عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

تكثر الدعوات للحوار الوطني الجاد والمسؤول من الحادبين على مصلحة ومستقبل البلاد، وتزعم القوى السياسية كلها من أقصى ألوان الطيف إلى أدناها، الحاكمة منها والمعارضة على حد سواء، حرصها وتجاوبها واستعدادها للحوار حول الأجندة الوطنية الملحة وإعلائها لشأن الوطن في مواقفها، ومع كل تلك المزاعم والتأكيدات اللفظية ينحدر الوطن على نحو غير مسبوق نحو التشظي والانقسام. لقد فشل الاستعمار على مدى ستين عاماً في شرذمة السودان وغادر البلاد وتركها وهي موحدة على الرغم من كل سوءاته، ولكن بعد نحو ستين عاماً أخرى نجح «الحكم الوطني» بامتياز فيما فشل فيه الاستعمار للمفارقة في سوق البلاد باتجاه التقسيم، لا لشيء إلا لعجز النخب السياسية من تحمل مسؤولية إرساء دعائم نظام سياسي قادر على الوفاء باستحقاقات دولة قانون ومؤسسات ومواطنة متساوية في الحقوق والواجبات.

 والسؤال لماذا فشلت الطبقة السياسية في تجسيد دعاويها بالحرص على الأجندة الوطنية في عمل سياسي قادر على تجنيب البلاد هذا المصير، وهل اللوم يقع على فئة وحدها دون غيرها في تحمل المسئولية، دون أن يعني ذلك أن الجميع بالضرورة متساوون في ذلك؟.

 الداعي إلى طرح هذه الأسئلة المحورية هو التجاوب مع دعوة لحوار استراتيجي بين القوى السياسية كافة طرحها الدكتور الواثق كمير في مقال رصين عنوانه (دعوة للحوار مع النفس .. الحركة الشعبية والعودة لمنصة التأسيس) نشرته الزميلتان (الأحداث) و(الرأي العام) في وقت سابق من هذا الأسبوع طالب فيه بالحوار (حول معادلة الوحدة والانفصال بكل صراحة وأمانة وصدق وشفافية، وجرد حساب موضوعي لما فعله وما لم يفعله طرفا اتفاقية السلام من ناحية السياسات والبرامج لجعل الوحدة جاذبة كأحد مستحقات الاتفاقية والدستور)، 

 وحسناً فعل د. الواثق أن ابتدر الحوار من داخل حوش الحركة الشعبية وهو أحد رموزها ومفكريها المؤمنين والمهمومين، بل أهم منظري رؤيتها الداعية لـ (سودان جديد موحد على أسس جديدة)، ويحسب له أن نحا إلى الأخذ بنهج نقدي في تعاطيه مع هذه القضية المهمة كما يشير إلى ذلك عنوان مقالته المهمة الموحي بدعوة للنقد الذاتي على خلفية ما يراه بمثابة تحول في مواقف وسياسات الحركة في اتجاه الانكفاء باتجاه الجنوب على حساب دورها القومي مع تنامي خطابها الانفصالي الذي بلغ قمة الوضوح بتصريحات زعيمها سلفا كير الشهيرة بكنيسة كتور بمدينة جوبا التي حاولت الحركة عبثاً تدارك آثارها دون جدوى.

 والملاحظة الأولى المهمة التي يوحي بها المقال أن الدكتور الواثق لم يعد  واثقاً من أن الحركة الشعبية لا تزال أمينة ووفية لرؤية (السودان الجديد الموحد) التأسيسية، كما كان شأنه في الورقة التي أعدها بين يدي المؤتمر العام الثاني للحركة الشعبية الذي انعقد في العام الماضي، والتي اجتهد فيها لتقديم أجوبة للأسئلة الصعبة الناشئة عن تبعات اتفاقية السلام واحتمالات الانفصال عبر تقرير المصير، وفرص تحقيق رؤية الحركة للسودان الجديد، وعلى الرغم من أن المؤتمر جدد التأكيد على رؤية السودان الجديد (إلا أن هذه الرؤية لم يتم تفصيلها في أية استراتيجيات أو سياسات أو برامج يسترشد بها العمل السياسي اليومي ويقوم عليها المانيفستو أو البرنامج الانتخابي) كما كتب الدكتور الواثق وذهب إلى حد القول صراحة أن شعوراً عاماً بالإحباط بات يسود قواعد الحركة ومناصريها (ممن تحروا فيها الخير في حيرة من أمرهم بسبب الغموض في مواقف قيادات الحركة من قضية وحدة السودان، إذ بات هاجس الانفصال يؤرق منامهم وأصبحوا يتساءلون هل  نفضت الحركة يديها عن رؤية السودان الجديد؟ فهم انضموا للحركة من أجل سودان جديد موحد فوجدوا أنفسهم وكأنهم يسبحون عكس التيار أو يؤذنون في مالطا)،

 ويضيف الدكتور الواثق قائلاً (إن الوحدويين من الجنوبيين والشماليين تدور في رأسهم العديد من الأسئلة التي تبحث عن إجابات وتعوزهم الحيلة في التصدي لاسئلة الاصدقاء والأعداء على حد سواء  التي لا ينقطع سيلها حول  مواضيع الوحدة والانفصال وتقرير المصير والاستفتاء).

 حرصت على نقل هذه الاقتباسات المطولة من المقال لأنها تحمل خلاصات مهمة تعطي فكرة واضحة وصريحة عن بواطن ما يجري في الحركة الشعبية، ولتأكيد أن ما يتداوله المحللون عن وجود تيارات متباينة إن لم نقل صراعات بينها بشأن تحديد موقف قاطع للحركة من رؤيتها التأسيسة الداعية لسودان جديد موحد ليس مجرد تكهنات مراقبين أو شائعات  عارية عن الصحة يحاول خصوم الحركة ترويجها للنيل منها، بل هي حقيقة واقعة كشف عنها د. الواثق في مقاله بشجاعة ومسؤولية وشفافية، وهو بالطبع أقدم على هذا النهج في النقد الذاتي في إطار تحرك جاد  من أجل الإصلاح داخل الحركة التي يؤمن بها لأن في صلاحها وفق رؤيته يسهم في إصلاح الحال السياسي برمته ليصبح فعالاً وقادراً على مخاطبة الأجندة والهموم الوطنية المصيرية الراهنة.

 ولعله يقدم بذلك نموذجاً مفتقداً بشدة في الحياة السياسية السودانية التي عادة ما يرى قادتها في الأحزاب المختلفة أن الإصلاح مطلوب من الآخرين فقط، وكل يبرئ نفسه مما يدعو إليه غيره، ولا يمكن أن يكون التغيير جاداً ما لم يبدأ بالنفس، وليت النخب السياسية تدلف إلى الحوار الاستراتيجي الذي دعا له بهذا النهج القائم بأن يبدأ كل طرف بنفسه بإجراء مراجعات نقدية لأطروحات ومواقف وسياسات حزبه أو القوى السياسية التي ينتمي إليها قبل أن يعمل مبضعه زاعماً قدرته على معالجة أمراض الآخرين ملقياً باللائمة دائماً على غيره وتحميله مسؤولية تعميق الأزمة التي يعانيها الوطن.

 وربما كانت الرؤية النقدية التي طرحها الدكتور الواثق كمير في مقاله غير مسبوقة من نوعها لجهة أنها أتت من داخل الحركة الشعبية ودون أن يكون النقد مدفوعاً بتنافس سياسي بين قياداتها، بل بدافع الحرص على تذكير الحركة بضرورة العودة إلى منصة التأسيس، لأن المفترض أنها حركة تغيير، ولم ترفع كل تلك الشعارات البراقة فقط من أجل صفقة نخب تهرع  لتتقاسم فيها مغانم السلطة والثروة، وتتنكر لمن دفعوا ثمناً غالياً من أجل تغيير حقيقي.

 ولعل أبلغ نقد وجهه د. الواثق للحركة الشعبية قوله (في سياق تطبيق رؤية السودان الجديد على أرض الواقع لا بد للحركة الشعبية، وهو أمر تأخر موعد استحقاقه، أن تجعل من جنوب السودان - حيث تسيطر

 بصورة شبه تامة- أنموذجاً تنطلق منه لتحقيق مبادئ السودان الجديد على المستوى القومي، خصوصاً: إعادة هيكلة السلطة وحكم القانون والديمقراطية واحترام حقوق الإنسان، والتنمية المتكافئة والمستدامة)، وهذا نقد لاذع لا يجعل مجالاً لمزيد يمكن أن يوجهها للحركة اعتى خصومها، ويؤكد في الوقت نفسه جدية المراجعة التي يدعو إليها.

 ونورد هذه الانتقادات اللاذعة ليس من باب التبكيت على الحركة، أو للقدح من أجل الذم، او من باب مسايرة خصومها الذين لا يرون في هذه المراجعة النقدية المسؤولة سوى تأكيد لسعيهم اللاهث لتنصيب الحركة الشعبية (شيطاناً أكبر) وتحميلها وحدها أوزار المأزق الوطني الذي تعيشه البلاد، ولا يرون في هذه المراجعة سوى أنها صك براءة لهؤلاء الخصوم تعفيهم من تحمل قسطهم من مسؤولية مواجهة البلاد لمصير ينذر بالتشرذم بلا دليل من حس وطني سليم يجنب الوطن هذا المصير المشؤوم.

 بل يجب أن نتعاطى مع هذه الدعوة للمراجعة باعتبارها فرصة سانحة لإطلاق حوار وطني عميق يتسم بالمسؤولية والشفافية لا لتسجيل نقاط في معركة صغيرة ضد هذا الخصم أو ذاك، بل من أجل إتاحة فرصة للنهوض من هذه الكبوة إلى رحاب وطن موحد يسع الجميع ليس مستحيلاً قيامه إلا أن تؤثر النخب السياسية أجندتها الحزبية على الأجندة الوطنية.

 وبالعودة إلى القضية الأساسية التي طرحها الدكتور الواثق كمير عن حقيقة موقف الحركة الشعبية من مسألة الوحدة والتزامها برؤية السودان الجديد الداعية لذلك، من المهم الإشارة في هذا المقام إلى أن الدعوة لإقامة (سودان جديد) ليس ترفاً بل هي ضرورة ملحة وموضوعية وواقعية تحتمها الحاجة للخروج من نفق سنوات التيه التي تعيشها البلاد منذ استقلالها قبل أكثر من نصف قرن دون أن تهتدي لمعادلة تحقق الأمن والاستقرار والتنمية والمساواة بين جميع مواطنيه بما لا يدع مجالاً لاستمرار حال التنازع والتشاكس، وما كانت البلاد لتبحث كل هذا الوقت عن مخرج لأزماتها لولا بؤس إرادة وقلة حيلة طبقتها السياسية.

 ولئن أكسبت الحركة الشعبية مشروعها السياسي اسم (السودان الجديد) إلا أن ذلك لا يعني أنها وحدها من تحتكر الدعوة لذلك، فثمة قوى سياسية أخرى لا سيما الإسلاميين والشيوعيين يملكون أيضاً دعوات لسودان جديد وإن أسبغوا عليها أسماء أخرى مثل (المشروع الحضاري) نحو ما كانت تنادي به الإنقاذ في أول عهدها. ولكن في نهاية المطاف كلها أسماء تريد توصيف هدف واحد أن لكل طرف مشروعه الذي يرى فيه مخرجاً لأزمات البلاد المتطاولة.

 وابتداءً ليس هناك ما يمنع أية قوة سياسية من أن تطرح الرؤية التي تؤمن بها وترى فيها سبيلاً لإصلاح حال البلاد والعباد، غير أن أياً منها لا تملك الحق في فرض رؤيتها، بغض النظر عن صحتها، بدون أن يكون لها تفويض شعبي صريح، وحتى هذا التفويض لا يمنحها الحق في فرض رؤيتها الأحادية على الجميع، بل يجب أن تمارس السلطة بما يكفل لكل المواطنين التعبير عن هوياتهم وثقافاتهم بكل الحرية وأن يتساوى الجميع امام القانون والفرص.

 ومع كفالة حق أي فريق أن يطرح  ما يشاء من شعارات، إلا أن القوى السياسية يجب أن تتعلم الخضوع للمحاسبة الشعبية على الشعارات التي ترفعها والبرامج والسياسات التي تتبعها، وإلى اي مدى تتطابق الشعارات المرفوعة مع الواقع المطبق على الأرض. ولعل الفريضة الغائبة في السياسة السودانية غياب مبدأ المساءلة والمحاسبة فالزعماء يطلقون ما يشاؤون من شعارات، وينقلبون عليها ثم لا تجد من يضعهم أمام طاولة المحاسبة، ولذلك يتنكرون لمواقفهم المعلنة واثقين من أن لا أحد يراجعهم أو يحاسبهم، فضلاً عن أن الطبقة السياسية السودان لم تعرف أبداً فضيلة محاسبة الذات أو تحمل مسؤولية الأخطاء التي يرتكبونها، ولذلك لا تستغرب أن تجدهم كل يوم بزي، وكل يوم بلسان.

 ولذلك فالحركة الشعبية ليس وحدها في قفص الاتهام في التنكر لشعاراتها ولرؤيتها، فخصومها أيضاً خاصة في المؤتمر الوطني وريث الحركة الإسلامية موجودون معها في المركب نفسه، فالتنصل من الحفاظ على وحدة السودان خطيئة لا ترتكبها الحركة الشعبية وحدها، فالإسلاميون  الذين برروا انقلابهم بانقاذ البلاد وتجنيبها الانقسام وكفالة استقلال قرارها، ولكن أين هي من تلك الدعاوى من الواقع المعاش،  وتقتضي المسؤولية الوطنية والأخلاقية والدينية أن يحافظوا على البلاد كما وجدوها موحدة ولا ينبغي أن تهون أمامهم التضحية بوحدتها فقط من أجل إصرار بعض نخبتها على الاستمرار في احتكار السلطة بأي ثمن، فالانفصال أصبح جاذباً بفعل الطرفين، وشأنه مثل رقصة التانغو التي لا يمكن رقصها إلا لاثنين، ولئن بدت الحركة الشعبية متعجلة للانفصال، فالمؤتمر الوطني يبدو زاهداً في الوحدة.

 وسنعود في مقال لاحق إن شاء الله لمراجعة نقدية لموقف الإسلاميين من قضية الوحدة وحاجتهم أيضا للعودة إلى منصة التأسيس، ونركز الآن على موقف الحركة الشعبية حيال مدى تمسكها بوحدة السودان كما طرحتها في رؤيتها للسودان الجديد والتي أعرب الدكتور الواثق عن شكوكه العميقة في التزامها بذلك، وهو ما يقود للسؤال حول حقيقة رؤية السودان الجديد وإلى أي مدى هي قادرة فعلاً على تحقيق وحدة البلاد، وتجدر الإشارة هنا إلى أن هناك قدراً كبيراً من الإلتباس يحيط بهذه المسألة فقد ظل مفهوم السودان الجديد الذي تطرحه الحركة يتسم بالغموض وعدم الوضوح اللهم إلا ما استقر في أذهان الرأي العام من أنه مشروع لعلمنة السودان في مواجهة الأسلمة التي لا تعبر عنها الحركة الإسلامية وحدها بل تعبر عنها قبل ذلك سياسياً الحركة الختمية والحركة المهدية.

وثمة اعتقاد أن هذه المسحة العلمانية لرؤية الحركة الشعبية للسودان الجديد لا تعبر حقاً عن الوجدان الجنوبي بقدر ما تعبر عن قوى وأطراف أيدولوجية يسارية من الجنوب والشمال على حد سواء، ولا جدال في أن ذلك حق مكفول لمن يدعون لذلك، ولكنهم في الوقت نفسه لا يملكون حق فرض العلمانية ثمناً للوحدة، كما لا يملك دعاة الأسلمة فرض الانفصال ثمناً لرؤيتهم.

 ومن ذلك الالتباس أن رؤية الحركة الشعبية تفترض اعتباطاً أنها داعية لا معقب لها للديمقراطية وإنجيل مقدس للتحول الديمقراطي، ففضلاً عن أنها لم تقدم نموذجاً عملياً حتى الآن فيما يليها يؤكد إيمانها بالديمقراطية وتمارسها حقاً كما لفت إلى ذلك الدكتور الواثق، وتمضي أكثر من ذلك حين تصادر حق غيرها حين تقرر بالنيابة عنهم التوجه العلماني كضرورة حتمية لوجود الديمقراطية ولا شك أن في ذلك غلواً كبيراً، ولها أن تعرض رؤيتها لنيل التفويض الشعبي دون أن يكون ثمن عدم القبول برؤيتها فرض خيار الانفصال. فالديمقراطية الحقيقية تقتضي القبول برأي الأغلبية دون أن يعني ذلك بالضرورة غمط حق الأقلية.

وثمة مواقف مهمة تشير إلى أن موقف الحركة الشعبية من قضية الوحدة ليس مبدئياً بل خاضع للمناورات السياسية بدليل أنها سارعت عند أول اختبار حقيقي تتعرض له بانشقاق الناصر الذي تبنى الانفصال صراحة إلى التخلي عن ما يفترض أنه قناعتها الراسخة بالوحدة إلى الدعوة إلى تقرير مصير الجنوب بما يعني التمهيد لخيار الانفصال في سياق تنافسها مع قادتها المنشقين، لقد ظلت الحركة الشعبية عبثاً تحاول التأكيد على أن دعوتها لتقرير المصير لا تعني بها سوى أنها وسيلة لتأكيد الوحدة الطوعية عبر الاختيار الشعبي، ولكن فات عليها أنه ما كان لها أن تخضع قضية الوحدة إذا كانت تؤمن بها حقاً وتمثل رؤيتها المبدئية لتصبح سلعة سياسية يملك حق امتيازها والتقرير بشأنها فئة واحدة من أبناء الوطن دون غيرهم، ولتصبح شرطاً جزائياً  تعاقب به الوطن، إذ تحلل نفسها من المسؤولية العمل لأجل الوحدة حتى تتحقق بكل تضحية ممكنة، وتترك راضية مهمة الحفاظ على الوحدة لغيرها دون أدنى مسؤولية من جانبها، وكأن ذلك لا يعنيها في شيء، وعندما تكون القضية قضية وطن لا يجوز لطرف سياسي فاعل أن يقف على الرصيف متفرجاً ويكتفي بالتعليق على ما يدور أمامه دون أن يكون له جهد إيجابي للدفع باتجاه القناعة بالوحدة التي يزعم أنه داعية لها.

 ولا نريد هنا أن نصادر حق الجنوبيين في تقرير مصيرهم أو رغبتهم في الانفصال، ولكن ما نود الإشارة إليه أنه لا يجب التلاعب بقضية الوحدة، وأنه ليس من حق الحركة الشعبية أن تعمل من أجل الانفصال فعلياً ثم تزعم أنها راغبة في الوحدة أو ترمي باللوم على شريكها في عرقلة ذلك، والمطلوب من قادة الحركة الشعبية أن يمتلكوا الشجاعة للإفصاح عن موقفهم الحقيقي الساعي للانفصال بغض النظر عما يفعله الآخرون، وأن يتحملوا المسؤولية التاريخية عن ذلك، فليس ممكناً أكل الكيكة والاحتفاظ بها في الوقت نفسه كما كان يحلو للزعيم الراحل أن يصف سلوك خصومه في المؤتمر الوطني.

 ومما يؤكد انصراف الحركة الشعبية عن الإيمان بقضية الوحدة أنها اختارت لنفسها موقفاً سلبياً معتزلة لعب أي دور ايجابي لصالحها، ووجدت في إلقاء اللوم على شريكها سبيلاً سهلاً للتنصل عن رؤيتها الموعودة بسودان موحد. وأكثر من ذلك تخلت قيادتها عن حض جماهيرها والتبشير بالوحدة، وظلت تكتفي بالتصريح أن المواطنين هم من يقررون مصيرهم عند الاستفتاء، ولكن ما قيمة القيادة إذا كف القائد عن إلهام شعبه وإقناعه برؤيته.

 وأخشى أن أقول للصديق العزيز الدكتور الواثق كمير أن الحركة الشعبية انطلقت في طريق ذي اتجاه واحد يفضي إلى الانفصال ولم يعد بوسعها العودة إلى منصة التأسيس كما يرجو، ليس لان الشعب في جنوب السودان يريد ذلك، بل لأن الحركة لم تعد تملك تلك القيادة المؤمنة فعلاً برؤية السودان الجديد الموحد، ولم تعد تملك تلك الزعامة الكارزمية لزعيمها الراحل جون قرنق، الذي كان يوصف بأنه الوحدوي الوحيد في الحركة ومع ذلك قادها باقتدار لأن تتحول من مجرد حركة جهوية ساعية للانفصال إلى حركة حاضرة بقوة في المركز نجحت في زعزعة مسلمات استقرت لعقود من الزمان، ولكن كل ذلك الإرث تبدد برحيله، لتعود الحركة لتتقزَّم من جديد إلى مجرد حركة جنوبية لا تكف عن الاحتجاج والشكوى، ولا أدري إن كانت نبوءة صدقت حين وصفت في مقال لي عند رحيل قرنق بأنه بداية موسم الهجرة إلى الجنوب.

 

عن صحيفة إيلاف السودانية

الأربعاء 23 ديسمبر 2009