كيف يمكن أن تتحول بلاد ما إلى رهينة؟ هل يكون ذلك بارتهان قراراتها وسياساتها الداخلية والخارجية إلى إملاءات وتوجيهات تأتيها من دولة أخرى، أو تحالف عدة دول مجتمعة؟ أم أن البلاد تتحول إلى رهينة حين تفتقد للمعيارية الاقتصادية، وتتحول مع الوقت إلى مجرد تابع اقتصادي مركع يعتمد في تسيير شؤون البلاد والعباد على الإعانات والقروض والمنح، وما تجود به دول الرهن الاقتصادي التي ربط مصيره بها، مما يجعل اقتصاده عرضة للاهتزاز طوال الوقت ويدخل البلاد على الدوام في سلسلة من الأزمات الاقتصادية، ومثل هذه الدولة – في الحالتين – أبعد ما تكون عن اقتصايات التنمية والبناء والتعمير، لذا هي على الدوام في حالة انهيار وتداعي إلى أن تتفكك تماما.
فهل التنمية هي الخيار الأمثل للخروج من فخ الارتهان للدول الأخرى، وفي كافة أشكاله؟ وفي حال بلد مثل السودان؛ عُرف عنه الثراء الطبيعي، فهو بلد غني بالمعادن وبلد زراعي للدرجة التي لقب فيها يوما بـ "سلة غذا العالم"، كما أنه بلد تتفوق ثروته الحيوانية على ثروات الكثير من الدول التي يعتمد اقتصادها على "الحيوان" كمصدر تغذية أساسي لخزينة الدولة. ما الذي يجعل بلد بكل هذا المواصفات غارقا في الأزمات الاقتصادية والتنموية منذ استقلاله عن المستعمر وإلى هذه اللحظة الدقيقة من عمر الدولة السودانية، هل هو الارتهان – المجاني – للدول الأخرى، أم هو سوء التخطيط الذي قاد إلى إهمال "التنمية"، لاسيما في جانب أهم الخصائص الاقتصادية للدولة السودانية، وأعني الزراعة بشقيها المطري والذي يعتمد على الري؟
في جلسة حوار جمعتني بالأستاذ شمس الدين ضو البيت مؤسس مشروع الفكر الديمقراطي، وهو أحد مشاريع الاستنارة الرائدة في هذه البلاد، أشار إلى أن الإشكال الأساسي الذي يواجه السودان يتمثل في خلل التنمية، فنحن بلد تمضي بلا خطة تنموية واضحة وكأنما التنمية هي آخر هموم الدولة السودانية، وضرب مثلا بالشعار النضالي القديم "التحرير قبل التعمير"، ورأى أن هذا الفصل المجحف بين التحرير والتعمير هو الذي قاد البلاد إلى هذه الهوة العميقة وإلى هذه الحالة من الارتهان للآخر انتظارا لهباته أو قروضه.
فهل تجرثمت بنية الوعي السياسي لدينا منذ اللحظات التأسيسية بمثل هذا الشعار وبمفاهيم أخرى مغلوطة تُعلي من قيمة المشاريع الحضرية الكبرى – الجاهزة - خصما على "الاقتصاد الطبيعي" – الزراعة المطرية نموذجا - مما قاد في النهاية مقرونا مع سوء التخطيط التنموي إلى هذا الفشل الاقتصادي المريع؟
هذه أسئلة تصدر عن شخص غير مختص في الاقتصاد لكنه مهموم بـ "أحوال" البلاد الكبيرة.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
/////////////////