*****

نمتثل بكامل الرضاء والتسليم لمشيئة الله الغالبة التي قضت برحيل الأخ والصديق الوطني المتجرد/ أبو زيد محمد صالح في الأسابيع الماضية. في أربعينية رحيله نسأل الله العلي القدير أن يتغمده بواسع رحمته ومغفرته ورضوانه وأن يجعل البركة في أسرته وأهله وأصدقائه العديدين. العزاء والمواساة لزوجه وأبنائه ولشقيقه الأستاذ/ محجوب محمد صالح، وصديقه الأثير محمد نور السيد، وللزملاء بوزارة المالية، ولمواطني مدينة الخرطوم بحري الأوفياء، ولأبناء وبنات السودان جميعا.
قبل أن تسعدني الظروف بالتعرف عن كثب على الراحل العزيز - عليه الرحمة - كنت قد رسمت له في مخيلتي صورة انطباعية ذات جزئيات متعددة؛ تشكلت من ما كان يرويه عنه بعض رفاقه من رواد التقدم والاستنارة الذين جمعتهم به دروب النضال والوطنية العامرة، وشاركوه في تأسيس وترسيخ ركائز الوعي في بلادنا. تعرفت من روايات هؤلاء على تفاصيل حول كيف كان الراحل العزيز يعمل دون ضجيج وبعيداً عن الأضواء، ويوظف جل طاقاته وحيويته للعمل العام الوطني والاجتماعي، ويقدم التضحيات الجسام من أجل تقدم السودان ورفعته.
جزئيات أخرى من الصورة الذهنية التي كنت قد كونتها من على البعد عن الراحل العزيز، أخذتها من الحكايات والذكريات والطرائف التي كان يتداولها عنه من زاملوه في سني الدراسة من الذين لمسوا ما كان يتميز به من ذكاء وتفوق، وما يحظى به من احترام من قبل أساتذته وأقرانه، وما يتمتع من صفاء وحس دعابة راقي.
علاقتي ببعض أصدقائه المقربين أضافت أبعاداً ملونة أخرى للصورة. وحيث أن المرء يعرف بأصدقائه، أيقنت أنه واحد من تلك النخب من أصحاب الفكر النير والعطاء المتجرد والتواضع والسيرة المحمودة؛ مما جعل أبا زيد محمد صالح يتبلور في مخيلتي شعلة وقَادة من الوطنية، ورمزاً للمبادئ السوية، ومصدراً للعديد من الإيجابيات.
بناء على تلك الصورة الذهنية شبه المكتملة التي رسمتها للراحل العزيز - عليه الرحمة – ظللت أرنو وأتطلع للفرصة المواتية التي تجمعني به، حتى أوطن قناعاتي، وأستلهم القدوة من ذلك المثقف الوطني الغيور. وبالفعل سنحت تلك الفرصة السعيدة المأمولة؛ حيث أصبحت قريباً منه، بل لصيقاً به بصفة يومية على مدى سنوات ثلاث، وذلك عندما جمعنا العمل على رأس الجهاز التنفيذي بوزارة المالية والتخطيط الاقتصادي على إثر انتفاضة إبريل 1985. عجمت العيدان، وكان الراحل العزيز، والذي فتش عن تجربة، أقواها عوداً وأصلبها مكسرا، ومن ثم أصبح الأجدر بأن يشغل منصب الوكيل الأول للوزارة. وتزامن ذلك مع رجوعي لعملي بالوزارة وكيلاً للاقتصاد الوطني بعد انتهاء فترة إعارة لشركة سكر كنانة.
لم أجد الصورة المتخيلة عن ذلك الإنسان الودود والمثقف الوطني والمناضل الجسور تختلف في أجزائها الرئيسية كثيرا عن الشخصية على أرض الواقع التي زاملتها على مدى تلك السنوات الحافلة بالتحديات، والعمل الدؤوب والتعاون السعيد والمثمر؛ سنوات نعمنا فيها براحة الضمير لما تسنى لنا تقديمه من جهود بذلناها سدادا لدين الوطن المستحق. ولقد سمحت لي تلك الزمالة والتعاون اللصيق مع الراحل العزيز بأن ألمس سمات إيجابية عديدة أخرى عن شخصيته الفذَة وعن قدراته.
تمتع أبوزيد محمد صالح - عليه الرحمة - بكاريزما طاغية جعلت من هذا الاسم الثلاثي الرنان رمزاً وإيقونة لقيم الحق والخير والجمال، وللوطنية في أسمى معانيها، وللعطاء المتفاني، وللكفاءة المهنية، وللصداقة، وللانفتاح الإيجابي على المجتمع.
كما تميز الراحل العزيز بديناميكية عالية مكنته من تحمل أعباء ومسئوليات جسيمة، متعددة ومتنوعة، تضمنت الإشراف على وكالة الاقتصاد الوطني، ووكالة التخطيط، ووكالة المالية، إلى جانب ديوان الضرائب، وديوان الجمارك، وديوان شئون الخدمة، وديوان المعاشات، وديوان الحسابات. وكان من بين العوامل التي ساعدته على نجاحه في الاضطلاع بتلك المسئوليات، حرصه على تعزيز الثقة في معاونيه في القطاع الاقتصادي، وتحفيزهم على طرح المبادرات واتخاذ القرارات؛ بالإضافة إلى تشجيعهم على العمل وفق روح الفريق. وقد زاد كل ذلك من الاحترام الذي كان يحظى به وسط زملاء العمل. ومن تلك العوامل أيضاً إسناد بعض المهام الكبيرة إلى لجان متخصصة. غير أن أهم عومل النجاح تمثلت في تمتعه بالخلفية الإقتصادية العلمية، ومواكبته للمتغيرات العالمية، ودرايته بطبيعة أعمال وزارة المالية وما يحيط بها من جوانب فنية متخصصة؛ ولا غرو في ذلك، حيث أنه ابن سابق لوزارة المالية.
أكثر ما ميز الراحل العزيز - عليه الرحمة - قدرته على التفكير الاستراتيجي دون أن تحرفه التفاصيل الجزئية عن النفاذ إلى جوهر المشكلات، ومن ثم التوصل إلى الحلول المبدعة لها. وكان - عليه الرحمة - مفاوضا ماهراً؛ برزت مواهبه التفاوضية في العديد من المناسبات الاقتصادية والوطنية الهامة، مثل المباحثات مع صندوق النقد الدولي وغيره من المؤسسات الاقتصادية الدولية والإقليمية.
وكان خير استثمار لتلك القدرات التفاوضية على الصعيد الوطني العريض، مشاركة الراحل العزيز في إدارة التفاوض بين أصحاب العمل ونقابات العاملين بهدف إرساء مرتكزات لعقد اجتماعي يعبر عن روح الوفاق المجتمعي التي تبلورت إثر انتفاضة إبريل. ولقد كان مجرد تناول مثل تلك القضايا الحديثة نقلة نوعية في نمط الإدارة البيروقراطي المتوارث منذ عقود. ومما مثل تحدياً خاصاً في تناولها، عدم وجود رؤية مؤسسة وسوابق يسترشد بها. وهذا ما دعا إلى استنفار الأفكار المبدعة ومن يتمتعون بالديناميكية اللازمة لتنفيذها.
كان الراحل العزيز مدركاً لأهمية بذل الجهود القصوى من أجل إشباع التطلعات المشروعة لشعب السودان من خلال المشاركة الفاعلة مع أبناء الوطن الغيورين في مبادرات الإصلاح الإقتصادي الجذري الذي تعزز نتائجه من قدرة الديمقراطية الوليدة على الإنجاز والاستدامة، إرتقاء بمعيشة المواطنين، وإسهاماً في معالجة مشكلات تدهور البيئة والجفاف والتصحر والنزوح التي سادت في منتصف عقد الثمانينات. وكان التحدي الكبير هو تنفيذ برامج عملية وذات مردود آني وملموس. وهنا كانت توصيات المؤتمر الاقتصادي الهام الذي انعقد في تلك القترة معيناً جيداً في هذا الجانب؛ حيث مثلت خارطة طريق ذات معالم واضحة؛ خاصة وأنها كانت توصيات جيدة الدراسة والإعداد، قدم فيها المهنيون السودانيون بإخلاص عصارة علمهم وتخصصهم وتجاربهم.
وفقاً لوضوح الرؤى الذي تحقق، وقوة الدفع والتفاؤل التي تولدت إثر انتفاضة الشعب في إبريل، شارك الراحل العزيز في تنفيذ بعض البرامج ذات الطابع العملي التي تم تبنيها استناداً على تلك المعطيات الجديدة. فكان السعي الدؤوب لإحداث زيادة في حصيلة الصادرات دعماً لميزان المدفوعات، والتناول الجدي لمعالجة مشكلة المديونية الخارجية، ومن بين الخبراء من أبناء قارتنا السمراء الذين استعنا بهم في هذا المجال السيد عبد الله واد، الذي اصبح بعدها رئيساً لجمهورية السنغال. بل ولعب السودان آنذاك دوراً فعالاً في بلورة الموقف الإفريقي الموحد إزاء أزمة الديون الإفريقية. كما برز خلال تلك الفترة نشاط وطني كبير على ساحة الدبلوماسية الاقتصادية، هدف إلى إبراز وجه السودان المشرق في ظل ديقراطيته الوليدة. فكانت مشاركة السودان الفاعلة في تنفيذ اهداف التنمية على المستويات الدولية والإقليمية؛ وانعكست الحيوية الملموسة أيضاً في الإعداد الجيد لمؤتمر الأبعاد الإنسانية للتنمية الاقتصادية في إفريقيا الذي استضافه السودان في تلك الفترة؛ والذي تم تنظيمه بالتنسيق مع اللجنة الاقتصادية لإفريقيا.
هذا نزر يسير مما عنً لي ذكره في أربعينية هذا الإنسان المتواضع والمتجرد الذي أعطى لوطنه بغير حدود، والذي ستظل سيرته الوضاءة مصدر الإلهام والقدوة للأجيال الجديدة من أبناء السودان.

--------------
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
///////////////////