لسنوات عديدة في مطلع شبابي، حرصت علي ان لا يمر مساء الجمعة من كل اسبوع، دون ان يكون مؤشر الراديو مضبوط تماماًعلي اذاعة صوت اميريكا، التاسعة والنصف مساءً بالتمام، عقب انتهاء نشرة التاسعة... يبدأ البرنامج بموسيقى "شافت" لايزاك هيز.. تبدأ خافتة كأنها آتية من عمق سحيق، ثم تعلو رويداً رويداً، تخفت مرة أخر قليلاً، فيخرج من بيت طياتها صوته الإلهي...
هذا عبد الرحمن زياد يحييكم ويقدم لكم... اغنيات في السباق
فتعود مقطوعة شافت يحركها صوت "الواوا" في الجيتار اكثر حياة ونضارة.
تلك لحظة من السعادة ما كانت تدانيها اي لحظة اخرى.. يقدم فيها عبد الرحمن وفي نصف ساعة قبل موجز الانباء في العاشرة، الأغنيات العشر "الرائجة" حسب لغته العذبة المحببة، وصوته الدافئ العميق، حسب ما ورد في مجلة البيلبورد، يستعرضها واحدة واحدة، حتى يأت إلى الأغنية الأكثر رواجا
يتصدر السباق هذه المرة فريق "كوين" البريطاني بأغنية وي آر ذي شامبيونز...
إلى اللقاء في الأسبوع القادم.. هذا عبد الرحمن زياد يحييكم...
ثم ... "شافت"
He is a bad mother…. Shut your mouth…
I am talking about Shaft….
لم اكن اعرف من هو عبد الرحمن زياد ولكنني كونت له صورة في خيالي، مثلما نختلق في مخيلات يفاعتنا صورا لابطالنا، كان عبد الرحمن أحد أبطال صباي الباكر مثله مثل صلاح أحمد ابراهيم ومحمد المكي ابراهيم ومحمد وردي والصلحي، مثله مثل الطيب صالح والنور عثمان ابكر وحتى حيدر قطامة ومايكل جاكسون. حتى اتي يوم ووالدتي تجلس بجانبي، وأنا منشغل بمتابعة السباق بصوته الواضح النبرات، سمعت أمي اسمه فصاحت بكل الدهشة البريئة... هي ده دحين ما عبد الرحمن ود ناس زياد؟ قلت في سري، هل يعقل أن تكون الحاجة مثقفة من معجبي "البي جيز" وأنا لا اعلم؟؟ صحت بدهشة، يا حاجة إنتي بتعرفي عبد الرحمن زياد؟؟ وددت ان اغالط امي بان هذا الشخص في اميريكا وقد يكون عراقيا او لبنانيا... اجي يا ولدي ديل ناس مدني القدام، ناس عمك ابو الأجمار، وزياد حامد عبد الله المعاك في المدرسة.... كان مذيع في ام درمان ومشي بلاد برة وتاني ما رجع، الكلام ده بدري قبال اجيب اخوك يوسف، اخوه شيخ عبد الهادي زياد البمشي ليه يوسف اخوك، كان حديث أمي في تلك اللحظة، وكأنه نبوءة.
ثم التقيت صديقي زياد حامد فاكد لي بان عبد الرحمن زياد عمه، آل زياد اسرة من الطيبيين والطيبات، يسكنون حي الدرجة، وعم ابو الأجمار خطاط معروف في مدني بإسم "جمرة"، كان صاحب أسلوب خط خاص به، ويستخدم القار الأسود ويكتب بالفرشاة مباشرة على أي سطح، يعمل عرضحالجيا امام المحكمة في مدني، تجده جالساً هناك تحت شجرة اللبخ الضخمة، حتى اختفى بوفاته، وورث عنه إبنه إسم الشهرة ومهنة الخط، وكان صديقا لابي، لهم جميعا الرحمة.
تدور عجلة الزمان فازور اميريكا وانا صحفي أخضر العود، حديث عهد بالنبأ والأنباء، وصلت بدعوة من وكالة الاعلام الامريكية، وكان من ضمن برامج الزيارة، زيارة القسم العربي بصوت اميريكا، وهنالك التقيت الاستاذ عبد الرحمن زياد لاول مرة، وياله من لقاء ، كنت السوداني الوحيد في المجموعه، فجاء فوراً لمقابلتي، قدمت له نفسي وابديت اعجابي وانني من عشاق البرنامج، وانني من مدني... وقبل ان اواصل ابتسم ابتسامته العريضة وفاجأني إنت ود عم حسن الملك السنجك؟ فقلت سبحان الله، لا زال أبي حياً في أعطاف الناس، وفيما وراء البحار، ضحكنا عالياً فاخذني لمكتبه، حكى لي قصة انضمامه لصوت اميريكا، فهو قد سافر للقاهرة للتقديم للبي بي سي أساساً، وطلب من الاستاذة المذيعه زينب عبد الرحمن اجراء حوار معي "لا ازال احتفظ بنسخة من شريطه حتى الآن".
إتصل بي بعدها مع بداية حرب الخليج الاولى، وشجعني على الإسراع للتقديم كمذيع في صوت أميريكا، فالإذاعة في حاجة لمذيعين، ذهبت على وجه السرعة، قابلني ببشاشته التي عهدتها، واجري لي إختبار الصوت شخصياً، ونبهني إلى الهنات النحوية، وتكنيك الإلقاء الإذاعي، ومازحني بقوله.. سوف أراك تقدم "أغنيات في السباق" بدلاً عنى قريباً، لم تشأ لنا الأقدار ذلك، فحرب الخليج الاولى إنتهت في بضع أيام، فلم تعد الإذاعة في حاجة لمذيعين ولا مترجمين.
تمددت سنوات عيشي في هذه الاصقاع، ولم ألتق به، ولكنه حادثني في نهاية التسعينات، عبر هاتف صديق مشترك، وكنت أقيم معرضاً تشكيلياً، هنأني وقال لي.. ربنا عفاك من شغل الاذاعة، ياريت لو كنا فنانين زيك.. وضحك ضحكته الطيبة، التي زينت تقديمه لتأريخ من الجاز والبوب والروك، كانت سنواته أجمل سنوات الموسيقى في العالم....
ثم قرأت نعيه صبح اليوم.. فكان حقاً على أن أبكيه، وأتحسر على نجم سوداني لم يتح لفضاء السودان التمتع بضياءه.
وها نحن نحييك يا عبد الرحمن
لك الرحمة.
تاج السر الملك

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.