سؤال يستحق أن نقف عنده طويلاً دون تعقيد ودون الرجوع لأمهات الكتب في السياسة والاجتماع. المطلوب منّا، وبكل بساطة، أن نتجرد كسودانيين من معتقداتنا السياسية والتي هي أم الكبائر وننظر للواقع نظرة مراجعة صادقة للمسيرة بعين المواطن ومتطلباته، لا بعين الفكرة المختلف عليها لنحدد المشكلة أولاً ثم مكانها وين.

وانا في مقتبل العمر كنت من الظانين أن مشكلة السودان مشكلة أفكار، فاستهواني اليسار كما استهوى الكثيرين من الشباب في ذلكم الزمان، وكان اليسار عندئذٍ له طعمٌ خاص جذبتنا اليه شعاراته ذات البعد الإنساني والتي كنت أفتقدها بصفةٍ خاصة وأنا ابن عامل فقير له ست من البنات وأربع من البنين وكما قال الشاعر: والماهية أُف عيشة هاك وكُف. فالتزمت صف اليسار العريض انحيازاً للفقراء مع الفارق الكبير بين فقراء الأمس واليوم للأسف الشديد.

هدتني فطرتي بعد ذلك الي أنّ الكون ليس بهذه النظرة المادية المجردة من الروح والتي صورها لنا اليسار آنذاك دون وعي منه بالواقع الاجتماعي السوداني، فاخترت الاسلام الحركي الذي يدعو لفكرة توازن الانسان متجاوزاً بذلك تجربة الطائفة الدينية التي أنتمي اليها والتي كان ينبغي أن تستوعبني لاعتبارات أسرية تاريخية ولكن تفاصيلها القاسية هي السبب الرئيس في انتمائي لليسار العريض.
خلصت أخيراً وبعد هاتين التجربتين الى أن المشكلة تكمن في أن بعضنا يريد أن يلزم الآخر بفكرته رغماً عن أنفه، وربما يظهر ذلك بوضوح في الفكر الاسلامي السياسي الذي يري معتقدوه انهم مأمورون من عند الله بإقامة دولة الاسلام بنسختهم الخاصة بقوانينها وموروثها الفقهي علي أرض الناس بأي صورة كانت وهذه بلا شك وصايا يأباها الدين (لست عليهم بمسيطر)، وإن لم يفعلوا ذلك فأولئك هم الكافرون والظالمون والفاسقون. وإن أقاموها سيكون جزاءهم الحسني، وهكذا تُحفّز النظرية باجتهادها وفهمها الخاص منسوبيها لينالوا رضوان الله يوم القيامة نظير قيام دولة علي مجتمع يختلف عليها وربما يكفر بها تماماً، وبالطبع هذا بيع رابح وكلنا ذلك الرجل، ومن منّا يريد ان يبدل الخبيث بالطيب، ولكن قولاً واحداً أن هذه الفكرة وبهذا التجني على الآخر لا تتفق ومقاصد الدين بل تَجَسّدَ فيها التسلط والازدراء للآخر الذي كرمه الخالق وسجدت له الملائكة خليفةً في الأرض بصرف النظر عن معتقده.

إذاً فالمشكلة مكانها (فِكْر) من يري اجتهاداً أنه مكلف من عند الله أو من عند نفسه بإلزام الآخر طوعاً أو كرهاً بنظام حُكم يُؤْمِن به ويكفر به الآخر، علماً بأن الله أسس لدينه بصورةٍ واضحة لا لَبْس فيها ولا غموض وبآياتٍ بيناتٍ بقوله (فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر)، وبَيَّن كذلك أنه لا إكراه في الدين، وأن الحرية هي أصل الانسانية وبها يختار الانسان عقيدته وإن كانت كفراً بالله.
وإذا أسقطنا هذا الهدي القرآني على معايير الدولة القطرية العلمانية الحديثة نجده يتطابق تطابقاً كاملاً معها ومع حقوق الانسان في كل اختياراته، وهذا بلا شك مراد الله الذي يقف على مسافة واحدة بحكمته وقدرته وبعدله وسننه في الدنيا من كَآفَّة الناس بلا تمييز ولا محاباة (وما ربك بِظَلاَّم للعبيد)، ثم يُردنا في الآخرة فينبئنا بما كنا نعمل (فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره).
ولنتجاوز كإسلاميين المشكلة التي هي مرض في ذواتنا، دعونا نؤسس بمفهوم التجديد الديني منظمات للمجتمع المدني مهامها إصلاح الناس لا الدولة، فصلاح الدولة مُخرجٌ لصلاح المجتمع.

(ان الله لا يغير ما بقومٍ حتي يغيروا ما بأنفسهم)، ولا اعني بذلك ذهاب الحركة الاسلامية للمساجد وترك الساحة العامة كما يُروَّج البعض من أبنائها يريدون لها تحنطاً علي حساب الدولة حيث المخصصات والعرض الزائل، وإنما لنؤسس بها منظمات للمجتمع المدني تنشئ المدارس ودور المعرفة وتعلم الناشئة مكارم الاخلاق وقيم العدل والخير في العلاقات الانسانية وفِي الحكم والاقتصاد والسوق والتكافل الاجتماعي وتحارب الفقر والجوع والمرض وتحقق (فليعبدوا ربّ هذا البيت الذي اطعمهم من جوع وآمنهم من خوف) بعيداً عن السياسة وصناديق الاقتراع وبذلك تكون هذه الحركة (هي لله) بحق وحقيقة، فالله اغني الشريكين كما ورد في الحديث.
ليتنا تحملنا مسئوليتنا لخلق مستقبل أفضل لهذا الوطن الجميل بعيداً عن الصراعات السياسية المؤدلجة، ونسأله سبحانه وتعالي التوفيق والسداد. امدرمان ٦/ مايو/٢٠١٨