صحيفة. التيار 27 سبتمبر 2020
عكست الردود التي ازدحمت بها الأسافير حول مقالتي في نقد اليسار الشيوعي والبعثي في السودان، حقيقة هذين التنظيمين الطنَّانين. جنحت غالبية تلك الردود إلى الهتر، وهو أمر لم أكن أتوقع غيره، على أي حال. فاليسار السوداني صنع قبيلةٍ، ولم يصنع حزبًا سياسيًا ديموقراطيًا حداثويًا. لذلك ما أن شاعت مقالتي في الأسافير امتشق صغار فرسان هذه القبيلة اليساروية سيوفهم وشرعوا يدافعون بالنصال عن صنم قبيلتهم وبقرتهم المقدسة. هؤلاء لا يناقشون، لأنهم لا يملكون حصائل معرفية يناقشون بها. ولذلك، ينحدرون تلقائيًا على منزلق الهتر الفج والغوغائية. يريد كل فارسٍ منهم نيل رضا القبيلة، وقد سنحت لذلك الفرصة. هذا النهج، هو ما جعلهم، باستمرار، خارج ساحة الفعل الفكري المنتج. وقد تأكد لي الآن، أكثر من أي وقت مضى، ألاَّ فرق في طريقة مقارعة الرأي المغاير، بين التكفيريين المسلمين، وهؤلاء التكفيريين اليسارويين.
قلنا لهم إن مفهوم اليسار تغيَّر عقب نهاية الحرب الباردة، فلم يلقوا بالاً إلى ذلك. لم يناقشوا ذلك، ولم يسألوا ماذا يعني، وإنما ذهبوا إلى "محفوظاتهم الأولية" في التخوين وكيْل التهم بخدمة الإمبريالية والصهيونية العالمية، وترديد الشعار الأجوف: "قضية فلسطين هي قضية العرب المركزية". هذا في حين أن حلايب محتلَّةٌ عربيًا، ونصف أهل دارفور وغيرهم يعيشون في معسكرات النزوح. كلُّ ما عناهم أن القبيلة هوجمت، وأن عليهم الدفاع عنها، كيفما اتفق. لا جدال في أن اليسار لا يزال حيًّا وناميًا في جميع بقاع العالم. وقد أدخل تحت مظلته حماة البيئة والحركات النسوية ومعتنقي الاتجاهات الروحانية الجديدة، وغيرهم. لقد تغير مفهوم اليسار بعد أن مخرت سفنه بعيدًا عن مرافئ الماركسية اللينينية وأطرها. فالماركسية اللينينية لم تعد تصلح أداةً لتحليل ما يجري الآن على مستوى الكوكب، كما لم تعد تصلح لقيادة اليسار المتنامي وسوقه نحو تحقيق أهدافه. العمل اليساري لم يعد ذاك العمل الثوري الملحمي الذي يقلب الأوضاع بالعنف والقوة، ويسلِّم الطبقة العاملة مقاليد الأمور. وإنما انحصر في نطاق الاصلاحات المطلبية التي تحول النظام الرأسمالي، تدريجيًا، إلى نظام اشتراكي عبر وسيلة الديموقراطية، وليس بغيرها.
تسير الصين (الشيوعية سابقا) في طريق الأتمتة Automation، إذ أخذت تحل الآلة محل الإنسان وتسير في هذا الطريق بأسرع مما يفعل الغربيون، بشهادة الغربيين أنفسهم. ولسوف يأتي وقتٌ قريب لن تكون هناك طبقة عاملة تقليدية كالتي وصفتها الأدبيات الماركسية. ولسوف يُخرج الذكاء الصناعي وعلم الروبوتات، في العقود وربما السنوات القادمات، الإنسان من أي موقعٍ للعمل يمكن نتصوره. وبناء عليه ستصبح دولة الرعاية الاجتماعية أمرًا مفروضًا على الجميع. فإن لم تتكفل الدولة برعاية مواطنيها وتركت الحبل على الغارب للرأسمال، فإن جيوش العطالى سوف تتحول إلى جيوش من المجرمين. وربما بسبب هذا، بدأ بعض المجانين يفكرون في إنقاص سكان العالم بالحروب وبالأوبئة، أو بكليهما. حين نقول إن الحزب الشيوعي السوداني حزب متكلِّس فإننا نعني ذلك تمامًا ولا نقصد بذلك الهزؤ، وإنما قصدنا إيضاح حقيقته على ما هي عليه. فهو حزب بلا أدبيات يُعتد بها وبلا تجديد فكري وبلا قادة مفكرين. هو الآخر مجرد "لمة" امتدت إلى حاضرنا من تاريخ العمل النقابي، وتحولت إلى قبيلةٍ كثيرةٍ الضجيج، مفرطةٍ في نرجسيتها، لا ترى من حق الناس أن يروا غير ما ترى. أما البعث، فهو لم يعد سوى صدى باهتٍ لحقبة طويلةٍ من الفشل ومن الدم المسفوح، انطمرت تحت التراب. (يتواصل)