في السنوات الأخيرة تعرض القضاء السوداني لمصايد كبيرة جدا متعلقة بمسائل يطرحها الناشطون الحقوقيون والنسويون... كقضية البارون ومريم مثلا ، والتي انتهت بمعالجات غير قانونية نتيجة الضغوط الدولية. لكن الآن تبدو قضية نورا مصيدة اكبر من سابقاتها ، نسبة لارتفاع اصوات النسويات ، وطبعا تلقفت وسائل الاعلام الامريكية الخبر وصعدت من القضية اعلاميا ، وقد حملت المانشيتات في ال cnn عناوين مثيرة جدا من ضمنها مثلا:(الاسلام يجيز اغتصاب المرأة) ، (الحكم باعدام مغتصبة) ،...الخ . والسفارة الامريكية ايضا استفادت من القضية واصدرت بيانا بالامر ، وهذا كله يمثل ضغط كبير على القضاء السوداني. حيث يواجه بهذه الضغوط من ناحية وبمبادئ العدالة الجنائية من ناحية أخرى فيتجاذب امره الطرفان. نشطاء يطلبون من القضاء تجاوز مبادئ العدالة الجنائية ، وعدالة جنائية لا تنهض الا بتجاوز الضغط الاعلامي. فعلى سبيل المثال ؛ هناك عدة مبادئ تهيمن على القضاء في هذه القضية ؛ ومن ضمنها استقلال الحقيقة القانونية عن الحقيقة الواقعية. فالقضاء لا يأخذ في الاعتبار كل ما يقوله الجاني او المجني عليه الا بناء على ادلة ثابتة ، تنفي اي شك معقول حول حقيقتها. فعلى سبيل المثال زعمت المتهمة نورا ان اهل المجني عليه ساعدوه في اغتصابها ؛ هذا القول قد يأخذ به الاعلام على عواهنه مرسلا هكذا ؛ لكن القضاء لا يمكن ان يأخذ به الا عبر ادلة وبينات. وهنا يكون القاضي رأيه بحسب الحقيقة القانونية وليس بحسب الحقيقة الواقعية ، وليس هذا قصورا في العدالة الجنائية ، انما هناك اعتبارات اخرى للعدالة يتم مراعاتها ، والا لادعى كل شخص قصة مزيفة لتعزيز دعواه. فعلى سبيل المثال ؛ لو ان شخصا ما رفع دعوى مدنية مطالبا بدين على المدعى عليه. لا يستطيع القاضي ان يحكم الا اذا قدم المدعي ادلة وبينات تؤكد وجود دين له في ذمة المدين. وقد لا يكون الدائن لديه اي دليل رغم انه فعلا لديه حق مالي في ذمة المدين. لكن القضاء لا يعترف بمجرد الادعاءات غير المثبتة. والا لانفتح باب رفع دعاوى كاذبة على الناس وهذا ما يؤثر على الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي للافراد الذين يكونوا مهددين دائما برفع دعاوى كيدية او احتيالية ضدهم. هذه هي مبررات العدالة لمبدأ استقلال الحقيقة القانونية عن الحقيقة الواقعية. هناك ايضا مبادئ أخرى رسختها السوابق القضائية ، كمرور فترة زمنية على الاستفزاز بما ينفي دوره في تغيير وصف الجريمة . لا يمكن للقضاء ان يتجاوز هذا المبدأ والا فهذا يعني انه سيبيح عمليات الانتقام ، رغم مرور فترة من الزمن . وفي قضية نورا ثبت انها لم تقترف الجريمة وقت اكراهها على الجنس .. مما فتح امامها فرصة الهرب او اللجوء للسلطة العامة او التفكير بترو واتزان في عواقب اقتراف جريمة القتل. قد يقول البعض بأن ما فعله الزوج اغتصابا ، لأن هذا الزواج باطل ، لكن كما قلت ، الامر لا يخضع لأماني النسويين والنشطاء الحقوقيين امام القضاء فهناك ادلة يجب ان تثبت كل ادعاء والا التفت عنه القضاء ولم يحمله محمل البحث والتحقيق. كما قد يطلب البعض من القضاء تصحيح النقص التشريعي في عدم تجريم اغتصاب الزوج لزوجته. وهذا مستحيل تماما ؛ لأن هناك مبادئ تحكم القضاء كما اسلفت ، منها مبدأ المشروعية ومبدأ الفصل بين السلطات ، فالقضاء لا يستطيع ان يغير القانون لأن هذا الامر من اختصاص السلطة التشريعية ؛ كما ان القضاء لا يستطيع التوسع في التفسير بحيث يخلق جرائم وعقوبات جديدة. فالقضاء يطبق القانون ولا ينشؤه. وهو ملزم بمبادئ تضمن تحقيق العدالة الجنائية. فلنتخيل مثلا ان القضاء كان بامكانه تعديل او سن قانون منتهكا لاختصاص السلطة التشريعية الاصيل. لو تخيلنا ذلك لأدى هذا الى انتهاك للعدالة. فالقاضي قد يقوم بادانة شخص على شرب السجائر او سف الصعوط رغم انهما غير مجرمين ، كما سيتمكن القاضي من معاقبة خصوم الحكومة السياسيين بجرائم من اختراعه. اذن فهذه المبادئ التي تحكم القضاء لم تأت من فراغ وليست نوعا من الترف. انما هي موازنات دقيقة جدا.
المعضلة الآن أن القضاء لو تجاوز كل هذه المبادئ متماشيا مع الصراخ الاعلامي والضغط الامريكي فسنقع في اشكالية جديدة وهي انه سينتهك مبدأ المساواة امام القانون ؛ لأن هناك بالفعل من تم الحكم باعدامهم بسبب عدم توفر ذات الشروط القانونية التي حددها القانون الجنائي لتغيير وصف الجريمة. وعدم اعدام نورا يعني ان القضاء ينتهك مبدأ المساواة امام القانون وهذا مبدأ دستوري.
ان القضاء السوداني اليوم في زنقة عويصة جدا.... فالى اي جانب سيجنح بسفينه؟

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.