قصة الرجل الذي روج للنبؤة وعمل لها:


مبروك للسودانيين الجنوبيين دولتهم (السياسية) الجديدة، ويشهد الله لقد حزنت أيما حزن لإنفصال الجنوب ولذهاب إنسان الجنوب، ولعله ليس في الإمكان أحسن مما كان لحكمة ربانية نجهلها، بغض النظر إذا ما خدع الراحل دكتور جون قرنق علي عثمان محمد طه أم لم يخدعه في نيفاشا – ولا ندري لماذا نرفع مليون علما، ولماذا نمثل وندعي الفرح؟ ولعل الدولتان تتحدان سياسيا بعد عشرة او عشرين سنة مرة أخرى. وما أسعدني هو د. لول دينق وزير النفط الإتحادي الذي في سؤال لصحيفة الرأي العام:
* السيد الوزير أنت الآن فى المطار تحزم امتعتك متجهاً الى الجنوب للمشاركة فى الانفصال الذى جاء باستفتاء شعبي للجنوبيين .. ما شعورك وانت تشارك فى احتفال الانفصال كمواطن جنوبي...؟
اجاب : شعب الجنوب كله طالب منذ مؤتمر جوبا بأشياء محددة ولم تحدث، واختار الانفصال بأغلبية، ولكن أعتقد ان هذا الانفصال هو (إنفصال سياسي) فقط، وليس انفصالاً اقتصادياً او اجتماعياً او ثقافياً، نحن ابناء (مملكة كوش)، ولا يمكن ان ننسى حضارتنا وتراثنا وثقافتنا الكوشية هذه.
نعم إنفصال سياسي، هذه هي الحكمة الكامنة التي تدفقت من قلب إنسان الجنوب في لحظة إنتصارهم السياسي ولم يصيبهم الغرور أو التعالي وهم في موقع القوة، بينما "تتكعبل" قيادات المؤتمر الوطني السياسية حول إتفاقية إطارية صغيرة جد صغيرة: هل يسمحون للحركة الشعبية قطاع الشمال بالعمل في الشمال أم لا؟ وكأن السودان ارضا وشعبا قد اصبحا من ممتلكاات المؤتمر الوطني!!
ودعما لرؤية د. لول دينق السياسية أقص عليكم قصة الدكتور أنجلو بيدا ولا نحكيها من منظور متعالي كحالة وحدوية متخارجة، بل أن الشعور بالقومية السودانية شيء لا يمكن سلبه بسهولة كما فعل المؤتمر الوطني بتجريده من السودانيين الجنوبيين. والحادثة الأخرى تتعلق بأمين حسن عمر وهي حادثة سياسية تتعلق بعنوان المقالة.
وتبدأ القصة بحضور وفد كبير في أبريل 1993م من جمعية الصداقة العالمية الشعبية للعاصمة الألمانية وكانت بون وقتها، يضم الفنان عبد القادر سالم، والفنون العشبية الخ، وكان على رأس هذه الوفد ثلاثة سياسيون: الإقتصادي الدكتور أنجلو بيدا، الدكتور إبراهيم عبيد الله وأمين حسن عمر.
قابلت وجلست مع الدكتور أنجلو بيدا في بون وحكى لي قصته، وحتى عام 1968م كان طالبا بجامعة الخرطوم كلية الإقتصاد، وحين تم إغتيال السياسي المخضرم وليم دينق في مايو 1968م على يد القوات المسلحة السودانية، وربما بإيعاز من رئيس الوزراء وقتها محمد أحمد محجوب، وعقب إغتيال وليم دينق كره الدكتور انجلو بيدا الشمال والشماليين وتبنى خطا إنفصاليا حادا، فقرر الإستقالة من جامعة الخرطوم وإتمام دراسته في جامعة أخرى، وكما قال: فضلت ألا أتم دراستي في جامعات غربية، بل في جامعة أفريقية وطنية - فأتمها في نيجيريا. وكما قال، في نيجريا تعايش مع المجتمع النيجيري صاحب التركيبة القبلية المعقدة فوجد في سودانه رحمة، أكتشف ذاته أي قوميته فزالت الغشاوة من عينيه أن السودان وقومه السودانيين ليسوا بالسوء الذي تخيله في السابق، بعدها أصبح من اكبر دعاة الوحدة بقناعة ذاتية. احترمت الرجل وتجربته الفذة ورفضه الدراسة في دولة غربية عن وعي، فهو ليس في عقله دراسة الإقتصاد فحسب، ولكن أيضا دراسة مادة الأنتروبولوجيا الأفريقية.
الشيء المخجل من السفارة السودانية ببون ملاحظتي كيف أن الملحق الثقافي حسن عبد الوهاب وقتها كان يتحوط على شخص الدكتور أنجلو بيدا ويعامله بإستخفاف، وضرب عليه بعض الحصار بتحريضه الموظفين الصغار في السفارة لكي لا يلبو طلب د. انجلو بيدا رغبته زيارة بعض المؤسسات الكنسية بألمانيا – ولا يستحي حسن عبد الوهاب الذي ربط نفسه وملحقيته الثقافية بالسلفيين السعوديين، والعرب المتسعودين من كل لون وصنف لفوائد أخرى شخصية، موهما على السودانيين المغتربين الجهلة بدينهم في الإغتراب أنه يعمل لخدمة الإسلام – وفات عليهم أن عراب الإنقاذ من ألد أعداء السلفية الوهابية. ألم اقل لكم بعد أن شرذمة المايويين هم أحد كوارث السودان والسودانيين في عهدهم وفي عهد الإنقاذ؟ وسنفرد للمايويين مقالات خاصة، لقد أذوا السودان بشكل لا يتخيله اي ضليع في السياسية.
زار كل من الدكتور إبراهيم عبيد الله وأمين حسن عمر مدينة ميونيخ وشتوتجارت. وبالمركز الإسلامي بميونيخ أساء بعض المصريين المتمكنين بالمركز إلى الوفد السوداني الزائر الضيف بجفاء، ولم افهم وقتها لماذا وكنت حاطب ليل في الإسلاميات. ولكنني فهمتها لاحقا باثر رجعي بعد محوي لأميتي الإسلامية، أن الشيخ الترابي وتياره الذي أستلم السلطة في السودان 1989م مغضوبا عليهم منذ 1973م من قبل دول الخليج السلفية ومن قبل الأخوان المسلمين الكلاسكيين.
ماذا قال أمين حسن عمر في الليلة التي حاضر فيها محاضرة سياسية بالمركز الإسلامي بميونيخ في أبريل 1993م؟ لقد أطنب الرجل لمدة ساعتين في موضوع واحد كيف أن هنالك خطة امريكية لتقسيم العالم العربي وإعادة رسم جغرافيته السياسية، وتفرد بسرد التفاصيل دولة دولة ومن ضمنها السودان كيف سيكون التقسيم – ومما علق في ذهني من محاضرته قوله أن شركة البترول إكسون Exxon الأمريكية عادة لا تهتم بدولة ما إلا إذا كانت تمتلك إحتياطيا نفطيا ضخما، ولا تهتم على حسب قوله بالدولة ذات الكميات النفطية الصغيرة – لذا إهتمام إكسون بالصومال يعني في حسبه أن دولة الصومال تجلس على حوض ضخم من البترول.
هل يمكن بعدها أن يتخيل أحدكم أن تمر الأيام أي أثنتا عشرة سنة ويجلس المحاضر بمدينة ميونيخ أمين حسن عمر نفسه على طاولة نيفاشا ويستتخدم الشوكةة والسكين لتقسيم جغرافية السودان وفصل الجنوب؟ هل تبكي أم تضحك؟ وبالرغم من ذلك هو نفسه يجلس الآن على طاولة أخرى بالدوحة لكي يفاوض حركات دارفور؟ الله يستر. أنا شخصيا أضم صوتي مع الصحفي ضياء بلال في عموده لماذا صمت علي عثمان محمد طه؟ قال ضياء:
(إستمعت كثيرا لإدريس عبد القادر كبير مفاوضي الحكومة في لقاءات محدودة العدد في معية عدد من الزملاء، والرجل يمتلك مقدرة مميزة في عرض وجهات النظر الحكومية حول نيفاشا وتطبيقاتها ولكنه شديد الحذر من الإعلام وحريص على تداول الآراء في الغرف المغلقة عديمة النوافذ. المحاولة الجادة الوحيدة التي اختارت أن تخرج لمواجهة الهجوم على نيفاشا في الهواء الطلق قام بها سيد الخطيب عبر برنامج مراجعات الذي يقدمه الصديق العزيز/ الطاهر حسن التوم، وكانت مرافعة جريئة ذات نزوع هجومي على شانئيها. ولأن الخطيب رجل مزاجي يفعل مثل تلك الأشياء كإلهام القصيد وهواطل النثر فهو لم يكررها أو يطورها لتصبح خطا سياسيا وإعلاميا منتظما يملك شجاعة القول بأن نيفاشا لم تولد من العدم ولم تهبط من السماء، هي من حسابات الأرض ببواقيها وكسورها وأرقامها الصحيحة. وأنهم استطاعوا الحصول على قدر مغرافهم وبحجم إنائهم وبرضا ومباركة الجميع)أ.هـ.
من هو إدريس عبد القادر، ومن هو سيد الخطيب؟ ولماذا تم إبعاد الدكتور بهاء حنفي وحيش من رئاسة مركز الدراسات الإستراتيجية ونفوه بعيدا من الخرطوم كسفيير للسودان في تركيا؟ وكيف تم إبعاده ولماذا وهو شخصية كفؤة في علم الإستراتيجيات ومفكرا من الطراز الأول بلا جدال؟ وأحد الموقعين على مذكرة العشرة؟ هذه أسئلة مشروعة وتحتاج إلى إجابات. فهل لو كان الدكتور بهاء حنفي وحيش كبير المفاوضين بدلا من إدريس عبد القادر في نيفاشا هل كانت الإتفاقية ستخذ مسارا آخرا؟  في تقديرنا ان الجبهة الإسلامية تم إختراقها بشكل ما فيما يتعلق بالمفاوضين في نيفاشان ودليلنا ان أمين حسن عمر كان يعلم منذ 1993م ان هنالك مؤامرة امريكية لتقسيم دول العالم العربي فكيف ركب أمين حسن عمر الصعب أي مركب التقسيم ولماذا كان أيضا صامتا طول الوقت؟
ولكننا أيضا نؤكد أن الإختراق شمل أيضا القضية الإقتصادية، واسألوا كيف ربط صابر محمد حسن إقتصاد السودان بصندوق النقد الدولي والبنك الدولي وطبق سياساته بشكل صامت ومعتم على الشعب السوداني وأدت إلى إفقاره وتجويعه، فالسؤال كيف حل صابر محمد حسن بدلا من الشيخ سيد أحمد محافظ البنك وقتها؟ ولماذا؟ علما ان المحافظ الشيخ سيد أحمد الشيخ ودكتور عبد الرحيم حمدي هما أبوا التحرير الإقتصادي بمعناه الحقيقي وقد تمت إزاحتهما مثل إزاحة دكتور بهاء حنفي وحيش، وكانا سيؤسسان إقتصادا حقيقيا – لا يشبه الإقتصاد الطفيلي الذي نراه اليوم. فتحت غبار مزاحمة الإسلاميين ترك صابر واشنطون فجأة وكمن في رئاسة بنك الخرطوم ثلاثة سنوات (1990-1993م) ثم قفز فجأة على رئاسة بنك السودان وأزاحوا له المحافظ السابق الشيخ سيد أحمد الشيخ. ولا شك أن لعابدة المهدي دورا خفيا ومفصليا مع صابر محمد حسن.
في حقيقة الأمر، سيناريو إعادة تقسيم العالم العربي هو سيناريو إسرائيلي قديم تم إعداده منذ الثلاثينيات. ببساطة سأل الإسرائيليون أنفسهم هل شعوب العالم العربي شعوب متجانسة أم مركبة؟ لقد خلصوا للنقطة الثانية، والقصد من تفكيك وإعادة تركيب جغرافية العالم العربي السياسية مجددا هو لتمتين زراعة نسيج دولة إسرائيل في النسيج الأكبر للشرق الأوسط.
وبهذا التوصيف أعلاه نحن لا ندين السودانيين الجنوبيين بطلبهم الإنفصال، ولا نعزوه إلى إسرائيل أو غيرها –  ونجزم ليس لدى إسرائيل أو واشنطون أو أوروبا عصا سحرية لكي يحققوا أمنياتهم، نحن الشماليين أنفسنا من صنع الأسباب الموضوعية للإنفصال. لقد أوجز دكتور لول دينق بعض الأسباب الموضوعية (شعب الجنوب كله طالب منذ مؤتمر جوبا بأاشياء محددة ولم تحدث) وبل أكثر من هذا السبب، فمنذ الإستقلال 1956م لا نفهم كيف يقود هؤلاء السياسيون المتاعيس دولة ضخمة مثل دولة السودان بثقافاتها وعرقياتها المتعددة.
فإذا كان الإنقاذيون فهموا السيناريو الأمريكي مبكرا منذ سنة 1993م، إذن هنالك ثمانية عشرة عاما هي كافية لكسب عقول وقلوب السودانيين الجنوبيين المقيمين لحسن الحظ في الشمال وبلغ عددهم حوالي أربعة مليون سوداني جنوبي في الخرطوم وفي بعض المدن، ويعتبرون مادة خصبة لتحميلهم رسالة وحدوية وتأصيلها – مع الإعتذار لأحمد علي الإمام، فماذا فعلت لهم أو بهم الإنقاذ؟ وكيف عاملتهم الإنقاذ؟ لا شيء. رمتهم الإنقاذ حول أطراف الخرطوم يعيشون في بؤس مدقع، وأنشغلت بصياغة الدستور الإسلامي بينما دول الخليج أي السعودية كانت ترسل الأسلحة للحركة الشعبية. كيف أصبحت بعدها الخرطوم بعد هذه الجريمة مثل الايس كريم مع السعودية ودول الخليج – هذا لغز لا أفهمه، بل فتحت الإنقاذ كل بوابات السودان لدول الخليج وطابورهم الخامس وأخترقوا أية مؤسسة فيه حتى أنهم اعتقلوا موظفا كبيرا  بوزارة الخارجية متلبسا ونكرر متلبسا بالجرم يتجسس لصالح دولة الإمارات..لم يرفدوه، ولم يحاسبوه، ولم يعاقبوه..وتركوه يكمل خدمته حتى المعاش!! 
وفي تقديري أيضا أن أحد الأسباب الموضوعية للكارثة السودانية التي تسببت في إنفصال الجنوب هي حالة الإفقار التي دفعت الجميع لطلب المال باية صورة كانت – والمال هو السلاح التكتيكي للإختراق، إختراق أية دولة لدولة أخرى!! فهل السودانيون الشماليون بمجموعهم مصابون بفقر الخيال؟ أم أنهم جشعون بطبعهم وكسالى ويحبون حيازة المال بلا جهد؟ عموما، لا يفهم معظم السودانيين خاصة السياسيين الذين تعودوا على الجلوس على سنام السلطة أن المال ظاهرة تجريدية يمكن إختراعها – فما حاجة سياسي الإنقاذ ومؤسسة الإنقاذ إذن التسول وبيع الأوطان لدول الخليج؟
مثلا في حقبة الستينيات بعض الأحزاب السودانية كانت تقبض باليمنى واليسرى أموالا ضخمة من دول الخارج الخليجية والغربية تحت بند محاربة الشيوعية. الدكتورة فاطمة عبد المحمود كمثال آخر أفتخرت في لقاء صحفي أنها في فترة النميري نشلت محفظة الشيخ زايد عشرين مليونا من الدولارات لصالح وزارتها الإجتماعية أو لصالح الخزينة الفارغة. ونستغرب لماذا هي فخورة بذلك؟ وما خفي أعظم..كم من أمثال الدكتورة فاطمة عبد المحمود بشخوصهم الطبيعية أو الإعتبارية قبضوا أو يقبضون من هنا وهناك تحت عناوين مختلفة؟ ومع فترة إنقلاب الإنقاذ التي بلغت عقدين أصبح السودانيون يتفننون في التحايل وفي أساليب قبض الأموال من الخارج حتى غسيل الأموال أستتشرى في السودان عبر مدينة دبي، ولا تعجب أن تتوالد ثلاثة ألف منظمة إغاثية وخيرية مثل توالد الصراصير – كلها تتسول دول الخليج أو الإتحاد الأوروبي، ولكن هنالك بالطبع من يقبض تحت شعار تمكين الإسلام السلفي والدولة الإسلامية السلفية القادمة – بل أيضا يقبضون لمحاربة الشيعة والتشيع.
كذلك إزداد الشره للمال في السودان بسبب ضغط المعيشة والفقر الذي جلبته سياسات صابر محمد حسن الإقتصادية وحاشيته – فتلبس المواطن مضطرا بظاهر الدين المغشوش وربط نفسه بأعتاب السلطة أو الدولة لكي ينهبها. لأنه لا يملك المال إلا السلطة أو الدولة؟ ومع الفقر المدقع سيان كان يربط نفسه مع دولته او بأية دولة أجنبية، وبشكل خاص توحد السودانيون السلفيون خاصة السروريون وربطوا أنفسهم بدول الخليج التي تضع ميزانيات ضخمة من أجل إختراق دول الجوار والسيطرة عليها بسلاح ابن تيمية تحت غبار الدعوة والعمل الخيري – وهذا ما يفسر نمو عدد المنظمات السودانية الخيرية والدعوية التطوعية. هذه النقطة التي تتعلق بإختراق دول الخليج للسودان لم يكتشفها كثير من المحللين السودانيين لأنهم أيضا يحلمون بالعمل في دول الخليج، ولم يدركوا ببصيرتهم المعتمة أن الكارثة التي حلت بالسودان سببها الإحتكاك والتواصل وفتح الأبواب لدول الخليج.
فخذ الإخوة المسلمين الجنوبيين فرحت لهم لأنهم كونوا جسما إسلاميا منفصلا في الجنوب بعيدا عن منظمات الشمال المرتبطة بدول الخليج – أي لديهم فرصة الهروب من قبضة أبن تيمية، وحزنت للخبر أن استخبارات الجيش الشعبي قد اعتقلت القيادي بالمؤتمر الشعبي عبد السلام آدم كوكو ورحلته الي مقره بنيروبي، ولكنني صدمت صدمة بالغة حين ذكر الخبر أنه يعمل بمنظمة آل مكتوم الخيرية لمنطقة شرق أفريقيا، ومقرها نيروبي. فهل إستخبارات الحركة الشعبية على حق؟ الجواب على هذا السؤال أفضل من يجيب عليه هو الدكتور عبد الله دينق نيال. ولكن قيادات الحركة الشعبية ليست بالسذاجة التي قد تتخيلها هيئة علماء السودان السلفية مثلا، ولا نشك ان قيادة الحركة الشعبية مدركة جيدا ماذا يعنى الإسلام السلفي المصدر للسودان من دول الخليج، ومنظمة آل مكتوم الخيرية ليست سوى غطاء لتصدير السلفية الوهابية.
بل زادت الحركة الشعبية في القصيد بيتا، إذ أكد نائب رئيس المجلس الوطني سابقا والقيادي في الحركة الشعبية اتيم قرنق في تصريح له في ديسيمبر 2010م إن دولة الجنوب ستحرص على بناء علاقات جيدة مع جميع الدول العربية والإسلامية، وعلى وجه الخصوص جمهورية إيران الإسلامية وستفتح أسواقها لبيع كتب ومنشورات المذهب الشيعي ولن تمنعها كما تفعل الخرطوم.
مزايدة سياسية من اتيم قرنق على حكومة الخرطوم أم هو توجه حقيقي لدولة جنوب السودان...سيان، ولكن تبقى الحقيقة عارية أن قيادات الحركة الشعبية على وعي بطبيعة السلفية الوهابية التي تتسربل بالعمل الخيري في القرن الأفريقي وتجلب معها بخفية الفتن، والقلاقل، والعنف المنظم وسفك الدماء والإرهاب، بينما في وعي هذه القيادات الجنوبية أن هذه الظواهر السلبية يخلو منها المذهب الجعفري الأثني عشري وشيعته. فما قضية متفجرات السلمة، ومدني، ومسجد ود نوباوي، ومقتل الموظف الأمريكي وسائقه وهروب القتلة وغيرها، إلا مؤشرات لما هو قادم على يد هؤلاء السروريين التكفيريين. فبدلا من القيادة التاريخية للحركة الإسلامية بقيادة الشيخ حسن الترابي ان تلعب دورها – اصبح مطاريد دول الخليج التكفيريون هم قيادة الحركة الإسلامية تحت سمع وبصر وحضن المؤتمر الوطني؟!  
هذا الإنحياز للمذهب الشيعي من قادة الجنوب السودانيون ليس مثالا شاذا، فله مثله في شمال دولة العراق - كردستان. فخذ مثلا أكراد العراق ويمثلون حوالى 18% (6 مليون) من نسبة السكان فهم بمجموعهم سنة على المذهب الشافعي، بينما نسبة قليلة منهم شيعية. ويخبرني أحد الأصدقاء الأكراد في مدينة ميونيخ، أن المجتمع الكردي بما فيهم قوات البشمركة مجتمع منظم ومنضبط جدا، ولهم جهاز مخابرات عالي المستوى، ما أن يتسعود أحد الأكراد أو يتسلفن (من السلفية) في زيارته للحج ويأتي عائدا بحقيبة دولارية، سيجد رجال المخابرات الأكراد في إنتظاره أسفل سلم الطائرة كما قال، يصادرون دولاراته ويسجنونه بدون تعذيب لفترة، ويطلقون سراحه بعد أن يمسحوا من عقله فكرة السلفية تماما!! هذه ليست مبالغة، والدليل على ذلك حاولت دول الخليج خاصة السعودية تطبيق دبلوماسية الشيكات على الأكراد، ببذل المال لجر الحزبين الكرديين (جلال الطالباني ومسعود البرزاني) للتحالف مع عرب العراق السنة 17% ضد الأغلبية العربية الشيعية 65%، ولكن السعودية والدول الخليجية الصغيرة فشلوا فشلا ذريعا بتغرير الأكراد السنة، ولم تتمكن دول الخليج زرع تنظيم سلفي في كردستان، وهم اي الشعب الكردي على علم تام بالنفاق السعودي والدور السعودي البريطاني في تمزيق شعبهم في خمسة دول عقب الحرب العالمية الأولى.
وبعكس موقف أكراد كردستان العراقية مع السعودية، يتحالف الأكراد في كل زمان سياسيا مع الأحزاب والمرجعيات الشيعية، فخذ المرجع العلامة السيد محسن الحكيم والد عمار وعبد العزيز، أفتى في عام 1963م بحرمة دماء المسلمين الاكراد متحديا سلطة عبد السلام عارف التي تدين بالخط القومي وقد ذبح الأكراد ذبحا عظيما!! وتكريما له سمت حكومة كردستان أحد أكبر الشوارع في مدينة السليمانية بأسمه، وافتتحه ابنه في إحتفالية كبيرة الراحل عبد العزيز، ولعل القارئ يسأل اين شيوخ أهل السنة والجماعة في كل العالم العربي منذ 1920م حينما كانت دماء الأكراد السنة تتدفق أنهارا.. ولماذا لم يفتوا بحرمة الدم الكردي؟! ولماذا لم نسمع ي السودان بفتوى حرمة دماء السودانيين في الجنوب والغرب والشرق.. من عامة رجال الدين ومن مستشار الرئيس للتأصيل، ومن هيئة علماء السودان، والرابطة الشرعية، ورابطة علماء المسلمين، ومنظمة توحيد أهل القبلة – الجواب لأنهم ملوثون بالفكر الوهابي لا يستعظمون حرمة دم المسلم أو دم الإنسان مطلقا الخ وإن كان هنالك بعض السودانيين من غير المسلمين فهم أخوان لنا في الإنسانية – كما يقول ويفتي أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب عليه السلام في وصيته لمالك الأشتر عندما بعثه واليا على مصر. وشرعا لا يمكن إهدار دم الذمي مطلقا بدون حق، طالما كان الذمي في ذمة المسلمين لا يستباح دمه ولا عرضه الخ وإن قتله مسلم فلأهل الذمي حق القصاص يقتل قاتله أو العفو ودفع الدية - وقد حدث ذلك على يد أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب عليه السلام.
كذلك أغتيل السيد مهدي الحكيم في الخرطوم على يد مخابرات صدام حسين وكان في ضيافة حكومة السودان والشعب السوداني، إلى اليوم لم نرى تكريما لهذه الشخصية الخيرة المفكرة الفذة وهو حفيد المصطفى وقد ظلم في ديارنا وقتل في ضيافتنا غدرا – يا لجحودنا لنبينا العظيم؟! أضعف الإيمان تسمية أحد شوارع الخرطوم باسمه.
شوقي إبراهيم عثمان
كاتب ومحلل سياسي
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.