مقالات بأثر رجعي

يجب تأجيل الإستفتاء وحتى إكمال التنمية الإقتصاية الشاملة للشمال والجنوب معا
3-4
لقد خدعت الحركة الشعبية قيادة المؤتمر الوطني والشعب السوداني قاطبة!! لم تفعل قيادة المؤتمر الوطني شيئا يذكر لإفساد سيناريو الخديعة للحركة الشعبية، خاصة أن قيادة المؤتمر الوطني في لحظة ما مبكرة ربما قد أكتشفت أنها قد خدعت بجدارة. ولكن متى؟ لا أحد يدري. فهل فات الأوان كما قال الأستاذ باقان أموم وغيره من القادة السياسيين الجنوبيين؟ الجواب: كلا.
فضلا عن كون المعاملات الحياتية في المواقف الصغيرة لا  تقوم على الخديعة، فكيف يكون الحال عندما تستخدم الخديعة السياسية في قضية تمس ليس شعب الجنوب وحده بل كل الشعب السوداني؟ لذا فوثيقة نيفاشا فقدت أرضيتها الأخلاقية ويمكن للشريكين أعادة النظر في تقييمها من جديد، وإن رفضت الحركة الشعبية فمن جانب واحد – جانب المؤتمر الوطني. فأحد شروط وثيقة نيفاشا للسلام هي أن تتبنى قيادات الحركة الشعبية وحدة البلاد – وليس الإنفصال. وإلا لما جلس الشيخ علي عثمان على طاولة المفاوضات. ولكي يفهم القارئ هذه النقطة نطرح السؤال التالي: ما يمنعهما من ضربة البداية أن يعلن جون قرنق الإنفصال على طاولة التفاوض فيوافقه علي عثمان وينفض السامر – وبتعبيرات الدكتور البوني: لماذا هذه اللفة الطويلة؟؟ أولا الراحل جون قرنق وحركته لا يعبران ولا يمثلان شعب الجنوب بكامله، ثانيا الأستاذ علي عثمان لن يجلس مع شخص يدعوا للإنفصال ليتفاوض، وثالثا الراحل جون قرنق لا يستطيع أن يعلن الإنفصال من ضربة البداية – ببساطة لأنه لن يجلس معه على طاولة واحدة ولا حتى معيز السودان للتفاوض!! لذا تملص الراحل جون قرنق كأن يلتزم بالوحدة الفعلية نية وسلوكا، فلعب بالألفاظ وسماها بالوحدة الجاذبة، هكذا ترك لنفسه مساحة للتراجع.
ولكن هل كان الدكتور جون قرنق وحدويا؟ وهل كان المقربون منه من قيادات الحركة وحدويين. الجواب كلا. فقبل أن يوقع جون قرنق على وثيقة نيفاشا أطلق الكثير من الدخاخين نحو الشمال envelope them in enough smoke – لم لا، وهو يسمى حركته تحت شعار: الحركة الشعبية لتحرير السودان!! لقد حفر الراحل حفرة للجميع: لقد صدق كل الشماليون بهذا الشعار بدءا بالقادة الشماليين السياسيين وإنتهاءا بالمهمشين، فبينما تحسس الأوائل رؤوسهم ورقابهم، فرح المهمشون بالتحرير – هنالك أيضا عدد مقدر من السودانيين الجنوبيين صدق هذا الشعار ولكنهم لعوامل كثيرة أخذوا يتطلعون نحو الجنوب!! وضمن الأمثلة لهذه الدخاخين فتحت الحركة لها مكاتب في الشمال، واللتصقت بقوى المعارضة الشمالية الخ، ولكن لم يفوت على المراقب االسياسي أن الراحل جون قرنق كان يرسي بناء دولته القادمة تحت هذا الوابل من الدخاخين، وكانت أول مطالبه عمل عملة منفصلة عن الشمال ورفض له هذا الطلب..كان يعتقد أن هذا الطلب سيمر لسذاجة السودانيين الشماليين- وهل الدولة سوى العملة؟ ومن ضمنها القطار المتجه لممباسا الذي أعلن عنه ولم يجف بعد حبر وثيقة نيفاشا، وعلى ما أذكر كان لا يمر يوم وإلا والراحل جون قرنق يخرج كرتا من قبعته لصالح دولته القادمة في رحم الغيب. هذا السلوك المتناقض –الشيء وضده- أربك قيادة المؤتمر الوطني في الخرطوم ولكنها كانت مسحورة بشخص الراحل جون قرنق فمضت مغمضة إلى آخر الطريق..حتى أطلقوا عليه أو أجزموا بأنه وحدوي. وعلى حسب منطوق قانون القوة – أن تخفي نواياك، كشف باقان أموم في التوقيت المناسب أو أن يكتشفوا نواياه الحقيقية سيان، ولكن يا للحسرة فات الأوان too late كما قال. هذا كله أصبح تاريخا يسجل في صحيفة المؤتمر الوطني.
ولكن أن تقود الحركة الشعبية شعب الجنوب بكامله إلى الإنفصال بأسليب عديدة خفية وماكرة، معلنة أو غير معلنة  – مثل الضغط والإكراه الناعم والسافر، والتضييق على النشاط الديموقراطي الحزبي الحر للشماليين والجنوبيين معا، وغلق الجنوب على الجميع سوى الحركة الشعبية وملاحقة ومصادرة أي صوت مخالف لصوت الحركة، أو التصفية الجسدية الخ..كلها نقاط كفيلة بإن تسقط شرعية وثيقة نيفاشا وتنقض الإتفاقية بالكامل – وعليه يمكن للمؤتمر الوطني أن يطالب الحركة الشعبية والقوى الجنوبية جميعها، بما فيها أحزاب المعارضة الشمالية أن يجلسوا مرة أخرى ويصيغوا وثيقة نيفاشا من جديد.
نعم ليصوت السودانيون الجنوبيون في إستفتاء حر لكي يعبروا عن أنفسهم بلا إكراه أو كراهية ماذا يرغبون، هل يرغبون في دولة مستقلة أم يبقون في بلدهم السودان الموحد. ولكن كيف ومتى؟ غلطة الأستاذ علي عثمان في نيفاشا أنه وافق سريعا على وضع توقيعه على الورق. فلو كنت مكانه لوافقت على الإستفتاء ولكن ليس قبل أن أن تحدث تنمية شاملة في كل أرجاء البلاد كافة وبشكل خاص في االجنوب، وليس قبل أن يكون الإستفتاء في ظرف مادي ونفسي وعقلي طبيعيين بشكل كامل in complete natural conditions of mental and physical rest. فقط وفقط في هذا الظرف النفسي والعقلي الطبيعيين يمكن القول أن الشعب السوداني الجنوبي يدرك أين مصلحته الحقيقية – ويمكنه االتصويت في إستفتاء يقرر مصيره. ولكن أن تقرر بضعة من النخبويين نصف المثقفين مصير شعب الجنوب والسودان ككل، ممتلئين لمشاشهم بأمراض المثقفين المعروفة وما أكثرها، مدفوعين للحراك السياسي بفضل الإستلابات النفسية والتشوش الفكري، ومدعومين من قبل العواصم الغربية الإمبريالية - فهاذ ممنوع.
غاية المنى والمطلوب هو إرساء الفيدراليات في جميع أرجاء السودان. والسوداني الجنوبي مثله مثل الشمالي مطحون بالثلاثية الجهل والفقر والمرض..كذلك لم تفعل قيادة المؤتمر الوطني أية شئ لوقف تدخلات الولايات المتحدة والإتحاد الأوروبي على السواء عند حدها، كذلك لم تفعل شيئا يذكر على الأرض –تذكر القانون أعلاه- كالتنمية الاقتصادية الشعبية الحقيقية أو إكمال مسيرة الحريات أو الضرب على الفساد الخ – فشل يجره فشل، ولم يتبقى شيء يتفاخر به المؤتمر الوطني سوى تلك العمارات العالية وهي من نصيب "الأشقاء" الخلايجة والليبيين وغيرهم. هل يستطيع رجل واحد في المؤتمر الوطني أن يشرح لنا كيف يمكن لرب عائلة يعيلها ومرتبه لا يتجاوز المائتين، أو الثلثمائة، أو الأربعمائة جنيه في الشهر؟ وهم السواد الأعظم من الشعب السوداني. أليس هذا بإفساد للشعب السوداني بأكمله؟ ماذا تعني المواطنة في الدستور؟ أليست تعني تساوي وتكافؤ الفرص والحقوق والواجبات؟ أما الحريات الإعلامية فقد أغلقت مؤخرا بحيلة ذكية فالمؤتمر الوطني يشتري الصحيفة تلو الصحيفة ويسلمها لمنتسبيه غير الموهوبين – وهو تكتيك ذكي لإقصاء كل صوت مخالف وبديلا لمقص الرقيب!! كيف نفسر الحال المعاش إما أن تصبح عضوا في المؤتمر الوطني أو أن تصبح صفرا - لقد بنى المؤتمر الوطني بأموال دافع الضرائب حزبين أحدهما علني والآخر سري صامت يستشري في عروق كل المؤسسات – وهذا الأخير هو الذي يلعب بمقدرات البلاد لمصالحه الذاتية بخفية. أما الفساد المالي العام أو غيره فحدث ولا حرج، فأولا حصحصة ميزانية الدولة هي غامضة ولا تفهم كيف يضعون الأولويات رغم أن هنالك جباية مالية ضخمة ينوء بها ظهر المواطن المسكين المفتقر، كذلك لا توجد هيئة لمراجعة الحسابات العامة مستقلة. وأعجب من هذا كله حال المؤتمر الوطني المتشبث بالشريعة الإسلامية إلى درجة الإستهذاء، فقد تدنت الثقافة العامة بسبب العقلية السلفية السائدة وأنخفضت معنويات  الشعب مع الفقر والخرطوم قذرة مليئة بالأوساخ ولا توجد بها أية خدمات تذكر، ولا يمنع أن ينفصل الجنوب في نظر المؤتمر الوطني إلى لا رجعة طالما يمسك المؤتمر الوطني بشعار فوقي للشريعة فارغ المحتوى حتى ولو حساب تمزق السودان كله – فهل ما نراه ونسمعه له علاقة بالشريعة؟ لقد تركت قيادة المؤتمر الوطني الحبل للسلفيين المتسعودين يمتطون سيارات البرادو وغيرها ويلعبون بالأموال، ولا ندري إلى أين سينتهي المطاف بالسودان والسودانيين حين يقرر الظواهري أو ابن لادن (لو كان حيا حقا..!!) أن يمارس هوايته الدموية في السودان.
عند توقيع وثيقة نيفاشا بدأ الأمر كما لو أن الحراك نحو السلام أفضل من الجمود والحرب – وهو حقا أفضل. ولكن عندما جلس الشيخ علي عثمان للتفاوض هنالك لكي يصل إلى سلام مصحوب بتقرير المصير وتقسيم البلاد، كان عليه ألا يوقع قبل أن يحلب البقرة الأمريكية والأوروبية فعليا وبشكل جيد - أي لصالح التنمية الإقتصادية الشاملة في الجنوب والشمال معا كشرط للتوقيع!! وهذا ما لم يفعله الشيخ علي ولا المؤتمر الوطني – لقد صدقوا وعود المانحين النصابين، فأنطبق عليهم مثل الذي أشتري سمكا يبلبط في الماء! ولكن هب أن المؤتمر الوطني أكتشف لاحقا بأنه خدع، فماذا فعل لكي يتدارك هذه الخديعة أو كأن يفسد مخططات الحركة الشعبية؟ لا شيء سوى أنه "أنتبه" فجأة للخدعة ففتح له صحفية سماها الإنتباهة اخذت تقذف بحممها نحو السودانيين الجنوبيين..    
 لم أتعجب أن يمدح الدكتور مصطفى عمرو موسى ووصفه أياه بأنه أبو الدبلوماسية العربية – أي الدبلوماسية اللفظية، وهذه الإشارة تكفي لكي نفهم كيف يفكر رجل الدبلوماسية السوداني السابق الذي ترك الطب وأمتهن السياسة. ليست القضية شخص الدكتور مصطفى عثمان!! ولكن القضية هي في وزارة الخارجية نفسها، فوزارة الخارجية لأي بلد ما هي الجهاز العصبي المركزي الذي يستقبل ترليونات من المعلومات الخارجية من سفاراتها وملحقياتها ومؤسساتها، يتم جمعها وتحليلها وإستخلاص رؤى إستراتيجية أو تكتيكية بأسلوب محترف، وعلى حصادها تبني مؤسسات الرئاسة قراراتها، بشكل موازي ومتفاعل مع مراكز الدراسات التابعة للدولة الخ ومن ثم كيفية التعامل مع خصم ما –  مثل الولايات المتحدة الأمريكية. هذه الشروط لا تتوفر للوزارة السودانية، فهي تعمل بالتلفون فقط، وتضم عددا كبيرا من غير الموهبين بل من المحظيين.
تقول الأخبار على لسان الصحفي الأردني أنور صالح الخطيب، أن الدكتور مصطفى في مؤتمر صحفي بالدوحة تحدث فيها عن (أن مخطط الحركة الشعبية كان أصلا فصل الجنوب مستندا إلى خطة لزعيم الحركة الشعبية السابق جون قرنق والتي كررها أكثر من مرة وصارت جزءا من أدبيات الحركة حيث كان قرنق يتحدث عن ثلاثة دوائر يتشكل منها برنامجه. الدائرة الأولى حكم السودان كله فإذا لم ينجح يذهب إلى الدائرة الثانية وهي حكم الجنوب وجزء من الشمال هي مناطق الإلتماس فإذا لم ينجح في الدائرتين سيفصل الجنوب).
لا أدرى من أين أستقى الدكتور هذه المعلومة؟؟ ومتى؟؟ هل هذا التصريح لحفظ ماء الوجه كون المؤتمر الوطني فشل في قيادة البلاد ورمى الكرة في ملعب الحركة الشعبية؟ نعم الحركة الشعبية مارست الخداع، ولكن ماذا فعل المؤتمر الوطني لكي يفسد مخطط الحركة الشعبية المخادع؟؟ لا شيء. هنالك واقعة تنفي تصريح وزير الخارجية السابق، فحين أطلق شيخ السلفيين المتسعودين جعفر شيخ إدريس قذائفه في أول يونيو 2005م..أي حين هرطق وكفر وثيقة نيفاشا وأصحابها، وقرر هكذا أن الشورى الإسلامية فقط للمسلمين وعلى ارض إسلامية صافية ولم يجف حبر وثيقة نيفاشا بعد، وعلى زعمه كما لقنه أربابه أن تمدد الحركة الشعبية شمالا يمثل خطرا على العروبة والإسلام - وليس العكس أن يتعربن السودانيون الجنوبيون، سخر الدكتور جون قرنق من هذه الدعاوي التي تطلقها قناة الجزيرة لصالح الدول الخليجية التي تتشوق بدورها لفصل الجنوب والإنفراد بالشمال المسلم، حتى يسهل عليهم إقليميا وأد بقية الديموقراطية التي يفرضها وجود حكومة الجنوب، قال الدكتور جون قرنق: تعالو للجنوب أنشروا العربية والإسلام..أنا ما عندي مانع!! فهل ذهب الشماليون فعلا للجنوب؟ في الحلقة الأخيرة نحكي لك أن خمسة ولايات أمريكية تطالب بالإنفصال وإحداها (ولاية داكوتا الشمالية) تطالب به منذ مائة وخمسين عاما، وكاد بوتين أن يعترف بها في عام 2007م ردا على قضية صداع الشيشان وأوكرانيا، ونواصل.
شوقي إبراهيم عثمان
كاتب ومحلل سياسي
كتبت هذه السلسلة من المقالات في 22 أكتوبر 2010م، أي قبل الإستفتاء،  ولم تنشرها لي صحيفة مشهورة أحتفظ بأسمها، رغم تأكيد رئيس التحرير لي أنها ستنشر. أنشرها للتاريخ وتسجيل موقفي من الذي يجري في السودان.
Shawgi Osman [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]