" لم يتعلموا شيئاً، ولم ينسوا شيئاً" ( تشارلس تاليراند، وزير خارجية نابليون)


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
10 يونيو 2018
وصلنى تسجيل صوتى للدكتور على الحاج محمد، رئيس حزب المؤتمر الشعبى يتحدث فيه عن أكثر من قضية، لكن ما لفت إنتباهى هو حديثه عن الإعتداء على شاب سودانى/أمريكى بواسطة مجموعة من جهاز الأمن فى مطار الخرطوم.

دهشت وصدمت وأنا إستمع لذلك التسجيل التضليلى الأجوف. وما كان لى أن أندهش أو أصدم لولا ترهات أمل خائب بإعتقادى أن الرجل بعد أن أمضى ما يقارب العقد ونصف فى ألمانيا قد إستوعب – على الأقل - الحد الأدنى من قضية الحرية وحقوق الإنسان وسيعمل ويناضل من أجل تحقيق قدرا منه بعد أن أصبح رئيساً لحزب تاريخه كله أنتهاكا للحريات والحرمات. ورغم قناعتى الراسخة أن الأخوان المسلمين لا يؤمنون إبتداء بالحرية ومبادئ حقوق الإنسان، إلا أننى ظننت – وبعض الظن إثم – أن تجربة المؤتمر الشعبى السابقة فى الحكم والفظائع التى إرتكبوها ضد مخالفيهم، ثم لاحقاً ما أصابهم من زبانية نظامهم بعدإنشقاقهم، قد وفرت للقوم تجربة ودرساً يمكناهم من إعادة النظر فى تلك القضايا الجوهرية، ومن ثم، الإعتبار بما جرى لهم فى الحكم والمعارضة لكى يتخذوا موقفاً مبدئياً من قضايا الحرية وتحريم تعذيب البشر والنيل من الكرامة الإنسانية.

واقع الحال يقول أن المؤتمر الشعبى وبعد أكثرمن عام من إلتحاقه بالمجموعة الحاكمة، لايزال يمارى ويداهن ويساوم ويبحث عن المبررات لتجاوز قضايا مبدئية، منحها الخالق للإنسان! بمعنى آخر، إنهم كآل "بربون" لم يتعلموا شيئاً ولم ينسوا شيئاً، ولا يزالوا فى ضلالهم القديم يتعاملون مع الحرية على أنها محل مساومة!

ملأت قيادات المؤتمر الشعبى الدنيا ضجيجاً وصخباً عن الحرية والحقوق الأساسية، وأتخذت من تحقيقها وإشاعتها فى البلاد مندوحة ومبرراً لإلتحاقهم بالسلطان، رغم أن واقع الحال يقول أن قضية الحريات والحقوق الأساسية لا تزال تراوح مكانها، فالصحف لاتزال تصادر وتمنع من النشر، والمعارضين لا يزالوا يعتقلون بدون سبب، والطلاب يقمعون، ومحاكمات الرأى العام الجائرة مستمرة، ورغم كل ذلك لم يرى المؤتمر الشعبى فى كل ما يجرى سبباً كافياً للخروج من السلطة، بعد أن فشل فى تحقيق أى إختراق فى القضية التى أعلن أنه إلتحق بالسلطلة من أجلها. واضح أن القوم فضلوا التمرّغ فى ذهب المعز، مستندين على حقيقة قديمة عندهم تتمثل فى عدم الإيمان بالحرية، يضاف الى ذلك أن النضال من أجل الحرية مكلف، وبعد عقد ونصف من الزمان خارت قواهم ووهنت عزيمتهم وضعفت، ولا قبل لهم بسيف المعز! لسان حالهم يقول، ماكل طارئ دفعتك للحديث عنه تقلبات الأيام وتحولات السلطان يمكن أن يصبح مبداء ضابطاً يٌتَمسك به ويُضحى من أجله. لذلك لم يعد خافياً على أحد أن حديث المؤتمر الشعبى عن الحرية لم يكن فى جوهره إلا ذراً للرماد فى العيون، بعد أن سقط الحزب فى أبسط إمتحاناتها. فالتجربة تقول إنهم سلطويون، ينحازون للسلطة متى ما وجدوا إليها سبيلا، بصرف النظر عن طبيعتها!

لقد أكدت مشاركة المؤتمر الشعبى الحالية فى السلطة وصمته على ما يجرى، أن الحزب لا يؤمن بالحرية، وأنه حزب بلا مبادئ، وأن أحاديثهم الكريرة عن الحرية لم تكن فى حقيقتها إلا تغطية وتبريراً للمشاركة فى السلطة، وهى سلطة يعتقدون فى قرارة أنفسهم أنهم اولى أو أحق بها من العسكر ومجموعة الإنتهازيين المتجحفلين حولهم. لكل ذلك، فالحديث الذى صدر من الدكتور على الحاج، لايمكن أن يصدر من رئيس حزب ملأ الدنيا ضجيجاً وصخباً عن الحرية! وهو حديث تبريرى، تخديرى لتغطية العار الذى يشاركون فيه.

لقد كان حرياً بالرجل أن يقول صراحة أنه وبعد عام من المحاولة لرد الحريات من خلال المشاركة ومحاولة تنفيذ "مقررات الحوار"، قد فشلوا، وأن المؤتمر الوطنى عصيىُّ على التغيير من الداخل، وإنهم بالنظر لكل التجاوزات وإستمرارها يعلنون خروجهم من الحكومة!موقفا مثل ذلك كان سيحسب لهم ويعيد لهم بعضاً من مصداقيتهم التى تآكلت وصدئت! أما حديث الرجل عن المطالبة بالتحقيق أو الإتصال بقيادة جهاز الأمن فنقول للرجل "خليها مستورة" او كما قال!

ترى من أين للمؤتمر الشعبى التمسك بالحريات والنضال من أجلها وتاريخه كله قمع وبطش وكبت، أو فى أحسن الأحوال تواطؤ وصمت ومباركة ضمنية لإنتهاكها. وقديما قالوا:" فاقد الشيء لا يعطيه"!