عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

تنويه مهم:""يجب أن لا يفهم هذا المقال بإن الكاتب يؤيد الدولة الدينية بأى حال، موقفى من الدولة الدينية أياً كان دينها ثابت، إنما فقط نحاول مناقشة تناقضات القوم بمفاهيهم".

 

تظل قناعتى الثابتة أن ما حدث فى السودان منذ سبتمبر 1983 وحتى اليوم لا علاقة له بلإسلام الذى يعرفه السودانيون ولا علاقة له بشريعة الإسلام كما يزعم القوم، بل هو فى جوهره أفكار لمجموعة إنتهازية جسّد أشواقها فى السلطة حسن الترابى، إتخذت من دين الله وسيلة وأداة لبلوغ السلطة.

 

فمنذ العام 1978، حين تم أول تخفيض لقيمة العملة الوطنية، دخل السودان فى تدهور إقتصادى مريع لم ينته حتى اليوم، وأثناء هذه العقود الأربعة عاش الناس تحت ظروف ضاغطة إقتصادياً وصلت حد المسغبة خاصة تحت نظام الإنقاذ الذى إعترف قادته بأن 95% من سكان البلاد يعيشون تحت خط الفقر. وبينما تكرر حدوث المجاعة ونقص الغذاء الحاد ربما أكثر من خمسة مرات تحت هذا النظام، يمارس علماء السلطان صمتاً مطبقاً على شظف العيش والضنك الذى يعيش فيه أهل البلاد، رغم أن المجاعات والفقر وسوء التغذية قضوا ربما على الملايين من سكان البلاد. واليوم الحال يغنى عن السؤال!

 

كانت الميزانية التى أعلنها وزير ماليتهم فى يناير الماضى تجسيداً لحالة الإفلاس والفقر المدقع الذى بلغته أحوال البلاد، ثم عاد الرجل قبل إسبوع وكرر حديثاً أشد قتامة وسوءً من ميزانيته، كرر فيه إفلاس البلاد، و قد كان حديثاً صريحاً لا يقبل التأويل، أعلن فيه إنهيار إقتصاد البلاد وأنهم فشلوا فى العثور على أموال تمكنهم من حل الضائقة المدلهمة.

 

وإن تركنا جانباً إصرار الرجل على البقاء فى منصبه رغم إقراره بفشله، فقد كان يتوجب عليه – وذلك من واقع المسؤلية الدينية التى تقع على عاتقه تحت الدولة الدينية - أن يطلب من النائب العام التقدم لبرلمانهم بمسودة قانون لرفع الحدود الشرعية عن السكان، لأن الإقرار بالمسغبه والإعتراف بالفشل فى حلها يستوجب إتخاذ خطوات أخرى تتعلق بالقوانين والعقوبات الخ... فملخص ما قاله الوزير أن سكان البلاد يواجهون الجوع وهو ما يحدث بالفعل فى الواقع.

 

ما يعلمه مسلموا السودان وغيرهم، أن دينهم هو دين الرحمة وأن نبيهم هو نبىٌّ الرحمة، وأن الحدود يمكن رفعها عندما تحدث أحوال مثل تلك التى تسببت فيها عصبة الإنقاذ، وفى سابقة الخليفة الثانى عمر فى عام الرمادة درس لأُولى الألباب.

 

إن واقع الحال يقول أن المجتمع السودانى يمر بظروف معيشية تفوق الوصف، ويجد السواد الأعظم من الناس مشقة بالغة فى الحصول على ما يسدون به رمقهم ورمق أطفالهم، والسلطة نفسها تعترف بذلك. والحال كذلك، لماذا إذن الإصرار على التمسك بتطبيق الحدود الشرعية على مجتمع تعترف الدولة نفسها أنه يعيش فى مسغبة طاحنة وخطب عظيم.

 

وربما يقول قائل، أن النظام لم يعد يطبق الحدود الشرعية الخ..، لكن هذا غير كافٍ لأن القوانيين السائدة لا تزال تنص على تطبيق الحدود، والقضاة ملزمين بتطبيقها، ولذلك وتجنباً لأن يطول تطبيقها الفقراء والمعدمون، أطالب بإلغائها نهائياً من القانون الى أن تتحسن الأحوال. أما محاولة " التطنيش" والإنتقائية، فهى ليست من الدين فى شئ، ففى عام الرمادة لم "ينطش" الفاروق، إنما أعلن قراره صراحة، ولو لم يعلن ذلك، لما كان المسلمون قد عرفوا إبتداءً. إذن، فممارسة " التطنيش" عن قضايا شرعية ليست من الدين فى شئ!

 

وكما نعلم فإن الإسلام ليس طريقاً بإتجاه واحد فقط، أو دين يقوم على العقوبات فقط، لأن تطبيق الحدود الشرعية يرتبط بتوفير حد الكفاف! وللأسف، لا يقدم دعاة الإسلام السياسى فى أدبياتهم القليلة تعريفا لـ "حد الكفاف" الذى يمكن بعد تحقيقه تطبيق الحدود خاصة حد السرقة. فى هذا الزمن، يشمل حد الكفاف نهوض الدولة بتوفيرالضروريات من غذاء ومسكن، وملبس، وتعليم وصحة.


ومن نافلة القول إن كانت الدولة لا تلتزم بتوفير الضروريات للناس، يسقط عنها بالضرورة الحق فى تطبيق الحدود الشرعية عليهم. إذ كيف لدولة أن تطبق الحدود الشرعية على مجتمع لا تعرف إن كان عند أفراده ما يقتاتونه أو انهم وأطفالهم يبيتون الطوى كل ليلة! مثل هذه قضايا بديهية، لأن تطبيق الحدود على المجتمع يجب أن يقابله إلتزام صارم من ولاة الأمر بتوفير حد الكفاف للسكان، فإن فشلت الدولة فى ذلك يسقط عنها تلقائيا حقها المدعى فى تطبيق الحدود الشرعية. هذه قضية لا تحتاج الى إجتهاد ومعرفة فقهية، فتطبيق الحدود على المجتمع يجب أن يقابله إلتزام صارم من الدولة بتوفير حد الكفاف. ورد فى الحديث أن إمراءة دخلت النار فى قطة، لاهى أطعمتها ولا تركتها تأكل من خشاش الأرض، وروى عن الفاروق ان الله سيسأله إن تعثرت بقرة بالعراق! فما بال هؤلاء القوم، لا يوفرون الكفاف للناس ولا يتركونهم ليصيبوا ما يرون لإطعام أنفسهم وأطفالهم! أى دين هذا الذى يدّعون!

 

مأزق مجموعات الإسلام السياسى أنها تنظر للدين كوسيلة للتسلط على البشر، لا لتحقيق مضامين ومقاصد الدين الكبرى فى الرحمة والتراحم. لذلك منذ العام 1983 ما وجد السودانيون رحمة فى دين الجبهة الإسلامية! فقط، قسوة، غلظة، مشقة، كبت، بطش، فساد جريمة وقتل وإنتهاك لابسط الحرمات والحقوق. إما إن كانت ظروف المجتمع تحتم إتباع ما طبقه الخليفة الثانى، فتراهم إستغشوا ثيابهم، واغمضوا أعينهم، وأشاحوا بوجوههم عن واقع الناس فى إصرار غريب لنزع الرحمة عن الإسلام! ترى من هم الذين يعملون لتلطيخ مبادئ ومقاصد الإسلام وهدمها من أساسها!

 

ثوبوا الى رشدكم يرحمكم الله، فالإسلام الذى يعرفه السوادنيون أوسع بكثير من هذا الشطط والفساد والقسوة والغلظة التى تمارسونها على خلق الله، فالحرص على الدين والحرص على بقاء المجتمع يستوجبان رفع الحدود، ولكم فى الفاروق أسوة يا أولى الألباب!