عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

إن إدارة و تنظيم الانتخابات مسألة طويلة و شائكة و تمر عبر مراحل متعددة، و خلالها تتم مراعاة مسائل استقلالية الهيئة المنظمة للانتخابات و نزاهتها، كذلك يتم خلال ضمان حق الترشح و الانتخاب. و هذا الجانب من المهم معالجته، ليس لاغراض سياسية محضة، او تطبيق إصلاحات قانونية شكلية وفقاً لتعهدات سياسية معينة، و لكن مهمة بغرض التثقيف الانتخابي بوصفه عملية مهمة في سياق ممارسة الديمقراطية، بجانب أهميتها في أن تضع امام المؤسسات العامة التي ترسم السياسات، أفضل الممارسات و افضل الطرق للوصول للاهداف النهائية من أي إصلاح في نظام الانتخابات. حسب التجربة السودانية التي كرستها إتفاقية السلام، و من بعدها الدستور الانتقالي لسنة 2005، كانت المفوضية القومية للانتخابات هي المؤسسة المسؤولة عن ادارة الانتخابات و الاشراف عليها، إلا أن تلك التجربة قد واجهت العديد من الانتقادات القانونية و السياسية، أبرزها كان عدم إستقلالية المفوضية، وبالتالي تصاعدت النداءات و النصائح – آخرها كان في وثيقة مخرجات الحوار الوطني - بتغيير قانون الانتخابات الحالي. فيما يلي، نناقش موضوع إدارة الانتخابات في السودان من أكثر من زاوية، كما سنبين في أدناه:

تكوين المفوضية:
نصت المادة 141 من دستور السودان الانتقالي على تكوين و اختصاصات المفوضية القومية للانتخابات، بالنص على الاتي:
تنشأ خلال شهر واحد من إجازة قانون الانتخابـات القوميـة مفوضـية قوميـة للانتخابات تتكون من تسعة أشخاص مشهود لهم بالاسـتقلالية والكفـاءة وعـدم الانتماء الحزبي والتجرد، ويراعى في اختيارهم اتساع التمثيل . و يـتم ا ختيـارهم وتعيينهم بوساطة رئيس الجمهورية وفقاً لأ حكام المـادة 58- 2- ج مـن هـذا الدستور تكون المفوضية القومية للانتخابات الجهة الوحيدة التي تتولى المهام التالية:
- إعداد السجل الانتخابي العام ومراجعته سنوياً،
- تنظيم ا نتخابات رئيس الجمهورية والـولاة والهيئة التشريعية القومية والمجـالس التـشريعية الولائية والإشراف عليها وفقاً للقانون
- تنطيم أي استفتاء وفقاً لهذا الدستور والإشراف عليه،
- أداء أي مهام انتخابية أخرى ذات صلة يحددها القانون
- يحدد قانون الانتخابات القومية القواعد العامة والإجراءات التي تحكم الانتخابـات وكذلك مهام وشروط خدمة العاملين في المفوضية القومية للانتخابات
و جاء تفصيل ذلك في قانون الانتخابات القومية لسنة 2008 في المواد من 4 – 17 انشاء المفوضية. و دون الحوجة الى خلق تعارض مع نصوص الدستور أعلاه، من المهم ان ينص القانون على ان يتم إختيار أعضاء مفوضية الانتخابات من خلال إجراءات تضمن حيادية تلك الاجراءات، و كذلك تضمن استقلالية المفوضية و أعضائها في المستقبل. لذا من المهم ان يتم إختيار أعضاء المفوضية من خلال إشراك أكثر من سلطة واحدة في إجراءات إختيار المفوضية، و على ان يكون للرئيس الوضعية السيادية في المصادقة النهائية على اعضاء المفوضية المقترحين. و في هذا الصدد من المهم ان يتم إشراك سلطة ممثلة للشعب (البرلمان) و مؤسسات حقوقية (مفوضية حقوق الانسان) و من الممكن أيضاً ادراج مجلس الاحزاب، على ان تتكون لجنة من الهيئآت و المؤسسات الثلاثة برئاسة البرلمان، بغرض التوافق على قائمة أعضاء المفوضية، و على ان ترفع توصيات هذه اللجنة الى رئيس الجمهورية لاستكمال الجانب الدستوري وفقاً لأ حكام المادة 41 والمـادة 58- 2- ج مـن الدستور.
إن تمثيل سلطتين او هيئتين في اللجنة المسئولة عن إختيار أعضاء المفوضية يضفي طابع من الشفافية و يضمن شروط أفضل لتحقيق إستقلالية المفوضية، اذ تقف كل سلطة رقيباً على السلطة الاخرى. و من الضروري التأكيد على العديد من الاحكام التي أصبحت راسخة في كل القوانين المنظمة لمفوضيات الانتخابات، من بينها أن:
- لا يجوز إعفاء رئيس و أعضاء المفوضية إلا لإدانته بحكم نهائي في جريمة تخل بالأمانة و الشرف ، أو الاستقالة المكتوبة للمفوضية .
- لمفوضية مستقلة ماليا و إداريا و لها شخصية اعتبارية تمارس مهامها و اختصاصاتها المخولة لها باستقلالية و حيادية و شفافية .
- المفوضية تتخذ قراراتها بالأغلبية في جلسات علنية و الرئيس يرجح الأصوات في حالة تعادلها.
- يجب تمثيل المرأة في اللجان التي تشكلها المفوضية بنسبة لا تقل عن 30%
والمفوضية القومية للانتخابات هي هيئة دائمة ، ذات شخصية اعتبارية وتمارس كافة مهامها واختصاصاتها المخولة لها باستقلال تام وحيادية وشفافية مع حظر التدخل على أية جهة في شؤونها وأعمالها واختصاصاتها أو الحد من صلاحياتها وفي المقابل يقتصر عمل اللجنة على الجانب التقني والإداري والتنفيذي من العملية الانتخابية ، أي أنها ليست جهة مختصة بوضع القانون الانتخابي أو تعديله ، بل هي تعمل بموجبه . فحياد المفوضية لا يتعلق فقط في تعاملها مع الأطراف المختلفة ذات العلاقة بالانتخابات ، وإنما يمتد للقضايا والمواقف المختلفة. و بالتالي من المهم الاشارة الى اختصاصات المفوضية القومية للانتخابات بصورة واضحة في القانون، و من المهم كذلك ضمان النص على المهام التالية:
- إدارة كل الانتخابات التي تشهدها البلاد على المستوى الوطني أو الولائي أو المحلي .
- انجاز مهام كل عملية انتخابية في كافة مراحلها قبل وأثناء وبعد يوم الانتخابات، ومن أبرز هذه المهام: تسجيل الناخبين وإعداد قوائم بأسمائهم ، تلقى طلبات الترشيح للمناصب المختلفة ، الإعداد الفني ليوم الانتخابات ، الإشراف على إجراء الانتخابات ، وإعلان نتائجها .
- المساهمة متى ، طلب منها ، في إعداد الدراسات بغية تطوير القوانين المتصلة بالانتخابات وذلك بمواكبة التجارب الحديثة والاستفادة مها .
- تلقى اخطارات إنشاء الأحزاب السياسية والتكتلات والقوائم التي ترغب في خوض العمل السياسي والانتخابات ، وإعداد قواعد بيانات خاصة بها في مركز معلومات مركزي .
- إصدار الإجراءات والضوابط المتصلة بالانتخابات في كافة جوانبها ، وخاصة تلك المتصلة بالإعلانات الانتخابية وتمويل الدعاية الانتخابية ، وتحديد العقوبات الواجبة على المخالفين .
- تنظيم تمويل الحملات الانتخابية والإشراف عليها ومراقبتها ، وذلك حسب قانون محدد لتمويل الانتخابات يتم سنه الهيئة التشريعية القومية لضمان أكبر قدر من نزاهة الصوت الانتخابي وتحييد المال الانتخابي .
- تقوم المفوضية في الفترات التي لا تشهد انتخابات بأعمال ذات صلة مثل الاستمرار في تسجيل الناخبين الجدد وتجديد القوائم تنقيتها ، وإعداد الوثائق والمستندات الإرشادية وتقديم الاستشارات للمواطنين والمرشحين ، وإجراء استطلاعات للرأي .
- تنظيم حملات توعية منظمة للمواطنين في شكل دورات تثقيفية وتدريبية وعقد المحاضرات وورش العمل في المناطق المختلفة من البلاد ، هذا بجانب تقديم دورات بناء القدرات السياسية للكوادر والقيادات السياسية والحزبية والنقابية .

إستقلالية المفوضية:
التأكيد على الأهمية القصوى الذي يكتسيها حياد المفوضية المستقلة عند القيام بمهامها حيث يعد هذا الحياد أحد أهم معايير نزاهة الانتخابات وأساس ديمقراطيتها وهي ملزمة للوصول إلى هذا الهدف من خلال معاملة كل الناخبين وكل المرشحين وفقا للقانون ودون أدنى تمييز من جهة ، و من جهة أخرى ، بكسب ثقة المواطنين من خلال الالتزام بالحياد السياسي والحزبي ، والابتعاد عن أي تصرفات قد يفهم منها تغليب مصالح فئة ما أو حزب سياسي معين . ولابد أن يتسم عملها بالدقة والشفافية ، من خلال التأكد من صحة البيانات والمعلومات التي تحصل عليها ومن صواب القرارات التي تصدرها ، وإتاحة ما قد يحتاجه الناخبون والمرشحون من معلومات وبيانات .

تحديد الدوائر الانتخابية:
لقد قام قانون الانتخابات الحالي لسنة 2008 على اعتماد مبدأ تقسيم الدوائر الانتخابية وفقا لمبدأ القاسم الوطني (المواد 3 و 35)، لتحديد عدد و حدود الدوائر الانتخابية،و الاتجاه الذي عمل به قانون الانتخابات متفق عليه في العديد من التجارب الانتخابية العالمية، و لكن من المهم مراعاة القواعد التالية:
- يتم تكوين لجنة قومية لترسيم الدوائر الانتخابية تحت إشراف المفوضية. تحدد المفوضية خبرات و اختصاصات و مؤهلات اعضاء اللجنة القومية.
- تسترشد اللجنة القومية لترسيم الدوائر ا الإنتخابية و عدد الدوائر بنتائج التعداد السكاني.
- يجب تجنب التفاوت الكبير بين الدوائر بحيث لا يتعدى الفرق بين الدوائر، زيادة او نقصانا، نسبة 5%.
- يجب ان تتوفر كل المعلومات المتصلة بتقسيم الدوائر الانتخابية للاحزاب السياسية و منظمات المجتمع المدني و الباحثين، لضمان العدالة و الشفافية. تشمل تلك المعلومات عدد الدوائر الجغرافية و حدودها و نتائج و أرقام التعداد السكاني.
- على المفوضية ان تعمل على الحصول على تقارير التعداد السكاني من السلطات المختصة، و كذلك من المهم على المفوضية إيجاد آلية لمتابعة التغييرات في التكوين السكاني القومي و الزيادات التي تطرأ عليه، من خلال التنسيق مع المجلس القومي للسكان ووزارة الداخلية ادارة السجل المدني، و التغييرات التي تطرأ على التقسيمات الجغرافية و الادارية للولائية من خلال ايجاد آلية للتنسيق مع ديوان الحكم الاتحادي.
الطعون القضائية في قرارات المفوضية و لجانها:
إن الطعون هي واحدة من أهم الأساليب المكفولة لحماية نزاهة الأنتخابات، فهي تمثل النظام القانوني للتصدي للمخالفات التي تمس نزاهة العملية الإنتخابية، و على الرغم من أن نظام الطعون هو من أكثر النظم المتبعة في التصدي للقرارات الإنتخابية الغير صحيحة و تأكيد نزاهة الإنتخابات، إلا إنه كانت على الدوام، مسألة فعالية الطعون و تأثيرها الإيجابي على نزاهة العملية الإنتخابية، مرتبطة بطبيعة المؤسسات المكلفة بالنظر في الطعون و تركيبتها و كفاءتها. لذا لبيان مدى تأثير الطعون في نزاهة الإنتخابات، هناك بعض الإعتبارات ( كنت قد أوردت جزء منها في مؤلفي: الطــــعون الإنتخابيــــــة وفقاً لقانون الإنتخابات القومية السوداني لسنة 2008 - دراسة توضيحية للنواحي القانونية و الفنية المرتبطة بالطعون الإنتخابية – مركز الشرق للثقافة و العون القانوني، الخرطوم، مايو 2009)، يجب مراعاتها:
• إستقلالية و كفاءة و حيدة المؤسسات التي لها سلطة النظر و البت في الطعون: فالمتبع في النظم الإنتخابية الحديثة، هو إشراك السلطة القضائية في عملية مراقبة الإنتخابات، حيث ينعقد لها الإختصاص في الفصل في الطعون و المخالفات التي ترفع وفقاً لأحكام قانون الإنتخابات.
• سرعتها في أتخاذ القرارت: إن العملية الإنتخابية عملية سياسية مرهونة بميقات زماني، فلابد أن تصدر القرارات في الطعون على وجه السرعة، بحيث يكون لها الأثر المباشر في تحديد إتجاهات الإجراءات الإنتخابية الجارية، فمن غير المفيد أن تصدر القرارات في الطعون الإنتخابية بعد زمن طويل من إنتهاء العملية الإنتخابية، فاذا شعرت الجهات المشاركة في العملية الإنتخابية سواء كانوا أفراداً أو مؤسسات بلا جدوي الطعون لعدم تأثيرها في العملية الإنتخابية، فإنهم سينصرفون عنها و يبحثون عن بدائل أخرى قد تكون غير قانونية مثلما قد تكون غير سلمية.
• السهولة: و نقصد بها عدم تعقيد الإجراءات المرتبطة بشكل الطعن و طريقة إيداعه و الرسوم المطلوبة و التعقيدات الإدارية. و يشمل هذا الجانب أيضاً أن تكون المؤسسات ذات الإختصاص في النظر والبت في الطعون قريبة و متوافرة في كل المواقع الإنتخابية بما ييسر للجهات كافة أن تصلها بكل يسر.
• الفعالية: و هو أن تكون القرارات الصادرة، لها أثر فعال في سير إجراءات العملية الإنتخابية، وفي ردع المخالفين، و بإتجاه آخر في تمكين الناخبين من التعبير عن إرادتهم بكل ثقة وطمأنينة بأن حقوقهم و مكتسباتهم وإرادتهم الجماعية محمية بشكلٍ كافٍ من خلال نظام الطعون القانونية المكفول بموجب القانون. و تظهر هذه الفعالية متى ما كان للجهة المختصة بنظر الطعون سلطة إصدار قرارات حاسمة مثل إلغاء أو إيقاف العملية الإنتخابية، و إبطال فوز مرشح، و غيرها من القرارات المؤثرة.

الاتجاهات المقترحة لاصلاح أحكام الطعون:
و للفائدة القانونية، و بغرض تقديم رؤى علمية مفيدة لاي إصلاحات تشريعية من المهم معالجة وضع معالجات ناجعة لنظام الطعون الانتخابية بما يضمن، إستقلالية و نزاهة و عدالة العملية الانتخابية، و بما يضمن في المستقبل الإستقرار السياسي و السلام الاجتماعي في السودان. فيما إقترح بعض الاصلاحات:
- في إطار صياغة الطعون القضائية ضد قرارات المفوضية القومية و لجانها، داخل القانون، من المهم، ان يتم تخصيص فصل خاص للطعون، بحيث يتم تيسير متابعة احكام القانون الخاصة بالطعون بكل يسر و وضوح. في القانون الحالي نلاحظ بان باب الطعون غير موجود، و ان الاحكام المتصلة بالطعون موزعة في ابواب القانون بصورة فيها غموض.
- من المهم ان تتم الاشارة في أي قانون جديد للانتخابات او اي اصلاحات مقترحة، على التنسيق مع السلطة القضائية من أجل تخصيص دائرة للطعون الانتخابية و تكون لها فروع في الولايات لضمان سرعة الفصل في الطعون الانتخابية بسرعة. هذا المقترح يقصد به تحقيق أسهل السبل للوصول للعدالة بواسطة الناخبين، و ان لا تكون هناك تعقيدات اجرائية او موضوعية خاصة بنظام الطعون.
- أن بناء نظام قانوني محكم للطعون الإنتخابية، هو الخطوة الأولى تجاه تحقيق إنتخابات حرة و نزيهة معبرة عن إرادة الشعب، و يكتسب نظام الطعون الإنتخابية صفة الفعالية، متى ما كان هذا النظام قد تم تشيده بقصد بناء الديمقراطية من خلال حماية أرادة الناخبين، و في هذا السياق يسهم النظام القانوني للإنتخابات بشكل عام، في حماية السلم السياسي و الإجتماعي في أي دولة، متى ما كان النظام الإنتخابي يحمي حقوق كافة المشاركين في العملية الإنتخابية.
- في الواقع يشكل النظام القانوني للطعون الإنتخابية وفقاً لقانون الإنتخابات القومية لسنة 2008 ، ملمحاً بارزاً في التطور التشريعي لنظام الإنتخابات، و بخاصة عندما تنصب المقارنة بقانون الإنتخابات القومية لسنة 1998 الملغي، والذي لم تكن فيه مسألة الطعون علي ذات المستوى من الوضوح.