هذا الرجل من العبقريات التي لم يكن من المسموح لها بالظهور والتوهج بمنطق الحياة السودانية التي سرعان ما (تكرفس) العباقرة! فتذوي أزهار أعمارهم وهم في ريعان الشباب؛ لأن طبيعتهم الرقيقة وتركيبتهم الوجدانية لا تكاد تحتمل وطأة الحياة الرتيبة والانحباس داخل سياج العادات والتقاليد البالية، كما أن هناك (الشمشرة) والحسد وكراهية كثير من خلق الله للنبوغ والنوابغ! وقد كان د.أحمد الطيب (1917-1962) من بين هؤلاء الذين لم يحتملهم السودان! ..ومنهم التجاني يوسف بشير، وإدريس جمّاع، ومعاوية محمد نور، وخليل فرح وأخرون ذهبوا في قمة الألق والإبداع والتطلع والشغف بالحياة الحرة الطليقة!

مشكلة هؤلاء المبدعين في رقة شعورهم ورهافة إحساسهم، فهم طليقون كالأطفال يحبون الحياة ويريدون أن يعيشوا على السجية، وهذا ما لا تسمح به قواعد الحياة الديوانية والإجتماعية في السودان، علاوة على (بعض الثقلاء) من معاصرين وزملاء غير جديرين بالصداقة..ممن يحبون الإصطياد في المياه العكرة.. ولسوء الحظ لم يكن د. أحمد الطيب بمنجاة من هذه النوعية من البشر!

لقد تسللوا من ثغرات حياته ورصدوا لطائف عفويته وحوّلوها إلى عيوب ومثالب! ثم جاءت العلل والإكتئاب والمنغصات من (زوجته الأجنبية)! فقد لا يعجبها أن زوجها عميد بخت الرضا لا يسأل عن مخصصات منصبه، أو أنه يعطى مرتبه لأول صاحب حاجة، أو أنه يقف في الصف ليصرف المرتب من شباك العمال، ثم يلهو ويسير مع التلاميذ نصف المسافة بين بخت الرضا ومدينة الدويم! ثم يصعد على خشبة المسرح ليمثل أدوار شخصيات شكسبير ويكتب للمسرح وللأطفال ولجريدة الحائط! لقد كان ألمعياً وهو من أوائل من حصلوا على الدكتوراة من انجلترا (قيل إنه تحصّل عليها قبل د.عبد الله الطيب) وكان الرجل مُعلماً بكل جوارحه وأعصابه، وكان حجة في مناهج التربية وفي المسرح وفي الأدب الانجليزي وفي المعرفة بالفنون العليا والأدب الشعبي!

لقد أراد أن يحيا طليقاً ولكن الحياة من حوله (كعبلته) وترصّدته بالمنغصات من (سينثيا الخواجية) والأسرة التي وقفت في منتصف الطريق، والجمود والبيروقراطية، وصرامة البيئة الدينية في بربر، ثم (ثقالات) الأصدقاء المزيفين ونوازع الحسد تجاه شخص لا يحمل بين جنبيه سوى روح مسالمة محبة للكون والبشر والموجودات.. وفي لحظات حالكة وبعد أن تكاثقت عليه أوضار الحياة ولم يعد يحتمل السخائم المتراكمة انتابته متلازمة (رفض الحياة) وولى وجهه شطر الحائط ومات!

كان مبدعاً وهو يتحدث أو يكتب عن فلسفة التعلّم وعن تاريخ التعليم ومناهجه، أو عندما يدوّن الملاحظات والتأشيرات الذكية الفكهة أسفل المكاتبات والخطابات الرسمية، أو عندما (يسوّدن) ويترجم مسرحيات شكسبير ويجعل أحداثها وكأنها تدور في (سهل البطانة) أو (سوق تمبول).. فأنظر إلى صياغته لبعض مقاطع مسرحية (يوليوس قيصر) في مشهد القبض على أحد المتظاهرين والاستجواب عن مهنته.. هنا تأتي الصياغة الشعبية التي لم يحلم بها شكسبير في توصيف مهنة الرجل: (فرشولو وقعد في البنبر أب لبده/ اتحكّر قعد وأدى الإبار جبده)... فهل يشك أحد في أن هذا الرجل (صرماتي)!

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.