بصوت ارتطامه بالأرض. ومن ثم ذاع الخبر وانتشر، فعلمنا بأن الضحية شاب اختلف الناس حول هويته، فقيل بأنه باكستاني، ثم قيل بل هو جزائري، ثم أفغاني، ولكن الروايات اتفقت على أن التحريات والتحقيقات استبعدت أي شبهة أو فرضية أن الحادث كان جريمة بقصد أو بدون قصد من شخص آخر، وأكد الشهود بأن الرجل قفز بعد أن تسلق السور الحاجز بإرادته متعمداً، وأفاد بعضهم بأنه فعل ذلك طمعاً في دخول الجنة، بسبب اعتقاد راسخ في مجتمعه بأن الذي يلقى حتفه في بيت الله سيأخذ طريقه إلى الجنة مباشرة.

(2)
طالما الأمر كذلك يمكنك أن تحدس بان حلم الشاب، وهو يتهيأ في وطنه لإكمال إجراءات سفره للأراضي المقدسة، كان أن يتوفاه الله وتُقبض روحه في رحاب بيته المقدس العتيق، من المؤكد أن الرجل لم يكن في أحواله العادية ليتمنى الموت، بل أغلب الظن، أنه مثل كل كائن آخر يخاف الموت ويهابه، خاصة والإنسان هو الحيوان الوحيد بين الثدييات على الأرض الذي يعرف مسبقاً أنه سيموت لا محالة. ومن المؤكد أن هذا الرجل مثله مثل أي إنسان آخر كان يعيش بقوة الأمل، ويستمد القوة على الاستمرار في الحياة رغم الخيبات، يحلم بما يحققه في المستقبل، فما الذي جعله يتنازل عن أحلامه ويفقد ثقته في المستقبل ليكتب "استقالته" على هذا النحو القاطع من الحياة ويُقدم على الانتحار؟!.
كنا في جمع مساء اليوم التالي بعد الإفطار، وجاءت سيرة الحادث الذي ذكَّرني بحادث مماثل قبل عامين فيما أظن، وكانت بطلته امرأة آسيوية في منتصف العمر، أقدمت مثل صاحبنا – الذي أكدت التحريات بأنه فرنسي، من أصول آسيوية في بعض الروايات وجزائري في بعضها الآخر – على الانتحار إثر سقوطها من الطابق الثاني أو الثالث للمسعى الجديد. فأفتى أحد الحضور بتلقائية وسهولة بالغة بأن مصير المعتمر المنتحر هو النار لا شك في كذلك!. ولما لم يكن صاحب الفتوى رجل دين، وإنما هو واحد من غمار المتعلمين مثلي، لم أجد حرجاً في أن أبدي تحفظي على فتواه.
وكان رأيي الذي طرحته بتحفظ، وبما أستطعت من لباقة، أن هذا الرجل فيما أرى أصدق ايماناً وأعمق حباً لله منّا جميعاً.
لقد صدّق ما قيل له منذ الطفولة بأن من يموت في بيت الله، كأنه يموت تحت أقدام الله، وأن الله إكراماً له سيرفعه من مرقده ويحييه في الجنة قربه، وقد آمن بهذا ايماناً راسخاً، ثم لما واتته الفرصة ليموت تحت أقدام الله، لم يشأ أن يضيعها، لأن الفرصة قد لا تواتيه إما بسبب قِلَّة المال ليحضر إلى بيت الله مرة أخرى، الذي لا تشك في أنه صرف كل مدخرات عمره عليه، أو قد لا تسنح الفرصة بسبب انقضاء الأجل فيموت في وطنه. لهذا آثر أن يتخلى عن أحلامه الدنيوية ويقطع خيوط ما يربطه بها من آمال وطموحات، مؤثراً عليها لقاء من هو أكبر من الدنيا.
قد يقول قائل: ولكن الله حرَّم قتل النفس إلا بالحق.
ولكنّا نواجه في حالة القتل التي بين يدينا مسألتين جوهريتين لا يمكننا تجالهما.
الأولى: إن الانتحار فعل مضاد للطبيعة، أو مناقض لغريزة الكائنات الحيّة، حتى في حالة ذكر الأرملة السوداء، الذي يستسلم لقضائه بأن يكون جسده مهاداً وطعاماً لصغارة بعد أن تفتك به زوجه، ولا أدري هل هذا الذكر يكون على علم مسبق بمصيره، وعلى وعي بالثمن الذي يدفعه لاستمرار جيناته وتواصل نسله، أم أنه يجهل ذلك؟. إلا أن المعتمر الفرنسي الجنسية كان على وعي تام بما أقدم عليه، وكان انتحاره خياراً إراديّاً حُراً. وكان سبب إقدامه على ما أقدم عليه هو ما غُرس في وعيه ولا وعيه معاً القناعة بمثالية هذا السلوك للتقرب إلى الله وارضائه.
بمعنى أن الثقافة التي رضعها من ثدي مجتمعه منذ الطفولة وترسَّبت في عقله الباطن رسخت فيه هذا الاعتقاد. وبالتالي يكون السؤال: إلى أي حدّ هذه الثقافة مسؤولة عن انتحار هذا الرجل؟!.
وعلى كل حال كثيرة هي الشواهد في مجتمعاتنا على السلوكيات اللاعقلانية والضارة التي تقف ثقافات المجتمع وتقاليده وراءها.
الأمر الثاني: يحيلنا إلى "فعل" الانتحار ذاته.
فالرجل لم يكن يقتل نفسه إلا على سبيل المجاز، وإلا فإنه كان بفعل موته يَعْبُر الدنيا، التي هي في الأصل جسر إلى حياة أبدية لا تنتهي بالموت، وفعله في حقيقة الأمر كان "تضحية".
هو ضحى بنفسه قرباناً لله.
لقد ضحي بنفسه تكفيراً عن ذنوبه وآثامه جميعاً، ليغفر له الله ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وبذات الوقت طلباً لله وحباً له.
بقتله نفسه كان يتسامى ويرتقي بعلاقته بالله،
ليرتفع بعلاقته بالله من درجة الطاعة، إلى مقام الحب.

(3)
ما تلقنه لنا حكمتنا: أن القانون لا يحمي المغفلين. ويعنون بذلك أن الجهل بالقانون لا يحمي الجاهل من عقابه.
ويقولون في المثل الفرنسي – وأظنه شائع في الثقافة الغربية – بأن الطريق إلى جهنم مرصوف بحُسن النوايا.
إلا أن الله على عكس ذلك يضع "النوايا" في الميزان الذي يوزن به الأعمال، وبأن "ليس للإنسان إلا ما نوى"، ويقول في القرآن "لا يؤاخذكم الله باللغو في ايمانكم، ولكن بما كسبت قلوبكم". ومع الفارق، فإن الله يأخذ الناس بنواياهم.
وتبدو هذه المسألة أوضح في مجال آخر.
حيث يمكن أن "يؤثم" إنسان تصدَّق على محتاج وأتبع صدقته أذى أو منّ.
بينما "يؤجر" من لم يستطع أن يتصدق لضيق ذات اليد، ولكنه بذل كلمة طيبة يطيِّب بها خاطر المحتاج، فتحسب له أجر صدقة، ويقول الله في ذلك "كلمة طيِّبة خير من صدقة يتبعها أذىً".
وكما ترى فإن ميزان الله يختلف عن ميزان البشر، إذ لا يكتفي يالأخذ بظاهر الأمور.
وقياساً على ذلك يمكنك أن تعيد النظر في انتحار صاحبنا الذي القى نفسه من الطابق الثالث في الحرم المكي مقدماً نفسه قرباناً ابتغاء مرضاة الله، تقرباً منه، ومحبة فيه وفي لقاءه. إذ يجب أن نضع في حساباتنا العوامل التي ساعدت على تشكيل قناعاته العقدية والفكرية على النحو الذي هي عليه، كما يجب أن نضع في حساباتنا دوافعه وبواعثه وأن نتحرى مدى الصدق وإخلاص النوايا فيها. وإذا كان ثمة من يجب أن يتحمل الوزر في انتحار الرجل على النحو الذي انتحر به، فإن ثقافة مجتمعه وفهمه أو تأويله للدين هو الذي يتحمل كامل الوزر.
فالرجل في النهاية إنما هو "ضحية" هذا الفهم، والتأويل، أو التفسير الخاطئ.
والله أعلم من قبل ومن بعد.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.