وزارة العدل السودانية كشفت مؤخراً أنها بصدد رفع توصية لمجلس الوزراء القومي للمصادقة على اتفاقية الامم المتحدة لمناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة القاسية والمهينة واللا إنسانية وعدد من الاتفاقيات الدولية الأخرى في إطار المراجعة الشاملة للقوانين والاتفاقيات والتشريعات الخاصة بحقوق الانسان كأحد أهم مقررات الحوار الوطني ، واتفاقية مناهضة التعذيب من الاتفاقيات المهمة جداً في مجال حقوق الإنسان وتعتبر أحد اهم المرتكزات التي تقوم عليها المحاكمة العادلة وتساهم في ضمان الحقوق والحريات. حيث ان السودان وقَّع على هذه الاتفاقية في العام 1986م ولم يصادق عليها حتى تاريخه .
وتوقيع أي دولة على أي اتفاقية دولية يعتبر موافقة مبدئية من الدولة وتعبير عن الرضا بنصوص الاتفاقية، لكنه لا يلزم الدولة باي التزامات ، والتوقيع يعتبر مرحلة تجريبية للاتفاقية للنظر فيها وإتخاذ الاجراءات اللازمة للتصديق عليها مستقبلاً ، والتصديق أو المصادقة على الاتفاقية أو الانضمام إليها يعتبر موافقة من الدولة والالتزام شروط ونصوص الاتفاقية ، وحيث لا توجد طريقة محددة لعملية إدماج الاتفاقيات الدولية في القانون الوطني وهذا يخضع لما تقرره كل دولة في دستورها . هناك دول عديدة تنص في دساتيرها على سريان الاتفاقية الدولية بمجرد المصادقة عليها ونشرها دون الحاجة لإصدار تشريع داخلي ، ويستطيع القاضي في الدولة الاستعانة بالاتفاقية الدولية وتطبيقها على ما يعرض عليه من قضايا باعتبارها أصبحت قانون داخلي . وهناك دول نصت في دساتيرها على أن نفاذ الاتفاقية داخلياً يحتاج الى اصدار تشريع داخلي ولا يستطيع القاضي أن يستعين بنصوص اتفاقية دولية مالم تكن الدولة حوّلت هذه الاتفاقية لقانون داخلي بمرسوم أو قانون من ضمنها السودان .
وبإمكان الدولة ايضاً ان تصادق على كامل الاتفاقية أو تبدي بعض التحفظات على بعض نصوصها ، وإذا تمت المصادقة على كامل الاتفاقية فأنها تسري كافة نصوص الاتفاقية في النظام القانوني الداخلي للدولة، واذا تحفظت على بعض نصوصها فإن الأثر القانوني للنصوص المتحفظ عليها يكون مستبعداً بالنسبة للدولة المتحفظة، وهناك دول عديدة صادقت على اتفاقيات دولية وتحفظت على بعض نصوصها لتعارضها من أحكام الشريعة الإسلامية أو النظام العام في الدولة .
نص دستور السودان الانتقالي لسنة 2005م على موضوع مناهضة التعذيب في المادة (33) بقوله : (لا يجوز إخضاع أحد للتعذيب أو معاملته على نحوٍ قاسٍ أو لا إنساني أو مُهين) ، الاَّ أن القانون الجنائي السوداني لم يعرف " التعذيب" على نحو يتوافق مع اتفاقية الامم المتحدة لمناهضة التعذيب ، لذلك أوصت اللجنة المعنية بحقوق الانسان في الأمم المتحدة بضرورة أن يعتمد السودان تشريعاً او قانوناً يعرف التعذيب ويجرمه وان ينص على عقوبات تتناسب مع خطورة الجريمة ، وقالت اللجنة أن التشريعات والقوانين السودانية لازالت تمنح الحصانة لقوات الشرطة والقوات المسلحة والأمن وحصنتهم من عدم الملاحقة مما يؤثر سلباً على تعزيز حقوق الانسان وحماية وحريات المواطنين وترسخ الإفلات من العقاب ، وهناك بعض النصوص القانونية في التشريعات السودانية تخالف مبادئ اتفاقية مناهضة التعذيب يجب أن تعدل لتوائم ما تصالح عليه أعضاء الأسرة الدولية وضرورة عدم الاستشهاد بأية أقوال يثبت أنه تم الإدلاء بها نتيجة للتعذيب كدليل في أية إجراءات، إلا إذا كان ذلك ضد شخص متهم بارتكاب التعذيب كدليل على الإدلاء بهذه الأقوال، وهذا بالطبع يتعارض مع المادة (10) من قانون الاثبات السوداني لسنة 1994م التي تنص على بقبول البينة المنتزعة باجراء غير صحيح متى ما إطمأنت المحكمة إلى كونها مستقلة ومقبولة ، وكذلك المادة (206) من قانون الإجراءات الجنائية 1991م نصت على أنه لا يكون الخطأ في قبول البينة، أو وجود عيب شكلي في الإجراءات سبباً في إلغاء أى تدبير قضائي إذا كان جوهره سليماً ولم يترتب عليه ضرر مقدر بأى من الخصوم.
بانضمام السودان ومصادقته على هذه الاتفاقية يقع على عاتقه القيام بإدراج موضوع مناهضة وتجريم التعذيب في مناهج التعليم بمستوياته المختلفة ، والتوعية في وسائل الإعلام فيما يتعلق بحظر ومناهضة التعذيب وادراج ذلك في برامج تدريب الموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين ، سواء أكانوا من المدنيين أو العسكريين، والموظفين العموميين أو غيرهم ممن قد تكون لهم علاقة بطريقة او بأخرى بالاحتجاز أو اي شكل من أشكال التوقيف أو الاعتقال أو السجن أو باستجواب هذا الفرد أو معاملته ، وإدراج حظر مناهضة التعذيب في القوانين والتعليمات التي يتم إصدارها فيما يتعلق بواجبات ووظائف هؤلاء الأشخاص.
ويقع على عاتق الدولة ايضاً التحقق من ادعاءات الإكراه والتعذيب التي تصدر من المتهمين أثناء المحاكمة والزعم بالتعرض للضرب أو التعذيب او الاكراه لحملهم على الإدلاء بأقوال أو اعترافات ، ويجب أن ينظر اليها القاضي في إطار من الجدية والموضوعية وأن لا يتم تجاهلها وأن يتم فحص هذه الإدعاءات وتمحيصها، طالما أن هناك أسباب معقولة لتصديق هذه الإدعاءات وأن يقوم القاضي المختص بفتح محضر إجراءات منفصل ، وإيقاف إجراءات المحاكمة إلى حين البت في هذه الإدعاءات ، ومن ثم الإستمرار في مواصلة إجراءات المحاكمة ، لأنه في حال ثبت للمحكمة صحة هذه الإدعاءات يجب عليها عدالة أن تستبعد أي دليل بما في ذلك الإعترافات التي تم الحصول عليها عن طريق التعذيب أو المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة أو بأي ضرب آخر من ضروب الإرغام ، والسوابق القضائية السودانية ارست مبدأ إن " الإعتراف الذي يصدر من المتهم عن طريق التهديد أو إستعمال القوة يصبح عديم الفائدة ويتعين إستبعاده، وأن تعذيب المتهم بغية الحصول منه على إعتراف لا يفسد الإعتراف فحسب بل يجعل الشخص الذي أقدم على هذا الجرم عرضة للعقوبة والمساءلة ويجب أن تتخذ ضده كافة الإجراءات الضرورية ضده "
وحتى يتم الاستفادة من هذه الاتفاقية لابد من وجود سلطة قضائية ونيابة عامة مستقلة وأجهزة انفاذ للقانون مدربة تقوم بدورها في الكشف وملاحقة مرتكي مثل هذه الافعال، لأن تعذيب المتهم أو حمله للإعتراف بالجريمة يعتبر إجهاض للعدالة وإمتهان للكرامة الإنسانية في أبشع صورها . وأن تكون هيئات او لجنة مستقلة يكون لها صلاحية القیام بزیارات أماكن الحبس وحراسات الشرطة بشكل مفاجئ ، على أن تكون لهذه اللجنة سلطات وآسعة تمكنها من الأطلاع على جميع المعلومات ومقابلة المتهمين في مكان يهيأ لهذا الغرض ، وأيضا في سبيل الحد من عسف السلطات التنفيذية لابد من إقرار مبدأ تعويض المتهم عن الإجراءات والأفعال غير المشروعة التي ترتكب في مواجهته ، ذلك سيجعل القائمين على أمر إنفاذ القانون يحسبون الف حساب قبل أرتكاب أي أفعال غير مشروعة ضد أي متهم او موقوف.
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
///////////////