حينما تجد نفسك أمام قرارات رئاسية تكرس لفرض مزيد من السيطرة والهيمنة على مراكز صنع واتخاذ القرار في دولة بأسرها في مسعى لتكريس السلطة في يد رئيس واحد لحزب واحد متربعا على عرش السلطة في الدولة ؛ فوقتها تشعر سائر القوى السياسية سيما الموالية بعدم الرضا حيال هذا المسلك لما فيه من إقصاء وتهميش لدورها وكينونتها . وفى منحى آخر لما تراه هذه القوى السياسية وما ينطوي عليه هذا التصرف من تجسيد لأسمى آيات الديكتاتورية .

يجيئ الحديث هنا بشأن (الخمسة مجالس السيادية الرئاسية ) التي قام بتكوينها الرئيس عمر البشيرـ ما لها وما عليها ـ وهى (مجلس الخارجية شؤون رئاسة الجمهورية، والمجلس القومي للاقتصاد الكلي ، والمجلس القومي للإعلام ، والمجلس القومي للسياسة ، ومجلس السلام والوحدة ) .
*مبررات الرئيس البشير من وراء تكوين هذه المجالس .
* انتقادات واسعة من الشركاء في الحكومة والحوار الوطني .
كما ذكر سيادته مبررا بأن تكوين هذه المجالس جاء إنفاذا لمقررات الحوار الوطني . في حين أن هذا الأمر تم دون علم وإدراك شركاء الحوار الوطني به والشاهد على ذلك : إن هذه الخطوة وجدت انتقادات حادة وجادة من قبل الشركاء في الحكومة والحوار الوطني على حد سواء : (وإذ تنتقد أحزاب مشاركة في الحوار الوطني والحكومة تكوين تلك المجالس، وتقول إنها تكونت دون مشاورتها، وعدتها تكريسا للسلطة في يد الحزب الحاكم والرئيس عمر البشير شخصياً ) . هذا جاء من خلال إفادات أدلى بها هؤلاء الشركاء .
هذا ما معناه أن وضعية الحوار الوطني قد ظهرت حقيقتها جليا وهى بأن (ماعون الحوار الوطني ضيقا ولم يعد يسع المشاركون فيه ) وعلاوة على ذلك تجده ينضح بما فيه من تناقضات وعدم رضا وتهميشات وتجاوزات إرادات ... وهلمَّ ووثبة . ومع ذلك تجد الرئيس البشير داعيا : (للمعارضة المدنية والمسلحة للحاق بالحوار، بقوله إن «باب الانضمام للحوار سيظل مشرعاً، ولن نسد أي مدخل للحاق بركب السلام والوحدة»، معلنا التزامه بمتابعة تنفيذ توصيات الحوار الوطني، وقرب تكوين «اللجنة القومية للحوار حول الدستور الدائم»، وتابع موضحا: «عهدنا أن ندخل انتخابات 2020 والسودان معافى من كل مشاكله السياسية والاقتصادية والأمنية» ).
أشرنا إلى أن ماعون الحوار الوطني بحسب ما سبق ذكره وبكل الشواهد أضيق مما يسع كل ذلك إلا وثبا فوق الواقع بما يدلل بأن كل ما جاء على لسان الرئيس البشير حول الدستور وبشأن الحوار الوطني والمضي قدما بخصوص إنفاذ توصياته رميا لاستيعاب الآخرين في أجواء معافاة أمر بخلاف الواقع أو يكون كل ذلك في عداد (كلمة حق يُراد بها باطل ) .
عفوا السيد الرئيس البشير .. هناك ثمة أسئلة مشروعة لأى مواطن حادب على مصلحة الوطن .. أنتم أصلا لا تعترفون بالآخر ولا بحقه في الوجود .. فكيف يكون حريا بكم استيعابه تحت أي مسمى وفي أي عملية ؟!!. وفي ظل عدم الاعتراف بالآخر كيف يتسنى لكم خلق أجواء معافاة للدخول في عملية سلمية بما فيها انتخابات 2020 م ؟!!.
السيد الرئيس البشير: إن الدول الأوربية في سياق متصل تقدمت لكم بثلاثة مشروعات مطلبية هي : (الديموقراطية ؛ حقوق الانسان والحكم الراشد ) . وعليه فإن كانت جدية لأجل إنفاذ توصيات الحوار فيجب البدء بحسم هذه الملفات الثالثة لأن يكمن وراء إنفاذها تهيأة المناخ وتكون الأجواء معافاة فعلا لأى عمليات توافق أو استيعاب ومما يجدر ذكره فإن عدم حسم هذه الملفات (الديموقراطية ؛ حقوق الانسان والحكم الراشد) وفق رؤي واضحة يجعل الباب مواربا أمام مزيد من الاختلاف والإحتراب وتفجر الأزمات والمزيد من الأزمات والضائقات التي لا لنا ولا لكم بها خاصة أن الشعب السوداني قد ذاق الأمرين في ظل مكابرة وخواء المعارضة وعنت وصلف الحكومة ولم يعد الشعب السوداني يتحمل المزيد .
في الختام وبناء على ما تقدم تجيئ فكرة هذه المجالس السيادية الرئاسية أمر مجافى للحقيقة التي تبدت من خلال وضعية تبرير تكوينها ؛ لأن هذه المجالس جاءت لتجسد حالة من انعدام الثقة من قبل الرئيس البشير ومدى تشكيكه في مولاة لفيف من رجال حوله ؛ ومن هنا نبعت فكرة تكوين هذه المجالس كي يتبوأ مقاليد أمر إدارتها رجال مقربون من البشير ومحل ثقته في ظل هذه (المرحلة الدقيقة والمفصلية) .. والتي يستشعر فيها الرئيس البشير بقرب اقتراب الخطر الداهم (زوال الملك أو السلطة ـ الحكم ) .. أي في وضعية عداد يكون أو لا يكون .. في مثل هذه الأثناء الصعبة غالبا ما يلجأ الحكام إلى تكوين مثل هذه المجالس وقد تكون (سيادية أو جهوية أو نخبوية أو قبلية أو نحوها) وذلك إيذانا بقرب النهاية وتكون هذه التكوينات من سياسات الرمق الأخير .


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.