كلنا نحفظ أبيات الهجاء المقذع التي سطرها الشاعر العبقري أبو الطيب المتنبئ، وخص بها حاكم مصر في تلك الحقبة من التاريخ العربي – الإسلامي، كافور الأخشيدي. هجاء وصم كافور بصفات ليست فيه وجعله مضربا للأمثال ومجالا للهزء على مدار الزمان، رغما عن ما كان يتصف به الرجل – كافور – من حنكة ودهاء واقتدار في الحكم والسياسة، وهذا ما أثبته المتنبئ نفسه في أشعار المدح السابقة لهجاء كافور. 

فالمتنبئ الحانق استخدم عبقريته الشعرية في الانتقام من الحاكم المقتدر كافور، الذي أغراه بمنصب ما يضمن له السلطة والحكم، فقربه وجعله من شعراء البلاط لكنه لم يكن جادا في ما وعد به الشاعر، وربما يعود ذلك إلى الحنكة الكافورية؛ فالمتنبئ شاعر عظيم وحكيم لكنه ليس بالسياسي أو رجل الدولة المطلوب كما يرى كافور. والمعادلة الطبيعية في حالة المتنبئ وكافور هي: سيد "كافور" وتابع "المتنبئ". بيد أن عبقرية الشاعر أبدلت الأشياء وجعلت السيد تابعا إلى أبد الدهر.. ما بال المتنبئ وكافور وإعلان الاستوزار الأخير؟
ليس هناك رابط مباشر بين أشعار المتنبئ في هجاء الحاكم كافور وإعلان التعديلات الوزارية الأخيرة، اللهم إلا حالة السعي الدؤوب التي بذلها المتنبئ جريا وراء الاستوزار منذ عهده ببلاط سيف الدولة الحمداني وإلى عهده مع حاكم مصر الأخشيدي، فربما هناك بين قائمة المستوزرين الجدد الآن من كان له في السعي مثل سعي المتنبئ، وربما أيضا خاب أمل بعض المعفيين من الاستوزار أو من لم يشملهم الاوستزار مثلما خاب أمل ورجاء المتنبئ قبل مئات السنين فحنق على الحكام والعالم والبشر أجمعين وقدم نفسه معتدا مثالا للفخر والكبرياء وهو القائل:
ما أبعد العيب والنقصان عن شرفي
أنا الثـــريا وذان الشيب والهرم
هكذا كان المتنبئ مفاخرا ومكابرا عزيز النفس رغما عن سعيه الحثيث نحو الحكم والسلطة والاستوزار، فالرجل يرى نفسه فوق النقصان وهو من بيده "صواعق الغمام"، ورغما عن ذلك خذله الساسة والحكام ولم يجعلوا منه وزيرا أو واليا وتركوه للشعر ليبدع، فهل كان سيبدع أيضا لو تم له ما أراد؟
نعود إلى وزرائنا الجدد الذين نتمنى أن يكون من بينهم من له عزة وكبرياء وإباء أبو الطيب المتنبئ، ومن هو في حنكة ودهاء الحاكم الأسود – ابن النيل – كافور الأخشيدي، فالسودان الآن أحوج ما يكون للشرفاء الكرماء، وأحوج ما يكون للحكام المقتدرين المهمومين بأمر وطنهم وأزمات شعبهم، حكام بعبقرية المتنبئ الشعرية النبيلة وذكاء وحنكة كافور السياسي الناجح والحاكم الذكي.
وكما قال سيدنا المتنبئ نقول:
عَـلَى قَـدْرِ أَهـلِ العَـزمِ تَأتِي العَزائِمُ
وتَــأتِي عَـلَى قَـدْرِ الكِـرامِ المَكـارِمُ

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.