كان الراحل الأثير (الطيب محمد الطيب) قد صرعته العلة على حين غرة وحينها كتبت أقول: حين يتم رصد إسهامات الجهد الشخصي والأهلي في إنارة الحياة السودانية بالمعارف التي ترمي إلى إبراز التنوع الخصيب في مكونات السودان وفتح المسارات بين ثقافاته وأعراقه وفنونه وآدابه ومواريثه وطقوسه وسبل كسب عيشه، فإن الأعناق سوف تشرئب إلى جهد هذا الرجل (الطيب محمد الطيب)؛ الذي يستشفي الآن في مشفى السلاح الطبي بأم درمان تحت مسمى العناية المكثفة وهو في (منزلة بين المنزلتين) بين هجمة الداء الغادرة وبطء الوصول إلى أطراف العافية والعودة إلى دنيا الناس، حيث إنه حالياً على تخوم الإفاقة والإغفاء، ولا يعلم أحد (لا قدر الله) إمكان الإنتكاسة التي يمكن أن تسترد بعضاً من مساحات الإبلال والشفاء، أو بإذن الله إمكان استرداد مقدرة النطق والسير على مناكب الحياة مرة أخرى ليواصل ما بدأه من مشوار طويل في إذكاء أنوار المعرفة التي تخرج منه (دخاخين دخاخين) على رواية (طبقات ود ضيف الله)!

قلت إن الطيب يتكئ على رصيد ضخم يمتلئ به صدره وعقله، ومما يزيد من قيمة هذا الرصيد أنه يأتي في معظمه من باب المشاهدات والسياحة والمسوح الحقلية والمعايشة الراصدة والرحلات التي يضرب فيها أكباد المستحيل من أجل الوقوف على أثر أو حجر أو قيمة وأمثولة أو مسدار أو طقس حياة، وهو يعيد في في حياتنا المعاصرة نموذج العلماء الموسوعيين الذين يتتبعون حصاد المعرفة في المجاهل التي لا ترتادها الأقدام الناعمة!

هذا الرجل لم يشيّد معارفه بـ(طق اللهاة) واصطياد الأكلشيهات العابرة فقد أدمى أقدامه (حقيقة لا مجازاً) واقتطع من قوت عياله ومن راحة بدنه ودفء أسرته وهو يجوب السودان سهلاً وفرضة بحر، وكوخاً فدردر، وغابة وبطانة، ونهراً وتردة، وسفحاً وجبلاً، وكهفاً وحصباء ،وأودية ومسارب عبر كل خطوط التماس والمضارب والمناخات وعبر شجيرات السافنا (غنيها وفقيرها) وأطراف الصحاري والواحات؛ ليس في السودان وحده ولكن في بلاد إفريقيا غربها ووسطها وشرقها وشمالها من الشناقيط إلى الطوارق وإلى بلاد الحجاز والشام وآسيا وما وراء سيحون وجيحون، وهو يضع نصب عينيه (تيمة جامعة) وبوصلة هادية تتحسس المتشابهات والمفارقات في حياة الناس في بيئاتهم المختلفة، وتتلمس روابط الثقافة وانعكاسات اللغة على ناطقيها والأزياء على مرتديها، واكتساب العيش على مكابديه، وانعكاس الجغرافيا والتاريخ على السحن والوجوه والتعابير والطقوس والفنون..!

عجيب أمر هذا الرجل ابن قرية المقرن، أدنى نهر عطبرة، الذي لم يطف على فؤاده طائف من التقوقع القبلي أو (الانحباس العشائري) الذي يجعله يحابي ملة دون ملة في موازييك وفسيفساء السودان وتنوعه الباهي وتعدديته الموحية، حيث لم يتخلف عن رصد حياة الأنقسنا أو البجا أو الدينكا أو الشلك أو المورلي أو الشكرية أو الحسانية والكبابيش وأهل دار الريح أو دار الأبواب وحتى دار صليح، وهو الحريص على أن لا تفوته شاردة ولا واردة في التكنولوجيا التقليدية والآلات الشعبية و(ميكانيكا الساقية) وأنغام الوازا والبالمبو والدنقر والنقارة وترجيعات وتر وحيد مزروع في (أم كيكي)!

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.