(1)

لم يكن الأمر مدهشاً بالنسبة لى وأنا اطالع خبراً تناولته إحدى الصحف ،عن بلاغ جنائى قيده وكيل نيابة ضد شيطان أو جان، بتهمة تسبيب الأذى لمواطنين؛ ولم تعترينى البتة حالة الرثاء التى انتابت صديقنا المحامى الكبير نبيل أديب لحظة قرائته للخبر ، وبضرورة الحال ، لم يكن انعدام الدهشة وانتفاء الرثاء يعزى لاتفاقى مع رؤية وكيل النيابة، بأن القانون الجنائى قد جوز تجريم كائنات غير بشرية ! وليس بسبب أن حالة الجهل المستشرى والضعف المهنى قد جعلانى متبلداً ومحصناً ضد المشاعر السلبية ؛ ولكن لقناعة رسخت فى خويصة نفسى، أنه من الخطأ محاولة فهم واستيعاب المتأسلمين وتصرفاتهم ،ومن ثم محاولة تحليل مسلكهم وتفكيكه بناءً على قواعد عقلية أو إشارات نفسية تتعلق وتتصل بكل ماهو مندرج تحت التصنيف البشرى ! ذلك هو السبب الأساسى فى رأيى الذى أقعد عملنا المعارض، وأصاب بالحرج كل من لازمه حسن ظن كذوب، أن ثمة أمل يرتجى فى هؤلاء القوم لإصلاحهم وتقويم مسيرهم!

( 2 )

حقيقة الأمر ، أن تلك الفئة تدرك تماماً أن فعائلها لا تتسق مع النسيج النفسى والتكوين العقلى الطبيعى لبنى البشر، وأنه لا صنو لها (مجابهةً أو مؤازرةً ) فى هذهِ البسيطة إلا الجن والشياطين والمردة، ولذلك تجدن أحاديث منسوبيها تضج بذكر تلك المخلوقات آناء الليل وأطراف النهار. وإيماناً منهم بهذا ؛ تجدهم يستعينون بالدجالين والمشعوذين فى أمور شتى، ويجالسونهم مجالسة الخلان، ويسامرونهم مسامرة الندماء. .حسبى وحسبك ذلك الرجل الذى بات نجما إعلامياً يستضاف فى الفضائيات ليخبرنا عن نبوءاته بشأن الفترة التى سيظل هذا النظام وقائده ممسكين فيها بزمام البلاد وأعناق العباد، وذلك الخبير الإعلامى والطبيب اللذان سلما أموالهما لدجالين بغرض تنميتها عبر السحر الاسود، ثمّ تلك الأحاديث التى تناولتها الأسافير وبعض الصحف خلسة ، عن النافذ الذى تمت إقالته بعد أن دانت له البلاد، وعن سيطرته على الرئيس عبر السحر. وقد أخبرتنى سيدة فاضلة، شاءت لها الظروف أن تقترن فى وقت معين بأحد منسوبى تلك الفئة، بأن فى منزلها كما فى منازل كثير من زملاء زوجها السابق غرفة يقبع فيها (فكى) ، و قد سبق وأن أشرت فى وقت سبق لتلك الحادثة الخاصة بذلك الجزائرى المنتمى فكرياً لتلك الفئة، والذى تم اعتقاله لسبب ما، فى بواكير سنوات هذا النظام، وعذب داخل المعتقل لسبب غير معلوم أيضاً، حتى لما اشتد عليه وطء التعذيب؛ طلب مصحفا ليتبول عليه كيما يأتى له الشيطان مخلصاً ومنقذاً ! ولك أن تتأمل فى الباعث الذى هدى الرجل لفكرة كتلك، و التى لم يسبقه أو يعقبه عليها أى معتقل طالت لياليه ،وتفسخ منه الجلد ،وأنهكه السقم داخل معتقلات المتأسلمين !

( 3 )

تلك الفئة، وبحديثها المستمر عن عوالم الجن والشياطين والمردة، وعن تأثيراتها على الوطن والمواطن سلباً، وتسببها فى معظم إشكالات البلاد، بمعاونة من القطط والفئران وكتائب النمل والدواب ،قد جعلوا منها عنصراً أساسياً ومكوناً من مكونات المجتمع، وإن لم يتم حصرها ضمن التعداد السكانى، ولأن ( الزن على الودان أمر من السحر) كما يقول أبناء شمال الوادى، كان من الطبيعى أن تعشعش مثل تلك الأفكار ،وتجد لها مستقراً فى عقول بعض السابلة ،بحيث تصبح ظواهر السحر والكتابة والتنزيل لها سوق وبضائع رائجة وزبائن يصطفون أملاً فى الظفر بها، فالناس على دين ملوكها، فما بالك إن روج لها عمل غنائى يصدح به فنان الشباب (كاتبنى وين؟ ! ).

( 4 )

إن كان للشياطين من وجود مكثف فى هذه البلاد ،حتى باتت ترتكب الجرم ،وتصفع المواطنين وتركلهم والشمس فى كبد السماء، فذلك لأنها قد وجدت لها حاضناً ونصيراً وفر لها مرتعاً خصبا وبيئة ملائمة .
المشكلة الآن لا تكمن فى البلاغ الجنائى ومدى قانونيته. .بل فى الإجابة عن سؤال هام ...كيف تحررت تلك الشياطين من أصفادها وأغلالها فى شهر فضيل، بحيث صارت تؤذى العباد جسمانياً بدلاً عن غوايتهم؟ !

محمود، ،،
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.