’’كلما إزداد إبتعاد المجتمع عن الحقيقة .. كلما إزدادت كراهيته لمن يتحدثون بالحقيقة‘‘
جورج أورويل

’’إن مأساة الجلابة كمجموعة اجتماعیة ھي نظرتھم العربو-إسلامیة الضیقة
وفشلھم الكلي في النظر إلى ما وراء معیار العروبة والإسلام كعاملي توحید للسودان*1‘‘
جون قرنق دي مابیور

إن إتهام من يعتقدون بأن السودان ليس عربياً بالعنصرية هو إتهام إذا تم التأمل في جوهره غريب إلى حد كبير ، حتى إذا كان أحد المبررات أن كل من تحدث بالعربية فهو عربي ، فإن إعمال حسبة بسيطة ناهيك عن التقارير التي رشحت إبان إتفاقية السلام الشامل 2005م (نيفاشا) بأن نسبة أهل الوسط في السودان ، وهم تقليدياً من يتم وصفهم أو يصفون أنفسهم (وهذا حق أصيل لهم في إعتقادي) بالعرب ، وهم تقليدياً أيضاً من يحوزون السلطة والثروة في دولة ما بعد الإستعمار بأن نسبة تعدادهم مقارنة بباقي السكان لاتفوق على أقصى تقدير نسبة الـ 20%. وهذا لا ينفي أن هناك عرب في مناطق أخرى كالرحل في غرب السودان والذين يتم الإعتراف بعروبتهم عند الحوجة لهم ويتم نفيها عند المغنم إلا أنهم عملياً رغم ثقافتهم العربية وتعصبهم الظاهري لا يشكلون معضلة آيدلوجية ، فهذه المجموعات الإثنية (الرحل) معتادة على تداول السلطة سلماً أو حرباً مع إثنيات أخرى غير عربية في دول الجوار وتحالفاتها من أجل السلطة لا تعني لهم بالضرورة أن على رأسها يجب أن يكون هناك شخصاً عربياً ، إن معضلة الرحل الكبيرة في السودان كانت تنظيم الأنصار وبالضرورة حزب الأمة والتي للمفارقة أن الإنقاذ قد قامت بحل معظمها بتحرير الرحل لحد كبير من هذين التنظيمين ، وبدون أن تقدم بديل آيدلوجي مقنع ، فوقوف الرحل مع السلطة اليوم هو موقف مصلحي بحت حتمه الضعف السياسي لحركات الهامش خصوصاً بعد وفاة د. جون قرنق.
أما إذا عدنا للحسبة البسيطة التي دعونا لإعمالها فإذا سلمنا جدلاً بأن كل من يتكلم العربية فهو عربي فمن المستحيل أيضاً أن يشكل العرب أغلبية في السودان ، وللتحلي بالقليل من الموضوعية على الأقل عند إستقلال السودان ، وقبل أن تستميت نخب الوسط بكل الوسائل المتاحة والغير متاحة في نشر اللغة العربية في أرجاء السودان غير المتحدث بالعربية ومركزة الحكومة وجميع وظائفها Functions وأدواتها وتحييزها بشدة حتى يطر الجميع لتعلم العربية خصوصاً في عهد الإنقاذ والذي كان الأكثر فعالية في إنجاح هذه الإستراتيجية. حتى وقت ليس بالبعيد جداً كان من المعتاد أن تجد من ضمن جيرانك في الحي (في الخرطوم طبعاً) بأن عددا مقدراً من أفراد الأسر القادمة من أقصى الشمال ، الجنوب ، الشرق ، أو الغرب ممن لا يجيدون اللغة العربية بتاتاً بأي شكل من الصور حتى لو كان عربي جوبا إذا تم إعتباره تكرماً من أشكال تكلم اللغة العربية التي تدخلك في العروبة ناهيك عن أن العربية السودانية نفسها يتم تصنيفها بأنها مختلفة جداً عن أشكال اللغات العربية المتحدثة الآن ومن أبعدها عن العربية الصحيحة على عكس ما يعتقده الكثيرون!! وعكس ما يروج له الأكاديميون السودانييون. فحسبتنا هنا ببساطة أنه عشية إستقلال السودان فإن من يتحدثون العربية كأغلبية سواء أصالة كلغة أم ، أو كلغة ثانية مع وجود الإثنيات غير العربية في الشمال والجنوب والشرق والغرب أمر مستحيل ناهيك أيضاً عن أن إنتشار اللغة العربية كان من باب الـ lingua franca أي كلغة تواصل بين أصحاب لغات مختلفة ، وذلك عن طريق التدمير الممنهج المتعمد للغة الإنجليزية كلغة محايدة خصوصاً في التعليم وبالطبع الكشط المتشنج بسبب الهوس للغات المحلية الأخرى لخلق مركزية لغوية واحدة. فحتى إذا صح أن تعلم العربية بالطريقة المذكورة يجعل أصحابها عربا فيصح مثلاً أن كل من لديه حصيلة ما مناسبة من اللغة الإنجليزية فهو إنجليزي!
وما يتم تعميه الكثيرين عنه أن التركيبة الإثنية السودانية ليست فريدة من نوعها Unique إن اللوحة العرقية السودانية موجودة في معظم الدول الأفريقية وفي كثير من الأحيان تتطابق بطريقة مذهلة بل أن بعضها به عرب لا يوجد نزاع في عروبتهم ، وإذا أخذنا مقاربة العروبة في السودان بطريقة أكثر واقعية فإن الشخص يستطيع أن يدعي بكل أريحية بأن هناك دولاً أفريقية - تحت الصحراء - أكثر عروبة من السودان ، الفرق الوحيد كان هو تأثير الأيدلوجيا القادم من مصر في الشمال والمملكة العربية في الشرق أي أن الموقع الجغرافي لعب دوراً كبيراً في الحالة التي نحن عليها الآن كتخوم سيئة الحظ.
ومع هذا لازال السؤال قائماً ، ما الذي جعلنا عرباً على الأقل كدولة؟ إن الإجابة على هذا السؤال هي السبب المباشر للنزاع السوداني المزمن والذي يتهرب الكثيرون من الإجابة عليه خوفاً من الدمغ بالعنصرية من قبل اليمين أو التخلف من قبل اليسار ، إن الإجابة على هذا السؤال ببساطة أن نخب الوسط قد إتخذت هذا القرار بمفردها بمعزل عن الجميع وبدعم مباشر غير مشكوك فيه من قاعدتها الإثنية. هذا لا يعني تحميل القاعدة الإثنية المسئولية ، ليس خوفاً من الإتهام بإثارة النعرات العنصرية ولكن ببساطة أيضاً لأن مسئولية القواعد تتحملها النخب ولهذا تمت تسميتها بالنخب وإلا لكان قد تم إعدام وسجن الشعب الألماني كله في محاكمات نورمبرغ بعد الحرب العالمية الثانية ، أو السنة كلهم في العراق بعد سقوط صدام حسين مثلاً ، وبالطبع أن عكس هذا التفكير هو الذي أدى إلى المذابح المأساوية التي حدثت للأقليات الأثنية التي تتحكم نخبها غير المسئولة داخل دول متعددة الإثنيات في الإثنيات الأخرى وتذيقها الويل وبعد أن تفقد سيطرتها على الأمور تكون إثنيتها التي تنحدر منها هي الضحية المباشرة. إن ما لا يريد أن يعيه الكثيرون في السودان أن التخلف الإقتصادي من الصعب أن يشعل حرباً أهلية وإلا لكان أهل الشمال والوسط أنفسهم قد إصطفوا في خندق واحد لحمل السلاح مع إخوتهم من المكونات الأخرى ضد النخب الحاكمة! والغريب في الأمر للذين ينكرون هذه النقطة أن أسباب بداية إشتعال الحرب الأهلية في السودان كان واضحاً للغاية وعبرت عنه أطراف النزاع صراحة وموثق توثيق رسمي ودقيق بل ويدرس في المناهج الدراسية علناً ، فلو كان العالم قد تعهد بنصف ثرواته للجنوب حينها ودفعوا عربوناً نقديا (كاش) لكل جنوبي في يده وتم تسليمه سيارة ومنزل .. لتمرد الجنوبيين!
إن من أحدث تحولاً جذرياً لدعاية الحرب الأهلية في السودان وللأيدلوجيا التي تنطلق منها هو د. جون قرنق ، وقد كان فعالاً في ذلك للدرجة التي جعلت الكثيرين ينسون السبب الأصلي للحرب والذي طوره جون قرنق بمجهودات وتضحيات خرافية منه وممن آمنوا معه برؤيته ليس لشيء إلا ليحطم الحواجز الإثنية والتي كانت السبب الرئيسي للحرب ، وليس من العدالة عدم القول أن نفس القاعدة الإثنية (الوسط) والتي كانت المستهدف الرئيس لأيدلوجيا قرنق والتي كان إختراقها بهذه الأيدلوجيا على الأقل على مستوى النخب سينزع فتيل الأزمة السودانية فقد فشل إختراقها بشكل شبه تام ما عدا بعض النخب هنا وهناك - وهي نخب إنسانوية من الوسط عالية التجرد من وحيها يمكن تأليف مجلد كامل عن كيف يكون المثقف الإنسانوي الحقيقي دون الحوجة لنيل درجات من الغرب أو التدريس في جامعاته والتنطع والإبتهاج غير المتواضع بذلك كما هو حال بعض مثقفينا! وهذه النخب في إعتقادي الشخصي تعتبر الأحق بالإحتفاء بها كطالبي إستقلال حقيقيين مقارنة مع نخب الإستقلال الإنتهازية ’’المتخلفة‘‘ التي تسلمت الحكم من المستعمر الثنائي - ولا يمكن أن نمر من هذه النقطة دون أن نحدد مسئولية وفشل اليسار السوداني العريض والذي هو أصلاً يسار إثني (يسار في مايسمى إثنياً بالوسط) الذريع في أن يلعب دوراً حاسماً ليحدث تحولاً جذرياً في الصراع ، بل أن اليسار السوداني حتى الآن بعد كل المجهودات والتضحيات التي حدثت من نخب الإثنيات الأخرى لتغيير آيدلوجيا الصراع وتحويلها في مجاري تصب تماماً لصالح اليسار ، للمفارقة لا زال نفس هذا اليسار اليوم يسمي حروبات الهامش (حروبات من أجل قضايا مطلبية عادلة) ، وينعتها أحياناً بالمناطقية أي أنها حروبات مناطقية لا يمكن أن يتورط فيها اليسار بشكل رسمي أو على نطاق واسع أو يبني عليها ليكمل العمل المطلوب كما حدث في أثيوبيا مثلاً عند خلع منقستو ، ولكنه يرى فيها قضايا عادلة تستحق الإهتمام! ببساطة بالنسبة لليسار هذه ’’مناطق‘‘ وليست وطن لأن الوطن هو ’’الوسط‘‘ ولا يجوز للثورة أن تقوم من مناطق وإلا كانت ثورة غير منطقية! فالثورة الصحيحة يجب أن تقوم من الوسط أي من الرأس ، فالإنسان لا يمكن أن تبادر يده أو يسبقه أصبع قدمه الكبير (مهما كان كبيراً) دون إذن رأسه بعمل ما إلا إذا كان وقحاً. بل أن بعض هذه التنظيمات يصف نفسه بالعربي.
فإذا كان اليسار نفسه المنبثق من الوسط دون وعي منه قد رسم لنفسه آخر أثني ومناطقي بكل وضوح أي أنه هو نفسه لا يتقبل الآخر وهو التشكيل الأكثر تقدماً في الوسط فلك أن تتخيل عمق الأزمة!

كوكو موسى

مراجع:
*1- (حركة عموم أفریقیا والقومیة الأفریقیة: وضع الأمة الأفریقیة في السیاق – حالة السودان) خطاب د. جون قرنق دي مابیور ، مؤتمر طلاب عموم أفریقیا السابع عشر - ناميبيا ، مايو 2005م ، صوت الهامش الإلكترونية 9 أبريل 2018م ترجمة د. أبكر آدم إسماعيل.
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.