8 يونيو 2019

يمثل موقع السودان الجيواستراتيجي المتميز، وموارده الطبيعية المتنوعة، جواذب بالغة القوة للاستثمار الأجنبي، وكذلك للنهب والسرقة الأجنبيين. أتاح نظام عمر البشير عبر سنوات حكمه، بسبب إفلاسه، وبسبب الشهية الشخصية المفتوحة للرئيس ومجموعته للمال، تمكين الدول الخليجية وبعض الدول العربية الأخرى، من أراضي السودان. وقد أضحت الهجمة على أراضي بعض الدول النامية ظاهرةً عالميةً في الفترة الأخيرة، بسبب الانفجار السكاني وتزايد الحاجة للأمن الغذائي. هذه الظاهرة المتمثلة في خطف الأراضي من أيدي الشعوب الفقيرة، عن طريق العمولات المقدمة لحكامها الفاسدين، هي ما اصطلح على تسميتها land grabbing. وقد انخرط، في العقد الأخير، أكاديميون وناشطون كثيرون، من كل العالم، في كشف هذه الظاهرة الخطيرة على اقتصاديات العيش لدى الشعوب الفقيرة النامية.

بناءً على ما تقدّم، تسلط هذه المقالة إضاءةً على الجانب الآخر للانغماس السعودي الإماراتي في شؤون الثورة السودانية، ومحاولاتهما المستميتة قطع الطريق عليها، فبالإضافة إلى رهاب الديمقراطية الذي تعاني منه الممالك الخليجية، وحرص بعضها الشديد على إفشال ثورات الشعوب العربية، حتى لا تنتقل إليها العدوى، هناك جانبٌ آخر، يتمثل في العقود المجحفة لخطف أراضي السودان التي وقّعها الرئيس البشير ومنظومته الفاسدة مع أطرافٍ عربيةٍ عدة. من هذه الأطراف السعودية التي تزرع القمح في السودان، مستغلة أراضيه ومياهه الجوفية الوافرة. وهناك أيضًا دولة الإمارات، التي تذكر بشأنها صحيفة الاتحاد الإماراتية أنها تستحوذ على 58% من جملة استثمارات الدول الخليجية، في مجال الزراعة في السودان.

السعودية، والإمارات تقفان الآن سدًا أمام الثورة السودانية، لمنعها من أن تبلغ هدفها في إقامة نظام ديمقراطي. لا تريد هاتان الدولتان اللتان خطفتا مساحاتٍ مقدّرةً من أراضي السودان أن تقوم حكومةٌ سودانيةٌ منتخبةٌ، تملك قرارًا مستقلًا، وخاضعة لمحاسبة شعبها، بمراجعة هذه العقود. وهي عقودٌ جرى بموجبها منح أراضي السودان، ولفتراتٍ تصل إلى قرنٍ كامل. وغنيٌّ عن القول إن النخب السياسية السودانية التي تنادي بالديمقراطية، لا تقف ضد عروض الاستثمار من الدول العربية في السودان، ومن غيرها من مستثمري العالم. بل هي تعرف أهمية ذلك، وترحّب به أشد الترحيب، فالسودان يملك من الأراضي الصالحة للزراعة، ومن المياه، ما لا يملك القدرة على استغلاله، في ظروفه الحالية. ولكن من المهم جدًا ألا تكون هذه الاستثمارات على حساب حياة شعب السودان، وأراضيه ومياهه وبيئته، من غير أن يحصل منها على مقابل مجزٍ. لا بد من الشفافية في منح عقود الاستثمار، وخصوصاً في الأراضي، لأن ذلك متعلق بمستقبل أجيالٍ من السودانيين لم تولد بعد، ومتعلق بالحفاظ على الموارد الرئيسية ذات الوزن الاستراتيجي الثقيل، وعلى سلامة البيئة، واستدامة التوازن فيها.
بسبب فقدان الرئيس البشير كل بطاقات المناورة الممكنة، من أجل البقاء في الحكم، وبسبب انهيار اقتصاد البلد، بسبب فساده وفساد عصابته، اضطر في سنواته الخمس الأخيرة، للّجوء إلى الارتزاق بالدم السوداني. أرسل مع لورد الحرب محمد حمدان (حميدتي) آلاف الجنود السودانيين، وربما معهم من هم ليسوا سودانيين، للاشتراك في حرب اليمن. وقد أصاب هذا الخيار القذر السودانيين بالغثيان بسبب قذارته، وبسبب أن للشعبين السوداني واليمني، صلات تاريخية بالغة الطول، ومحبة متبادلة راسخة. المفارقة أن الارتزاق بالدم في اليمن سبق أن رفضته الجارة مصر، حين جرى عرضه عليها، في بداية الحرب. فعلت مصر ذلك، على الرغم من أنها عضوٌ في الحلف السعودي الإماراتي. ولكن حين قُدِّم هذا العرض للرئيس البشير المتشبث بكرسيّ الحكم، بأي ثمن، قبله من دون تردّد.

كبار ضباط القوات المسلحة السودانية، الذين يدّعون الآن أنهم انحازوا للثورة الشعبية، هم من نفس المجموعة التي صنعها البشير، وباع بها الدم السوداني، وباع بها مجمل استقلالية القرار السوداني للخارج. ولقد اتضح منذ البداية ارتهان المجلس العسكري، الكامل، للأجندة السعودية الإماراتية والمصرية في السودان، فالبيان الأول الذي أذاعه الفريق عوض بن عوف، الرجل الذي أجلسوه مكان البشير عقب إزاحته، تضمن فقرة لافتةً، ليس مكانها البيان الأول. تشدّد تلك الفقرة على الإبقاء على كل الاتفاقات مع القوى الخارجية. وما من شك أن هذه الفقرة أملتها على المجلس كلٌّ من السعودية والإمارات لكونهما قد خطفتا أراضي سودانية شاسعة، وفق اتفاقيات مجحفةٍ لم يُشرك فيها شعب السودان. جرت وراء الكواليس، لا يعرف الرأي العام السوداني أي شيء عن بنودها، أو أخطارها المستقبلية، أو ما يمكن أن تعود به للسودان من نفع. وبطبيعة الحال، لا يمكن أن يقف نظام حكم كليبتوقراطي مفرطٍ في الفساد، كنظام البشير، عند حد الأرض والموارد، فهناك أيضًا الذهب، وغيره من المعادن النفيسة التي تعرّضت هي الأخرى للخطف من قوى دولية، كفرنسا والصين وروسيا، وربما غيرها. وبسبب الانخراط في نهب موارد السودان، عبر العمولات ورشوة المسؤولين الفاسدين، وقفت كلٌ من الصين وروسيا ضد تقديم إدانة للمجلس العسكري السوداني، من قبل الأمم المتحدة، بسبب فظائع مذبحة فض الاعتصام أمام مقر قيادة الجيش في الخرطوم في التاسع والعشرين من رمضان.

السودان قُطرٌ منكوبٌ بسبب موارده، ولذلك ظل هدفًا دائمًا للاجتياحات الأجنبية. حين غزا محمد على باشا السودان، في الربع الأول من القرن التاسع عشر، ضمن خطته للتوسع الإمبراطوري واحتلال وادي النيل بأكمله، قال لابنه إسماعيل، قائد الحملة العسكرية على السودان، إن كل ما يريده من الحملة هو جلب المال والعبيد. وقد بلغ محمد علي باشا وقتها ما يفيد بوفرة الذهب في جبال بني شنقول. كما كان في حاجة للجنود السودانيين الأقوياء المنضبطين، ليحلّهم محلّ جنوده الأرناؤوط المشاكسين الذين يفتقرون إلى الانضباط. وقد كان جيش محمد علي باشا خارجًا لتوّه من الحجاز بعد حربٍ ضد الوهابيين، نفذها بالوكالة عن الباب العالي في تركيا. بعد 78 عامًا من غزو محمد علي باشا السودان، تم غزو السودان مرة أخرى بواسطة مصر الخديوية بالاشتراك مع البريطانيين، إلا أن الأخيرين انفردوا بالقرار في السودان، وبدأ نهب موارد البلاد بواسطة بريطانيا. أنشا البريطانيون مشروع الجزيرة الذي يمثل أكبر مزرعة مروية صناعيًا في العالم، لإنتاج القطن لتغذية مصانعهم للنسيج في يوركشير، وغيرها.

الآن، دخل السودان على يد الرئيس البشير، ومجموعته التي تضم المجلس العسكري الحالي، حقبة الاستعمار بالوكالة. أصبح هؤلاء وكلاء للمستعمرين الجدد، من صينيين وروس، ومن خليجيين، وغيرهم. وهدف كل مماطلات المجلس العسكري في مفاوضاته مع قوى الحرية والتغيير، التي تقود الحراك السوداني، الحفاظ على البنية الفاسدة لنظام البشير، ومنع أي كشف للملفات التي تتعلق بالفسادَين المالي والإداري، وما يمكن أن تجرّه من تهم بالعمالة للأجانب. أما السعودية والإمارات فهما، علاوةً على حرصهما على الإبقاء على عقود الاستثمار كما هي، فهما حريصتان على وأد الثورة، لأن وكلاءهما المحليين يمدّونهم بالجنود لحروبهم الإقليمية متسعة الرقعة الجغرافية. تقول كل المؤشرات في اللحظة الراهنة، إن القرار السياسي في السودان يصدر من السعودية والإمارات. وعلى سبيل المثال، تراجع رئيس المجلس العسكري الفريق عبد الفتاح البرهان، عن إعلانه نقض الاتفاق مع قوى الحرية والتغيير، وإعلانه انتخابات بعد تسعة شهور، بسبب رسالةٍ سعودية وصلت إليه، تحثّه على استئناف المفاوضات مع قوى الحرية والتغيير. وكتبت صحيفة الغارديان في هذا الصدد، أن الولايات المتحدة الأميركية، اتخذت خطوةً غير مسبوقة، وطلبت من الرياض أن توقف حملة العنف ضد الثوار في السودان!

يقف السودان الآن على مفترق الطرق؛ بين أن يكون دولةً مستقلة القرار تدير مواردها لمصلحة شعبها، في ظل نظامٍ ديمقراطيٍّ يسمح بمساءلة المسؤولين ومحاسبتهم، وأن يستمر مستعمرةً بالوكالة تأتي قراراتها من وراء الحدود. والواضح جدًا أن هناك نزعات توسعية إمبراطورية خليجية، تريد كما أراد محمد علي باشا، قبل قرابة القرنين، المال والرجال للتجنيد من أجل توسيع النفوذ العسكري والسياسي والاقتصادي، فالمال الفائض عن الحاجة موجود، والأطماع التي لا تحدّها حدود، وجنون العظمة موجودة أيضًا، لكن الجنود والأراضي الواسعة والموارد المتنوعة غير موجودة. خلاصة القول إنه لا خيار للثورة السودانية الجارية حاليًا سوى أن تفرض إرادتها، عبر سلميتها اللافتة التي أبدعت فيها وتفوقت. مستقبل السودان في الاستقرار والنموّ والنهضة يمر بمحكٍّ فارقٍ، لم يسبق أن مرّ به، منذ إعلان استقلاله عام 1956. السودان الآن بين أن يكون أو لا يكون، ولا أمل له في غير ثورته هذه، فإما أن تعبر وإما ظلماتٌ بعضها فوق بعض.