يجب تأجيل الإستفتاء وحتى إكمال التنمية الإقتصاية الشاملة للشمال والجنوب معا
2-4
نجزم بأن المؤتمر الوطني تمت خديعته بجدارة من قبل الحركة الشعبية لتحرير السودان، ولم يفهم الحزب الحاكم في العمق الوثيقة التي وقعها في 9 يناير 2005م وما قد يترتب عليها من آثار لاحقة لا يستطيع السيطرة عليها، ولكن الكبرياء وحده يمنع رجال المؤتمر الوطني كأن يعترفوا بأنهم قد خدعوا من قبل الحركة الشعبية. وتعذى الخديعة لسببين: إلى جهل رجال المؤتمر الوطني المطلق بشخص الراحل الدكتور جون قرنق وسيرته الذاتية من جانب، ومن الجانب الآخر تدني مستوى التأهيل والخبرة الإدارية والسياسية لدى رجال المؤتمر الوطني عموما وبشكل خاص عدم فهم العقلية الغربية بكفاءة. وكلمة "بكفاءة" ليست صدفة، فمن يريد النجاح لا يكفيه كأن يدرك الحقائق من حوله - فالإنسان عبد للعادة، بل عليه أن يدرك الحقائق بكفاءة.
ولقد كتبت وقتها قبل توقيع وثيقة نيفاشا الكثير من المقالات التحذيرية المفيدة، منها التحذير من قشر الموز الأمريكي لوزير الخارجية السابق، وقلتها بصراحة أن على حكومة المؤتمر الوطني تفادي الجلوس مع الدول الغربية مطلقا، وعلى الخصوص مع الولايات المتحدة الأمريكية. وقد شبهت العلاقة بأنشوطة أو حبل الكاوبوي الأمريكي إذ ما أن توافق الضحية على الجلوس مع الدول الغربية كلما ضيقوا الأنشوطة حول رقبة الضحية بأسلوب ماكر! ولقد صدق حدسي أو تحليلي، فهل كان يتخيل الذين جلبوا السلام من نيفاشا أن يصبحوا مطاردين دوليا وقانونيا؟ أليس هذا بجزاء سينيمار؟ ماذا يعني هذا كله؟ يعني أن طاقم المؤتمر الوطني السياسي به هشاشة وسذاجة فكرية مطلقة – وإنها مغامرة كبرى أن يقودوا مستفردين البلاد، بل المؤتمر الوطني سرق بخفية ودهاء الدولة السودانية بكاملها.
وكذلك حذرت في مقالة أخرى صغيرة أن ليس للثعلب الغربي دينا!! الآن، نتذكر كيف جلسوا فرحين في أوسلو مستبشرين بكرم المانحين؟! ومما ذكرت في مقالاتي: التأكيد على محمدة...هي كون السفارة الأمريكية تغلق بابها في الخرطوم ويذهب سفيرهم لكينيا. قيادة المؤتمر الوطني كانت تفعل العكس تماما، لهثت خلف التطبيع مع واشنطون لفتح سفارتها في الخرطوم والآن تقبع السفارة الأمريكية على النيل الأزرق على مساحة ضخمة!! وأذكر في إحدى هذه المقالات قبل توقيع وثيقة نيفاشا ومع إنطلاقة شرارة دارفور أنني قلت فيها بالحرف: يجب عدم توقيع وثيقة نيفاشا للسلام ورهن التوقيع تكتيكيا بوقف شرارة حرب دارفور!! لقد كان واضحا وقتها أن الشرارة الدارفورية هي جزء أصيل من السيناريو الغربي ومرتبطة إرتباطا تكتيكيا ومفصليا بمسار قضية تقرير مصير الجنوب - لأن الدكتور جون قرنق هو الذي مد هذه الحركات الدارفورية بالسلاح إبتداءا، وهو الذي نصحهم بأن يبدلوا شعارهم السياسي من إسم حركة تحرير دارفور إلى حركة تحرير السودان. إعتمادا على فهم هاتين النقطتين فقط بإمكان المبتدئ في علم السياسة أن يفهم أن حركات دارفور نفسها ترغب في الإنفصال وتبطنه. فلماذا إذن التوقيع على وثيقة سلام إن لم يكن سوء تقدير وتضخيم لقدرات الذات من قبل الأستاذ علي عثمان؟ المؤتمر الوطني إلى اليوم يلف حلزونيا في حفرة ليست لها قاع تسمى حفرة دارفور ولم يخرج منها قط – بل سرقته تماما من قضية الجنوب كما خططت الحركة الشعبية بدعم المستشارين الغربيين.
لا ادري أين تكمن علة فشل المؤتمر الوطني؟ هل تعود العلة إلى ضعف مستوى المسؤلين الحزبيين والأنانية السياسية لنيل المناصب والمغانم أم في ضعف الأجهزة الأمنية أم في هزالة مراكز الدراسات الإستراتيجية والجامعية التابعة له؟ يخيل لي في الجميع. وعلى سبيل المثال لا الحصر وزارة الخارجية السودانية هي من أفشل الوزارات قاطبة، فعملها الداخلي الإداري والإجرائي –وأترك الخارجي جانبا- من حيث الأرشفة والمراسلات والدراسات الخ صفر كبير، كل شيء يتم فيها شفاهة عبر سماعة التلفون! وكانت فترة الدكتور مصطفى عثمان إسماعيل من أفشل عهود هذه الوزارة ولقد أنعكس هذا الفشل على مجمل أداء الدولة السودانية بالضعف – وانتهى بهم ضعف الحال إلى توقيع وثيقة مفصلية تسمى وثيقة نيفاشا. وبعد خروجه من هذه الوزارة حول وزير الخارجية السابق فترة توزره إلى بطولات شخصية وهمية، ولقد أستمتعت بنوادره في ثلاثة حلقات بالتلفزيون القومي وبشكل خاص تلك النادرة مع ولي عهد أمير الكويت!! وعلى منوال قصة ولي عهد أمير الكويت كسر الوزير السابق أيضا البروتوكول الدبلوماسي في حادثة يفتخر بها، أقحم نفسه على بيل كلينتون في مأدبة عشاء في مغامرة شخصية غير محسوب عواقبها – كما قال. من هذه المقابلة التلفزيونية، يمكننا القول بإرتياح أن الوزير السابق كان يؤمن "بشخصنة" الدبلوماسية وطلب النجاح إعتمادا على القدرات والمهارات الشخصية، ولا يؤمن أن للدبلوماسية روافع موضوعية من أسباب الدراسات وفهم قوانين القوة – إقتصادية أو عسكرية أو الأثنين معا. وإن لم تتوفر فقد تكون أسباب القوة لبلد ما هي ضمنية مثل الموقع الجغرافي السياسي أو الثروات التي لم تستخرج بعد. على سياق هذه المعطيات الموضوعية يجب ان يعمل الدبلوماسي الموضوعي المحترف بخطة تتطابق مع فنون وقوانين القوة. الوزير السابق فعل العكس، كان يكثر من االمدافعة والتصريحات والتعليقات والمعارك الإعلامية اللفظية بشكل مخل، حتى إنه لم يعفي منظمة هزيلة مثل منظمة هيومان رايت ووتش من تصريحاته الإعلامية. ونسب كذلك إلى شخصه أنه هو من رفع العزلة السياسية عن السودان.
ماذا يقول قانون القوة الخامس: حقق نصرك بالأفعال، ولكن مطلقا ليس بالمجادلة أو الكلمات. فأي نصر لحظي قد تعتقد أنك قد تحصلت عليه بالمجادلة والكلمات فهو نصر أجوف. ففضلا عن كشف طريقة تفكيرك للخصم، فالغضب والنية المريضة التي قد تصنعها في دواخل خصمك بالمجادلة تزيد قوة وقد تستمر لفترة طويلة موجهة ضدك ولن يغير رأيه فيك. من الأفضل، بل من القوة أن تقود الآخرين لموافقتك عبر أفعالك، بدون أن تقول كلمة واحدة. أعرض أفعالك، وليس شروحاتك. هكذا يجب أن تفعل الدول، فهي ليست مطالبة بشروحات لتفسير أفعالها.
وهكذا كان يفعل الدكتور جون قرنق.
WIN THROUGH YOUR ACTIONS, NEVER THROUGH ARGUMENT
Any momentary triumph you think you have gained through argument is really a Pyrrhic victory: The resentment and ill will you stir up is stronger and lasts longer than any momentary change of opinion. It is much more powerful to get others to agree with you through your actions, without saying a word. Demonstrate, do not explicate.
لقد كان موقف قيادة المؤتمر الوطني السلبي من الجنوب غريبا وليس لها عذر، وبدلا من إفشال سيناريو الحركة الشعبية المخادع على الأرض بالأفعال  كما يقول القانون أعلاه أعطت ظهرها للجنوب وأخذت تتلهى بالأعذار والخلافات البينية مثل حول الأسلوب السياسي الذي يجب أن يتبعه حزبهم مع الخصوم السياسيين، وحفر الحفر لبعضهم البعض، والتمسح بالعنصريين  والتكفيريين  الذين يراهنون على "عروبتهم" "ومصالحهم الصغيرة" مع دول الخليج. أين دول الخليج الآن؟ أين الدعم الخليجي الحقيقي للسودان الآن؟ لا يوجد. بإقتراب السودان لمرحلة الإستفتاء على مصير الجنوب يصل النظام السياسي السوداني إلى أقصى نقطة من الضعف، وهذا هو مراد الجميع من عرب وفرنجة. موقف دول الخليج مفهوم لكل متخصص في علم الإستراتيجيات وعلم النفس ويمكن إستقراؤه بوضوح – فكما ينبطحون هم أنفسهم للقوى الغربية الكبرى بإعتبارها "صديقة" لماذا لا ينبطح هؤلاء السود السودانيون لهؤلاء "الأصدقاء"؟ هل هؤلاء السود أفضل من العرب؟؟ إنبطاح الجيران اللصيقين بحدود الجزيرة العربية هو الضمانة الوحيدة لبقاء نظمهم السياسية، ويعتبر الإنبطاح في فقه شريعتهم السياسية الإقليمية من شروط حسن السير والسلوك.
لقد كان أكرم وأنجع لقيادة المؤتمر الوطني لو راهنت سياسيا على الشعب السوداني بالتطبيق الصارم للمواطنة كأن يتساوى الجميع في الحقوق والواجبات وليس بالخطب والشعارات الإسلامية الجوفاء  – وكأن تعمل على تحميس السودانيين وتفجير طاقاتهم للتنمية بحدود مقدراتهم وإمكانياتهم الذاتية بعزة وكرامة ولإنشاء دولة إقليمية كبرى في محيطها الأفريقي، بدلا من المراهنة على عوامل قوى خارجية مثل التعلق بأوهام التنمية عبر بوابة  التمويل العربية أو الجامعة العربية. ولكنها أوهام البزنز الشخصي هي التي أعمت بصائر قيادات المؤتمر الوطني السياسية التي ترسملت حتى الترهل الفكري – لم تعد تعنيها معاناة الشعب السوداني، وكذلك زورت الإنتخابات الأخيرة بعقل بارد ولم يطرف لها جفن. لقد تطبع الشعب السوداني ردحا طويلا من الزمان مع فقره ومع قلة السلع الإستهلاكية الخ، ولكنه لن يقبل المس بكرامته أو بحريته الفكرية والدينية أو أن يتم خداعه سياسيا.   
لم يعد يتبقى لقيادة المؤتمر الوطني سوى العمل بقولة الخليفة الأول أبو بكر عندما قاربته المنية  - إذ ندم على ثلاث فعلها من أفعاله، واحدة منها قوله: فوددت إني لم أكشف بيت فاطمة عن شيء، وإن كانوا أغلقوه على الحرب!! نعم نحن مع تأجيل الإستفتاء بقوة ونكرر بقوة حتى لو أغلقت الحركة الشعبية الجنوب على الحرب مجددا. بدون تأجيل الإستفتاء سيرتكب المؤتمر الوطنى حماقة بل خطيئة أخرى كبرى في حق السودان والسودانيين شمالا وجنوبا. هل ستشتعل الحرب مجددا لو أجل المؤتمر الوطني الإستفتاء؟ الجواب كلا. والبقية في المقالة التالية.  
شوقي إبراهيم عثمان
كاتب ومحلل سياسي
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
كتبت هذه السلسلة من المقالات في 22 أكتوبر 2010م، أي قبل الإستفتاء،  ولم تنشرها لي صحيفة مشهورة أحتفظ بأسمها، رغم تأكيد رئيس التحرير لي أنها ستنشر. أنشرها للتاريخ وتسجيل موقفي من الذي يجري في السودان.