أعرف أنك تريدنا نحب بعضنا البعض
وأن نكون في جدل الثقافة ...
تستطيع الليلة أن تخرجنا إليك
من حطامنا ،
ومن ركام الضجر ...
تستطيع أيها البهي .
تستطيع أن تمسكني بشعرة منك
وأن تعانق ليلنا
بقصة أو نص مسرحي ...
تستطيع أيها البهي
أن تنال منا حتي نتسامي ،
ونعرف كيف نحبك ...
ونأتنس !
ينحدر مبارك حسن أزرق (1935 / 2012 ) ، من قبيلة المجاذيب التي تقطن دامر المجذوب وما حولها بالشمالية، ومن أبناء عمومته البروفسور الراحل عبد الله الطيب والشاعر الكبير الراحل محمد المهدي المجذوب. ولد مبارك ونشأ بحي الميرغنية بكسلا في شرق السودان، وفيها درس الإبتدائية ثم أنتقل إلي بورتسودان فواصل فيها دراسته المتوسطة. تخرج من معهد المعلمين ليعمل أستاذا للغة الانجليزية بالمرحلة المتوسطة حتي ترقي ليكون كبير موجهي اللغة الانجليزية بالاقليم الشرقي. إبتعثته الوزارة من بعد للمزيد من الدراسة في جامعة لندن مطلع الستينيات، ليعود فيعمل كبيرا للموجهين ومديرا لتعليم اللاجئين. ولفرط حبه للأدب والمسرح علي وجه الخصوص فقد تاق لدراسة المسرح وهو في لندن فظل يلاحق المسرح الانجليزي ومسرحيات شكسبير التي شغف بها، مشاهدة ودراسة يشبع بها هوايته بعيدا عن مناهج ودراسة اللغة الانجليزية التي أبتعث لأجل تجويدها في وجهة تدرسيها. لم ترض الوزارة عن هذا الولع وهذا النزوع الذي هو فيه، فليست تلك الوجهة من شروط البعثة، لكنه كان يري أن المسرح هو، أيضا، لغة، حيث يعلم اللغة قبل أن يدخلك إلي المسرح نفسه، فظل في ملاحقته والتعرف علي الأدب الانجليزي في مظانه هناك. وظل يقول الأدب والمسرح هما اللذان يعلمان اللغة وليس المقعد الدراسي. أمر أخر هام ظل يطبع شخصية مبارك، هو مثابرته علي تخطي المراحل الدراسية، فقد كان ذكيا في ذهنه وفيوقلبه وبه قلق الإبداع وعبقريته. فنجده لم يكمل السنة الرابعة في الوسطي فجلس لإمتحان الدخول للثانوي من الفصل الثالث ونجح بتفوق، ومثلها فعل في امتحان الدخول للجامعة فنجح بتفوق أيضا ودخل الجامعة. حتي تخرج فيها ليعمل في التدريس بالمرحلة المتوسطة وعد أصغر مدرس وسطي في السودان كله. كان مبارك الأبن المدلل في وزارة التعليم، صاحب الكاريزما المسيطرة علي من حوله، والحضور الطاغي يضفيه علي من حوله. مبارك كان يساريا منذ بواكيره وذو منحي تقدمي وديمقراطي في تفكيره وحياته، وبسبب من ذلك فقد عاني بعضا من العنت والقسوة في الترقي. فقد اتهم من قبل البعض بالشيوعية فجري تخطيه كثيرا عند اجراء الترقيات للوظائف الأعلي رغم أنه قد حاز بتفوق كل شروط الترقي. ينظر إليه في ذلك الوقت كمعلم ذو كفاءة عالية وتربويا كبيرا في وزارة التربية. من أرائه التربوية أنه كان يري أن هنالك الكثير من أبناء جنوب السودان يتقنون النحت علي الخشب وصناعة الأشكال المتنوعة منه، وهم بارعون جدا في ذلك، فظل يناشد أن يقبلوا في كلية الفنون الجميلة بدون التعويل علي الشهادات كشرط للقبول. كان من مساندوه في مشروعه الراحل التشكيلي والكاتب أحمد الطيب زين العابدين. لكن الوزارة لم توافق علي المشروع، وظلت تتمسك بالشهادات شرطا للقبول. لربما كان مبارك يري الأمر علي ضوء تجربته الشخصية في تخطي المراحل. لكن المشروع الرائد رفض بشده وقتذاك، ولكن لاحقا تم قبول الفكرة وطبقت في معهد الموسيقي والمسرح ليستفيد منها العديدون منهم الفنانون أبو عركي البخيت وصديق عباس وعبد القادر سالم ومكي علي إدريس وبدر الدين عجاج و وردي نفسه. مبارك في مسارات حياته الشخصية والعملية كان ( متهما ) بالتعالي، فقد كان الشعور بذاتيته عاليا واعتداده بنفسه كبيرا، ثم أنه كان ارستقراطيا في الكثير من جوانب حياته، فليس سهلا عليه، ولا علي الناس أن يكونوا منه في القرب الحميم والصداقة العميقة، لكنه كان كثير المودة لمن يصطفيه منهم، وفي أسرته وعائلته ظل زوجا مسئولا وأبا رحيما. أستقال من الوظيفة مطلع الثمانينيات وهو في الدرجة الخامسة ( أ ) مديرا للتعليم الأوسط في الاقليم الشرقي. العام 1982م رشحه للعمل فترة أربعة شهور ونصف الانجليزيان Jeny Dey & Tonny Barnet في مشروع دراسي حول العمالة في المناطق الريفية لصالح منظمة ILO، فرأي أن المرتب ضعيف ولا يناسبه فرشح بدلا عنه ميرغني ديشاب الذي حظي بفضله بذلك العمل. إفتتح مكتب تجاري بسوق كسلا، وفشل في التجارة فشلا كبيرا حد أن باع مزرعته في الكرمته بمبلغ زهيد ثم رحل وأسرته إلي حي الشعبية بالخرطوم بحري حتي تاريخ رحيله. وكان قد أفتقد الأصدقاء والمثقفون، فسعي ليحافظ علي المستوي العالي لمعيشة أسرته، لكن الأمر لم يكن كما أراد وأسرته، فلم يكن من الممكن استعادة أيامهم الجميلات في كسلا.
مبارك يعد من بين أعمق كتاب القصة القصيرة في السودان، وظل ينشر قصصه في مجلة ( القصة ) لصاحبها عثمان علي نور وفي مجلة ( الفجر )، لكنه لم يطبع مجموعته القصصية حتي الآن. فظلت متاحة في الصحف والمجلات، وكانت (أولوس ) قد نشرت له بعضا من قصصه ومسرحياته مطبوعة علي الرونيو. قال عنه بروفسور عون الشريف قاسم في النسخة الخامسة من مجلة
( قبائل وأنساب سودانية): ( إشتهر مبارك أزرق ككاتب مسرحي موهوب )، وفي مجلة ( المستقبل العربي ) اعتبره عثمان علي نور: ( يعتبر واحدا من رواد القصة القصيرة في السودان )، وفي مجلة ( القصة السودانية ) عده السفير الأديب حمد علي إبراهيم: ( يمتلك مقدرة أسطورية في كتابة القصة القصيرة ). أصدر مبارك علي نفقته الخاصة ونشر مسرحيتان: ( النمل ) التي أصدرتها
( دار جامعة الخرطوم للنشر ) في طبعتين 1981م و 1997م علي التوالي، ومسرحية ( لغز تاجوج ) التي أصدرتها ( مؤسسة أشراقة للنشر والتوزيع والإعلان ) عام 1987م وطبعتها في (مطبعة نهضة مصر ) بالفجالة بالقاهرة. وظلت باقي مسرحياته: ( أحسن من الجنة ) و ( قلبان في جوف واحد ) و( اللص ) لم تنشر بعد، تماما مثلما مجموعات قصصه القصيرة! العام 2005م وفي اطار مشروع ( الخرطوم عاصمة للثقافة العربية ) قدم مبارك مسرحيته ( أحسن من الجنة ) لتطبع وتنشر ضمن فعاليات المشروع. وكانت قد وضعت بالفعل قيد الطباعة، وقد عول هو كثيرا علي صداقته للسعيد عثمان محجوب ولعبد الحميد الفضل اللذان كانا من ضمن مسئولي الطباعة والنشر لإصدارات المشروع. وكم حزن جدا وصدم حين لم تطبع، لربما جراء يساريته اللامعة وقتذاك. فحزن وهو ذو قلب فطن تؤلمه الهزيمة ويفرحه الإنتصار. لكن ( أولوس ) كانت قد شرعت في مسرحة مسرحيته ( اللص ) وعرضت علي مسرح تاجوج بكسلا، أعدها ميرغني ديشاب للمسرح واخرجها الطيب المكي. والمعروف أن مبارك كان أحد أهم المؤسسين لرابطة (أولوس الأدبية) بكسلا مع الراحلين كجراي وبابكر محمود النور وأحمد طه الجنرال وآخرين.
مبارك كان صاحب قراءات كثيرة في الأدب الانجليزي يقرأه بلغته التي يتقنها وبالأدب الفرنسي المترجم للانجليزية، ذو عقل كبير متفتح وضليعا في فقه اللغة الانجليزية ومن أهم العارفين بأسرارها في بلادنا. وله ولع خاص في الحوار مع الآخر فيقتفي أثره في حياته كلها، الشئ الذي لم يجده حين رحل عن مدينته كسلا , فعاش في عزلة قاتمة في أيامه الآخيرة! ولأنه كان قد تشبع بالقيم العالية جراء قراءاته العميقة في الأدب الانجليزي ولدي شكسبير علي وجه الخصوص فقد شرع يجعل تلك القيم في قصصه القصيرة وفي مسرحياته علي السواء، بلغة أنيقة سهلة، متماسكة ورشيقة العبارة، فهو يعرف أين يضع المفردات المنتقاة لتكون في خدمة التعبير وفي اضاءة الصورة وتكثيف اللحظة في المشاهد ... لقد كان رائيا كبيرا في نظره لثيمات وموضوعات مسرحياته وقصصه. ففي مسرحية ( لغز تاجوج )لم ينساق مع الأسطورة في طرحها الساذج المعروف ، بل نجده قد تناولها بأفق تقدمي وبوعي عميق بالعلاقة فيما بين المرأة والرجل، تناولها خلافا لكل ما كتب عنها في بلادنا، يقول مبارك: ( ... وليرو الرواة ما يروون، ولكني بإختلاف روايات الرواة، واختلافهم في تفسير أحدوثة تاجوج، لا أحسبها إلا من نزعة واحدة عند المرأة، تلك الصرخة الداوية بفم مارلين المصبوغ بالأحمر وبالقلم، أو فم تاجوج المدقوق بالأخضر وبالابرة. نزعة المرأة الذكية الفؤاد والعقل والروح. والتي تنفر أن تشبه الدمية، وتسعي لأن نجل قدرها، ويعلي شأنها، لا لجمال وجه وقد وخصر وأرداف، ولكن لإنسانية وكرامة. وفي هذا ما أحسب إلا تاجوج ومارلين صنوين: الأولي انتحرت مقتولة، والثانية قتلت منتحرة! ) ... لقد جعل من الأسطورة وجها لامعا ليعرض وجه المرأة الحقيقي في الناس، ذلك الرائي العظيم، ومثل ذلك فعله في ( النمل ) و ( أحسن من الجنة ) وغيرها من مسرحياته ذات الفصل الواحد وفي قصصه القصيرة.
التحية لروح مبارك أزرق، الرائد المجيد في القصة القصيرة والمسرحي الموهوب والأستاذ النابه في اللغات، العربية والانجليزية، التحية لأرملته ورفيقة دربه الأستاذة إحسان علي عمر، ولبناته منار وندي ورحاب وسارة والسرة وللأبناء مروان ومحمد .

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
////////////