صحيفة التيار 28 سبتمبر 2020 

لقد نادى بتجديد جلد الحزب الشيوعي السوداني شيوعيون نابهون مُطَّلعون، مثال: الخاتم عدلان وصديق الزيلعي، والشفيع خضر، وكثيرون غيرهم ممن لم تظهر مساهماتهم على السطح. ويعلم كلنا كيف كان مصيرهم مع الكهانة الأرثوذوكسية القابضة على رقبة الحزب الشيوعي؟ لقد جرت شيطنتهم على نفس النهج الذي تجري به شيطنتي اليوم، التي تقوم بها في الأسافير الأقلام قصيرة النَّفَس، لصغار محاربي قبيلة الحزب الشيوعي. لقد نادى المفكر الشيوعي د. فاروق محمد إبراهيم بتغيير اسم الحزب الشيوعي بناءً على المستجدات الفكرية والسياسية، والافصاح عن علاقته بالدين وعن علاقة الدين بالماركسية، ولكن لا حياة لمن تنادي. فالحزب ليس في أيدي مفكرين، وإنما في أيدي كادر نقابي متمرس، لا يعرف شيئًا أبعد من العمل التنظيمي والمناورات السياسية.
تمر الفترة الانتقالية الآن بفترة عصيبة في وقت يعاني فيه الشعب ضائقة معيشية غير مسبوقة. بل لقد أصبحت الفترة الانتقالية في مجملها على كف عفريت بسبب سوء إدارتها. مر أكثر من عام منذ أن تسلمت الحكومة الانتقالية مقاليد السلطة. ولم تجن الجماهير العريضة التي أشعلت هذه الثورة وضحت من أجل نجاحها بدمائها، سوى حملات علاقاتٍ عامةٍ باهتة، تتمثل في حلقات نقاش تلفزيونية يديرها من سرَّبهم اليسار إلى الأجهزة الإعلامية. إضافةً إلى مؤتمرات متتابعة "مكلفتة" لا تسمن ولا تغني من جوع. وهي مجرد حملات علاقات عامة غرضها التخدير وشراء الوقت في انتظار ما لا يأتي.
لقد حوَّلت قلة كفاءة من أداروا التفاوض مع اللجنة الأمنية، ومن بينهم شيوعيون كبار، هذه الثورة حتى الآن إلى جهدٍ بلا عائد. لقد تحوَّلت أحلام الثوار في إدارة مقتدرة للفترة الانتقالية إلى تمكين حزبي جديد متعدد الرؤوس، وإلى اقتناص متلهف للمناصب. ونذكر كلنا أن التوجه الأول للثورة تمثل في أن تدير الفترة الانتقالية حكومة كفاءات. لكن، ما لبثنا أن رأينا الشخصيات الحزبية تأخذ طريقها إلى المناصب. لقد فات على قوى اليسار وغيرها، وهي تمارس خداع الشعب، منطلقةً من غرائزها البدائية الأولى التي تأثيرها المناصب، أن هناك أجيالاً من السودانيين تعرف بعضها منذ أيام الدراسة في الثانويات والجامعات، ويعرفون إلى أي حزب ينتمي غالبية من تبوأوا المناصب. لقد أرسلت أحزاب اليسار إلى المناصب من ظنوا أن انتماءهم مجهول لدى عامة الناس، وفي هذا جهل بالبيئة السودانية، وبمدى معرفة السودانيين ببعضهم.
لقد أفشل الشيوعيون ثورة أكتوبر وجعلوا فترة الانتقالية لا تتجاوز بضعة أشهر بسبب سوء تصرفهم. لقد ظنوا أن ثورة أكتوبر هي الثورة البلشفية، ولن تلبث الطبقة العاملة أن تأتي إلى دست الحكم. وكان ذلك جهلا موبقا بالسياق السوسيو/اقتصادي السوداني. رفعوا شعار لا زعامة للقدامى، ولا أحزاب بعد اليوم، ومنحوا جبهة الهيئات التي يسيطرون عليها 7 وزارات، في حين منحوا كلا من حزب الأمة والاتحادي وجبهة الميثاق وزارة واحدة. كما منحوا أنفسهم وزارة واحدة، وفقًا لما حسبوه ذرًّا للرماد في العيون. غير أن الجميع كانوا يعلمون أن نصيب الأسد من وزارات حكومة أكتوبر الذي ذهب إلى جبهة الهيئات، إنما ذهب إلى الحزب الشيوعي "باللفة". لذلك، ألَّبت عليهم الأحزاب الكبيرة الشارع ومورس ضغطٌ رهيبٌ على رئيس وزراء الفترة الانتقالية السيد، سر الختم الخليفة، فاستقال وانهارت الفترة الانتقالية، وتبخرت أحلام الثائرين، وأصبحت أكتوبر أثرًا بعد عين. (راجع كتاب تيم نيبلوك: "صراع السلطة والثورة في السودان"، ترجمة محمد علي جادين والفاتح التجاني، وراجع كتاب محمد سعيد القدال "معالم في تاريخ الحزب الشيوعي السوداني"). غدًا أعرض بعضًا من تفاصيل محاولات "تكويش" الحزب الشيوعي على أكتوبر حتى أجهضها. (يتواصل)