في المقال السابق تعرضت بصورة مجملة لقضية الانتخابات وسأتعرض، في هذا المقال، باختصار لمناقشة اطروحات الداعين والرافضين للمشاركة. سأبدأ بتوضيح موقفي المبدئي من الانتخابات العامة كحق ديمقراطي، مكتسب ومشروع، ثم اناقش مقولات واسباب الداعين والرافضين للمشاركة في الانتخابات القادمة، واختتم بالقضايا الأهم ، وذات الأولوية ، في الوقت الراهن.


الموقف المبدئي من الانتخابات:
الانتخابات العامة وحق التصويت للجميع هما محصلة دعوات فكرية، وتطور تاريخي، وحراك جماهيري واسع ومتواصل عبر عقود من السنين. فقد كان حق التصويت حكرا على الطبقات الارستقراطية. وبعد نضال طويل تم منح الطبقات العاملة حق التصويت مما أحدث اثرا واضحا حول الطبيعة السياسية والتركيب الطبقي للبرلمانات. أعقب ذلك منح حق التصويت للنساء فألغي آخر مظاهر التمييز، وأضاف بعدا اجتماعيا مهما للأنظمة الديمقراطية. كانت الانتخابات، ولا تزال، قضية صراع فكري متواصل، بين مختلف التيارات الفكرية (ليس هذا مجال الخوض فيها). فالانتخابات هي حق مشروع للجماهير، كسبته بعد معارك، لتحدد من يحكمها. من هذا المنطلق، ليس لدى اعتراض مبدئي على المشاركة في أي انتخابات عامة. لكن المشاركة، ذات القيمة والفعالية السياسية، تتحدد بالتحليل الموضوعي للواقع السياسي المحدد، في الوقت المحدد، وطبيعة النظام الحاكم، هل هو ديمقراطي أم دكتاتوري. وهل المشاركة ستكون إضافة إيجابية لنشاط المعارضة، وتسرع بوتائر التحول الديمقراطي ام انها تصب في مصلحة النظام الدكتاتوري القائم، الذي لجأ لها مضطرا، تحت الضغوط الدولية، او في محاولة لإضفاء المظهر الديمقراطي على نفسه، وتجميل صورته.


أسباب الدعوة للمشاركة في انتخابات 2020:
الأسباب الأساسية التي اوردها دعاة المشاركة هي:
• فشل المعارضة خلال ثلاث عقود في اسقاط نظام الإنقاذ.
• اليأس من التغيير والاقتناع بان نظام الإنقاذ غير قابل للزوال.
• ضعف الأحزاب السياسية وابتعادها عن العمل وسط الجماهير.
• عزوف الجماهير عن دعوة الأحزاب للخروج للشارع.
• استغلال الانتخابات للحشد والتنظيم وتقوية ارتباط الأحزاب بالجماهير.
• تجارب نجاح الانتخابات في بلدان أخرى في اسقاط الدكتاتوريات.
• فشل الفترات الانتقالية التي تعقب الثورات والانتفاضات.
• التغيير لا يتم في انتخابات واحدة ويحتاج لسنوات طويلة وانتخابات متعددة، لذا علينا الصبر.

سأحاول، في مناقشة هادئة، تحليل هذه الأسباب التي تستدعي المشاركة في انتخابات أعلنها النظام، وحشد لها اعلامه وكوادره، لتصويرها كوسيلة وحيدة وديمقراطية لتداول السلطة سلميا، وهو النظام الذي انقلب على نظام ديمقراطي.
• فشل المعارضة في اسقاط النظام حقيقة واقعة ومعروفة. نجح النظام في كسب عدة معارك ولكنه لم يكسب الحرب. ويعاني النظام من الضعف أيضا، فالنظام اليوم ليس هو نظام العشرية الأولى، كما انه أجري عدة تغييرات في تكتيكاته واساليبه لتوسيع قاعدته الاجتماعية، وآخر تلك المحاولات، ما سمي بحوار الوثبة. يمكننا بثقة ان نصف الوضع الراهن بتوازن الضعف. فشل المعارضة نتاج لأسباب موضوعية وذاتية، علينا تحليلها واستيعابها والعمل على تخطيها، بالتعلم من دروس التجربة.
• اليأس من التغيير والاقتناع بان نظام الإنقاذ غير قابل للزوال. التعامل مع مصائر الشعوب بروح اليأس والقنوط، " وتمسك الغريق بقشة"، مسألة خطيرة ولها ما بعدها. وانني شخصيا أؤمن بمقولة: " انه لو كان النضال يؤدي للنجاح دائما لكان من السهل صنع تاريخ العالم". فطرح بدائل انطلاقا من روح اليأس والقنوط سيقود حتما للاستسلام والقبول بأي شيء. والغريب حقا ان تظهر روح اليأس حاليا، والشعب السوداني قد تقدم خطوات في منازلته للنظام ويستعد لمواجهه حاسمة معه. ولماذا اليأس والنظرية السوداوية في هذا الوقت بالذات. ولدينا ارث عميق وملهم من شعبنا الذي لم يتوقف نضاله يوما، رغم آلة القمع الانقاذية. فهناك مئات الالف الذين صمدوا امام طائرات النظام، وميليشياته، وفي اقبيه تعذيبه وسجونه، وامام كتائبه الجهادية في الجامعات، وضد سدوده، وتعدينه العشوائي، وتدميره للمشاريع الزراعية، وبيعه لأراضي السودان، وضد عنفه الموجه للنساء. لم تتوقف معارك شعبنا وملاحم صموده، ولن تتوقف. وها هو النظام يتراجع امام صمود شعبنا، وظهره للحائط، ويلجأ لحيل الحوار والعوة للمشاركة في السلطة، ومسرحية دعوته للتداول السلمي للسلطة بواسطة صندوق الاقتراع، كل ذلك للخروج من ازماته، ولا مخرج. ولماذا اليأس وقد فقد النظام كل اوراقه، وتكشفت كل ادعاءاته واكاذيبه، ووضح، وضوح الشمس، انه فشل في إدارة البلاد. نعم، نحن كمعارضة نعاني من الضعف ولكننا خطونا خطوات لمعالجة ذلك الضعف، وتوحيد جهودنا، والبيان الأخير بين قوى الاجماع وأحزاب نداء السودان بالداخل خطوة في الطريق الصحيح. ونقول بوضوح ان ذهننا مفتوح لنقد تجربتنا من اجل المزيد من المعالجات لأزماتنا الذاتية. ولا يصح الا الصحيح.
• هناك أسباب موضوعية وذاتية أدت لضعف الأحزاب (سأناقشها في مقال قادم). ورغم الضعف والحصار والمطاردة، لم يتوقف نضال الأحزاب ضد الإنقاذ. ونحمد لمعظم الأحزاب والحركات المسلحة انها لم تقبل دعوات الإنقاذ والمجتمع الدولي للاندماج في السلطة وترك النضال. إذا كانت احزابنا ضعيفة، فالتحدي، امامنا، هو تقويتها وجعلها أكثر ديمقراطية، حتى لا يكون ضعفها " شماعة " لمن يأس من النضال الطويل والمتعرج والشاق.
• عزوف الجماهير عن دعوة الأحزاب للخروج للشارع. هذه مغالطة، لأننا لا نستطيع ان نحكم على عزوف الجماهير في ظل خلق الموانع والإرهاب واعتقال النشطاء والحملة الإعلامية المضللة، بل واستخدام اخس الوسائل مثل اغراق الميادين بمياه الصرف الصحي. تلك الوسائل توضح رعب النظام وخوفه من حراك الجماهير. وإذا كان الادعاء برفض الجماهير الخروج صحيحا، لماذا يبذل النظام كل تلك الجهود للحيلولة بين الجماهير والمشاركة في المظاهرات التي دعت لها الأحزاب، والنظام بأجهزتيه الأمنية المختلفة يعرف حقيقة ما يجري في الشارع، لذلك يتهيب ذلك، تهيب الموت.
• الحديث عن ان الانتخابات مناسبة هامة للحشد والتنظيم وتقوية ارتباط الأحزاب بالجماهير، صحيح في عمومياته، ولكن ليس للمشاركة عصا سحرية تقوى الأحزاب وتدعم صلتها بالجماهير. لكن في الواقع السياسي الراهن، في ظل كافة اشكال القمع والمنع والمصادرة، وباعتراف دعاة المشاركة بان الأحزاب ضعيفة، فان فرص الحشد والبناء وتقوية الارتباط تظل محدودة، ان لم تكن معدومة. فالانتخابات تحتاج لتسجيل الناخبين في كل السودان، ومراجعة وتنقية السجل الانتخابي، ومراجعة تحديد الدوائر، وتقديم الطعون، وتوفير المال اللازم لتسيير العملية الانتخابية، والصرف على الكوادر التي ستتفرغ لإدارة العملية الانتخابية، منذ بدايتها وحتى مرحلة الفرز النهائي ومراقبة عمليات التصويت، وكشف التزوير، وتقديم الشكاوى للقضاء. فهل للأحزاب الموصوفة بالضعيفة، من قبل دعاة المشاركة، قدرة على انجاز كل ذلك، وهي المحاصرة داخل دورها، والمراقبة ليل نهار. كنت مرشحا في انتخابات 1986، في دائرة الأبيض الجغرافية، واعرف تماما ما تحتاجه الانتخابات. وفي ظل الوضع الراهن، يصبح من الطبيعي ان نبدأ بالدعوة والعمل لتقوية الأحزاب حتى تكون لها القدرة على انجاز منافسة انتخابية حقيقية، في ظل توفر شروط العمل الانتخابي، وحينها لكل مقام مقال. وحتى لا يكون الحديث مجردا، فلنا تجارب، كثيرة ومتنوعة، مع تعامل الاخوان المسلمين مع الانتخابات في الجامعات والمعاهد العليا، وكيف اتقن تنظيمهم كافة الأساليب المشروعة وغير المشروعة لكسب الانتخابات. ويتم ذلك تحت الاشراف المباشر لأعلى قياداتهم. واذكر جيدا في مرحلة الفرز النهائي لانتخابات اتحاد طلاب جامعة الخرطوم، التي فازت بها قائمة التمثيل النسبي في 1979، تلفونات الترابي المتواترة على مكتب الاتحاد لمعرفة تطور العملية الانتخابية. اما في عهد الإنقاذ، فحدث بلا حرج، وقد عرض الأستاذ آدم شريف، في مقال قوي، ممارسات الإنقاذ، في انتخابات 2010، في جنوب دارفور، من تلاعب في الدوائر واسقاط مئات الألوف من قاطني المعسكرات الخ. وفي بريطانيا، أصرت السفارة على تسجيل من يحمل جوازا سودانيا مجددا فقط، ورفضت شهادات الجنسية والميلاد السودانيتين. وقد شهد الناس عشرات من الممارسات الانتخابية الفاسدة في كل السودان. من السهولة القول باننا يمكن ان نطعن ضد تلك الممارسات ونذهب بها للقضاء. ومن يطرح مثل هذا لا يعرف ما حدث للقضاء في عهد الإنقاذ، ولن نعرض امثلة بل نقدم مثالا واحدا هو قضية تحالف مزارعي الجزيرة والمناقل التي راوحت مكانها لسنوات وسنوات وفي اعلى سلطة قضائية في البلاد وهي المحكمة الدستورية.
• هناك تجارب بلدان نجحت فيها الانتخابات باستبدال الدكتاتورية بنظام ديمقراطي. هناك اختلاف في الظروف السياسية للبلدان المختلفة وتطورها التاريخي والسياسي، مما يجعل النقل او التقليد الأعمى محاولة يائسة للخروج من المأزق الراهن. وهناك ما يعرف في العلوم السياسية بالموجة الثالثة للديمقراطية، التي أعقبت انهيار حائط برلين وانتهاء الحرب الباردة، وحملة أمريكا لنشر الديمقراطية، بكل الوسائل. والآن “بردت " تلك الحملة الامريكية، بعد فشلها في العديد من بقاع العالم. ولدي سؤال أساسي وجوهري: هل يشبه نظام الإنقاذ بأيديولوجيته الفاشية وعنفه القانوني والبدني، واجهزته الأمنية، وميليشياته، تلك الأنظمة التي نجحت فيها الانتخابات؟ وإذا سلمنا جدلا بنجاح الانتخابات في السنغال او كينيا، فهي حالات محدودة، ولدينا مئات الأمثلة، عبر التاريخ، ومن كل اركان العالم، عن الانتخابات " المضروبة " الذي تنظمها الدكتاتوريات، في محاولة لتبييض وجهها امام العالم او لخداع شعوبها.
• تركيز الأستاذ السر سيد أحمد على فشل الفترات الانتقالية كسبب للدخول في انتخابات 2020، جانبه التوفيق. فالفترات الانتقالية أنجزت مهام أساسية وفشلت في مهام اخري. واهم إنجازاتها انها انهت الدكتاتورية العسكرية، ووضعت أسس النظام الديمقراطي وأجرت انتخابات نزيهة. وما فشلت فيه الفترات الانتقالية، يعد دروسا لنا في مستقبل عملنا السياسي، وهو ما انتبهت له المعارضة بالإعداد المبكر لوثائق تحدد شكل النظام القادم، والسياسات البديلة. وهل ستغير الانتخابات ذلك القصور، ونحن نعلم انه لم ينجح حزب سوداني في الحصول على الأغلبية التي تمكنه من الحكم منفردا وتنفيذ برنامجه بالكامل. والاستثناء الوحيد هو اول انتخابات وطنية التي كسبها الحزب الوطني الاتحادي. هذا الواقع الانتخابي يستدعي قيام حكومات ائتلافية، وهي تعاني من نفس توازنات ومساومات المراحل الانتقالية.
• التنبيه، بل والتحذير المبكر، من دعاة المشاركة بان النجاح في الانتخابات يحتاج لسنوات طوال وتجارب انتخابية متعددة. ونسأل لماذا ينقد دعاة المشاركة طول مدة بقاء الإنقاذ وفشل المعارضة في ازاحتها ويدعوننا لخوض عدة معارك انتخابية حتى نغير النظام (علما بان الانتخابات تجري كل 5 سنوات)؟ وماذا سنفعل في الفترة ما بين الانتخابات والأخرى إذا كانت هي وسيلتنا الوحيدة للتغيير، حسب طرحهم؟ وهل ندعو شعب السودان لينتظر، على ازماته الراهنة، وضيقه المعيشي الذي لا يطاق عقود أخرى حتى ننجح انتخابيا؟ أم ندعو الشعب السوداني لتنظيم صفوفه ومقاومة السلطة، في كل الجبهات، وانتزاع حقوقه منها؟
• لم يتعرض دعاة المشاركة لقضية هامة وهي العدالة الانتقالية؟ وكيف سيتم إنجازها وتحقيقها من خلال الانتخابات؟ وهل سترجع أراضي نازحي دارفور التي انتزعت منهم وتم إحلال قبائل وافدة فيها (الغريب في الامر ان للوافدين حق التسجيل والتصويت ، كما أوضح الأستاذ آدم شريف المحامي ، وليس للنازحين كما حدث في انتخابات 2010، مما يجعلهم قوة انتخابية مؤثرة)؟ وكيف سيتم ارجاع الأموال والممتلكات التي نهبت من شعبنا؟ ماذا سيحدث لمن أجرموا وقتلوا وعذبوا الالف من أبناء شعبنا؟
• هل فكر دعاة المشاركة في الدور الذي ستعلبه " الدولة العميقة" في اجهاض أي انتصار انتخابي، إذا فرضنا جدلا انه يمكن تحقيق انتصار انتخابي، في ظل قوانين الانقاذ. وهل من السهولة تحقيق انتصار انتخابي في ظل سيطرة قيادة الإسلاميين على كافة مفاصل الدولة، وامكانياتها، وكوادرها، وجهاز اعلامها، وقضاتها، ومفوضية انتخاباتها، دعك عن الأموال المهربة والمجنبة والمنهوبة.
• تعاني الدعوة لمطالبة النظام بتنفيذ مطلوبات محددة، كما طلب حزب المؤتمر السوداني، من خلل أساسي وجوهري؟ خلال 3 عقود من الزمن لم ينفذ النظام ما اتفق على تنفيذه، وضرب عرض الحائط بكل الاتفاقيات ، فكيف به ينفذ مطالب سياسية. ونقول، وبثقة تامة، ان النظام الراهن، لن ينفذ أي مطلوبات، مهما صغرت أو كبرت، ما لم يرغم على ذلك. لذلك فالأولوية هي للعمل على تقوية مواقعنا ونشاطنا لنطالب من موقع القوة وليس الاستجداء.
حول المقاطعة:
• حددت قوى سياسية أساسية مقاطعتها التامة لانتخابات 2020. وكما ذكرت وكررت سابقا، انها وقعت في فخ نصبه النظام. وسيعمل النظام، بكل اجهزته، للتبشير بان الأحزاب الضعيفة، والتي تعرف ضعفها، تتهيب من الانتخابات حتى لا يظهر حجمها الحقيقي. ولم تنتظر تلك القوي تطور الاحداث الجارية، والحصار الذي يعاني منه النظام، بالإضافة لأزماته وصراعاته الداخلية، لتقرر في وقت تختاره بإرادتها الحرة موقفها من الانتخابات. أرى ان تتجاهل تلك القوي دعوات النظام لانتخاباته وتعديل دستوره، وان تواصل عملها الجماهيري لإحكام العزلة على النظام، وتغيير موازين القوة لصالحها حتى يتم الإطاحة به، حسب خطها السياسي .
• حجة قوى الاجماع الوطني بانها لن تشارك في الانتخابات حتى لا تعطي النظام شرعية، غير مقبولة. فمكوناتها قد تعاملت مع النظام في اتفاق القاهرة، وشاركت في مؤسساته التشريعية، وطلبت من مفوضيته السماح لها بالعمل، وصدرت صحف تنظيماتها بأذن من سلطات النظام، لذلك الحديث عن إعطاء شرعية للنظام غير مبرر. فالنظام يملك شرعية الأمر الواقع ومعترف به دوليا، رغم انه جاء بانقلاب على نظام ديمقراطي.
• قابلت قوى الاجماع الوطني ، مؤخرا ، ممثلي الدول الأوربية واخطرتهم برفضها المطلق للمشاركة في الانتخابات. وهذا اللقاء يشير لإيمان قوى الاجماع بان للمجتمع الدولي دور في حل أزمات السودان. وحسب البيان المنشور ، انها اخطرت ممثلي الدول الاوربية برفضها المشاركة في الانتخابات أو في تعديل الدستور او في الحوار مع النظام. السياسة هي فن الممكن والتقدير السليم للحظة المحددة وما يمكن إنجازه من مثل هذا اللقاء المحدد، وفي هذا التوقيت بالذات. ونسأل هل ركزت قوى الاجماع في اللقاء المذكور علي شروطها المعروفة للتحول الديمقراطي؟ وأوضحت، بنفس القوة التي حددت بها رفضها للمشاركة، بان الحديث عن الانتخابات سابق لأوانه، وان ما يهم الشعب السوداني حاليا هو الازمة الاقتصادية والفساد وإيقاف الحرب وتوصيل الإغاثة للمحاصرين، وإيقاف تمويل المليشيات من السوق الأوربية نفسها.
• أري انه في تعاملنا مع الدول الغربية، علينا الاستيعاب العميق والمعرفة الدقيقة، لمفهوم تلك الدول للتحول الديمقراطي. فهي تري ان التحول الديمقراطي هو: وجود أحزاب، تمارس نشاطها، وتتم انتخابات عامة دورية تشارك فيها أحزاب متنافسة، ووجود مفوضية مستقلة للانتخابات، والسماح لصحافة حزبية ومستقلة بالصدور. وهذا عين ما تسعى الإنقاذ لإقناع الغرب بانها أنجزته، بل، وفي إطار تخطيطها المُسبق والمُحكم لما تقوم به، بادرت من وقت مبكر لدعوة الأحزاب الأخرى للاستعداد للتمرين الديمقراطي القادم. لذلك مجرد الرفض المبدئي والحاسم لن يقنع تلك الدول الغربية التي ترى مصالحها مع النظام (قضايا الهجرة والإرهاب)، وتحاول إيجاد مخارج عملية لأزماته.


ما العمل؟
المناقشة أعلاه، لا تستدعي الغاء خوض الانتخابات نهائيا من حساباتنا. وكما كتبت في المقال الأول:
" النقطة المركزية، والأطروحة الأساسية، هي ان الحوار الحالي، رغم ضرورته وجديته وأهميته، طرح أولويات معكوسة، حيث قفز لانتخابات 2020، وتعامى عن نقاش المهام الآنية، والتحديات الماثلة امام قضية التغيير الديمقراطي، وواقع القوى السياسية، والمستوى الذي وصلت اليه حركة الجماهير السودانية، إيجابا وسلبا. إضافة لأن توقيت النقاش، في هذا الوقت المبكر، يصب، رغم جدية ومسئولية ووطنية من طرحوه، من طرفي الحوار، فيما تريده السلطة، وخططت له مبكرا، في إطار مسعاها المحموم، للقبول من المجتمع الدولي، حتى يساعدها في الخروج من ازماتها المستحكمة. وهذا المسعى يرتكز على تسويق نفسها، كقيادة مجتمع يخطو خطوات جادة في إقامة نظام ديمقراطي، تعددي، تتداول فيه السلطة، سلميا وعبر صناديق الاقتراع".
والواجب امامنا هو: " طرح المهام والواجبات العاجلة امام شعبنا وقواه الحية وتنظيماته السياسية والنقابية ومنظمات مجتمعه المدني والمتمثلة في مواجهة الآثار الكارثية لميزانية 2018، والتصدي للقضايا الاقتصادية والمعيشية، والحق المشروع في توفير الخدمات الأساسية على امتداد القطر، والرفض الإيجابي لممارسات دولة الجبايات. كما تشمل توحيد قوى المعارضة على برنامج الحد الأدنى، المجمع عليه، وانشاء مركزها الواحد الذي يقود وبوجه مجمل الأنشطة العامة، وتوحيد خطابها السياسي، وتمتين علاقاتها بالجماهير، والانتباه للنقد الذي توجهه الجماهير والعمل على معالجته بوضوح وشفافية، وتنويع نشاطاتها ومعاركها وتصديها الواعي لكل ما يمس حياة شعبنا، بكل تنوعها وزخمها. وان يتم اعداد البدائل لنظام ما بعد الإنقاذ، وعرضها للجماهير للالتفاف حولها".
انجازنا لتلك المهام الأساسية، وعندما نعرف ان حركة الجماهير في تقدم، يمكن ان تكون الانتخابات، حينها، أحد خياراتنا. ولن ذلك منذ الآن ونقع في فخ أعده لنا النظام. وان نخرج من منهج التعامل برد الفعل لما يفعله النظام، وان نبادر بفرض اجندتنا ونجعل النظام هو من يتعامل برد الفعل. ولنا قدوة حسنة في قرار الحزب الشيوعي بالعاصمة بتسيير موكب يرفض موازنة 2018، والهلع الذي أصاب النظام واجهزته الأمنية جراء تلك الدعوة، مما أزال ورقة التوت عن عورتهم.

(سيركز المقال القادم على قضية النقابات)


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.