تزايد الفساد الاداري في الآونة الاخير واصبح حديث المجالس والمنتديات وتناوله كثير من الكتاب والائمة من على منابر المساجد، على اعتبار انه ظاهرة خطيرة لها تأثير بالغ الضرر على المجتمع والنشاط الاقتصادي والتنموي، ورغم ان انتشاره ليس حصرا على السودان بل هو ظاهرة منتشرة في كثير من الدول النامية مع اختلاف مستوياته واختلاف الاسس الفكرية للتنظيمات السياسية والاخلاقية التي تحكم، لكن اذا نظرنا الي السودان نجد انه ارتبط بالتنظيم السياسي الحاكم بصورة اساسية ومكن من انتشاره وساعد على اتساع رقعته، كما ارتبط بالمستوى الاقتصادي والاجتماعي والثقافي للموظف العام. ومعظم الدراسات تشير الي أن الفساد الإداري في الدول النامية يصحب عادة عمليات التنمية الاقتصادية؛ وفي السودان أخذت هذه الظاهرة بالظهور عقب انتهاء سنين الشدة وظهور ايرادات البترول التي غذت خزينة الدولة المتعطشة للمال، ومع ازدياد مصروفات الدولة وبداية الحصار الاقتصادي.

تنبع اهمية محاربة الفساد الاداري ومعالجته من اثره المدمر على التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وأثره على ثقة المؤسسات الدولية المالية والمؤسسات المانحة في الحكومة وكيفية ادارتها للموارد. ومن اهم اساليب معالجة الفساد الاداري معالجة أسبابه الرئيسة واعطاء مكافحة اولوية قصوى، لكن الحكومة اهتمت بالأجهزة الامنية التي تحافظ على النظام، وسياسة التمكين، ولم تهتم بالقضاء على الفساد الإداري لأنها لاعب رئيس في منظومة الفساد الاداري.

اتجهت معظم الدارسات الفكرية الحديثة في العلوم الادارية والاجتماعية الي دراسة الظروف الاقتصادية والاجتماعية لتفسير الفساد الاداري، والظروف السياسية والثقافية والبيئة المحيطة بالمجتمع الذى ينتشر فيه الفساد، ومدى تأثير ذلك على سلوك الافراد الذين يسعون الى تحقيق اهداف مشروعة خاصة بهم لكن بوسائل غير مشروعة؛ وفي السودان أرى ان العوامل السياسية من خلال سيطرة التنظيم على مفاصل الدولة كانت ابرز عوامل انتشار وظهور الفساد الإداري، من خلال سيطرة منسوبي التنظيم على الوظائف العامة نتيجة لسياسة التمكين، ومن ثم استغلال النفوذ التنظيمي وتمكين المنتفعين الذين لا ينتمون للتنظيم سواء من اجل الترضيات أو لأنه لديهم قابلية للانغماس في الفساد عكس افراد التنظيم الصادقين بالتالي انتشرت الرشوة والاختلاس واستغلال النفوذ ومخالفة الانظمة واللوائح والقوانين. هذا يعنى ان التنظيم هو الحاضن الاوحد لمنظومة الفساد الاداري ومظاهره، وبشكل أقل المجتمع بسبب الفقر وبسبب الحاجة الى قضاء حوائجه التي لن تقضى إلا بالرشوة. وهذه الظاهرة الخطيرة كان لها الاثر البالغ في تهديد والقضاء على الكيان الإداري والاقتصادي ويتوقع أن تؤثر في المستقبل على الكيان السياسي ككل وعلى التنظيم الحاكم. وبما أننا ذكرنا أن اساس مدخل هذا الفساد كانت الوظيفة العامة بسبب الاخلال بالضوابط الادارية والقانونية المؤهلة لشغل الوظيفة العامة، ليس من خلال التحايل على القوانين والانظمة لكن من خلال القرارات السياسية ذات الطابع الاداري، والامثلة على ذلك كثيرة جداً في مجال الترقيات والترضيات وانشاء وتعطيل ادارات بغرض توظيف منتسبي التنظيم أو افراغها لتعطيلها ومنعها من تحقيق اهداف وجودها.

الامر الخطير في السودان هو الرفض والانكار للاتهامات والمزاعم بوجود الفساد الإداري رغم المظاهر الواضحة والدالة عليه، حيث تتعامل الحكومة معها على اساس انها مزاعم من المعارضين وهى محض افتراءات، بل تتعامل مع هذه المزاعم على اساس انها تعدٍ على خصوصيتها؛ بدلاً من الاعتراف ودراسة الظاهرة وتشخيصها ومعرفة اسبابها من اجل ايجاد الحلول للحد منها والقضاء عليها، بل تزعم أيضا أن اصحاب الفساد ليسوا من افراد تنظيمها بل هم من خارج التنظيم تم الاستعانة بهم لأغراض معينة. لكن ندرك أن هناك علاقة قوية بين التغيرات السياسية والتنظيمية بكم ونوع الفساد الاداري المنتشر والذى يحميه التنظيم، فكم من قرارات تتخذ خارج الاطر الادارية والتنظيمية التي تحكم دولاب العمل وما على الادارة أو الوزارة إلا التنفيذ، لذلك استخدم أفراد التنظيم الفساد الاداري للتأثير على النشاطات البيروقراطية من خلال اسهام المتنفذين من افراد التنظيم في عملية اتخاذ القرارات الادارية داخل مؤسسات الدولة، ايضاً تجلى الفساد الاداري في سوء استخدام المال العام والملكية العامة، وسوء استخدام السلطة ومخالفة اسس واطر ومعايير المسئولية تجاه الدولة لصالح التنظيم، وتنشأ عملية الفساد بين الموظف وبين طرف خارجي يمثل التنظيم والسلطة الآمرة وذلك من خلال التضحية بالمصلحة العامة لصالح مصلحة التنظيم.
وعددت الدراسات الاسباب المؤدية للفساد الاداري من أوجه عدة نراها ماثلة امامنا في السودان وهي، الصفات الشخصية ترتبط بالتنظيم، الانتقال من مرحلة الفقر الى الغنى، الافتقار الى الوازع الديني والاخلاقي، العقوبات المتهاونة، تأثير القيم التنظيمية وطغيانها على المصلحة العامة، تهاون المجتمع مع المرتشين والرشوة عموماً لقضاء مصالحهم المتعطلة بدون سبب وغياب السلطة العليا وبعدها عن مشاكل الناس.
وحتى يمكن ان تنجح الحكومة في ايقاف الفساد يجب عليها ابعاد سطوة التنظيم عن دولاب العمل ومنع تدخله في شأن المؤسسات العامة، واخذ ما تنشره وسائل الاعلام باعتبارها سلط رابعة على محمل الجد، واطلاق يد الاعلام لكشف الفساد، ونذكر هنا ما نشرته صحيفة الصيحة عن فساد متعلق بحيازة اراضٍ سكنية، وبدلاً من محاسبة المتهم الذى يتملك الان مكتب عقارات تم محاسبة صحيفة الصيحة وايقافها لزمن طويل جداً، تفعيل القوانين والتشريعات الخاصة بالفساد الإداري وتطبيقها على الكل بصورة عادلة.
يمكن ان نقول ان الفساد في السودان يتمثل في تعريف روبرت تلمان الذى قال" الفساد الذى يسود في بيئة تساند فيها السياسة العامة للحكومة نظاماً بيروقراطياً، وتتم المعاملات في سرية [انعدام الشفافية] ولا تفرض جزاءات رسمية كالرشوة وتوظيف الاقارب [افراد التنظيم] من غير ذوي المؤهلات والخبرات وما الي ذلك". ان الفساد الاداري يؤدي الي تصدع النسيج الاجتماعي، وانهياراً اقتصادياً مما يحدث خللاً داخل الدولة يؤدي بها الى الهلاك، " وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون". صدق الله العظيم
الصيحة: 15/05/2018
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
/////////////////////