عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

اتفاق شريكي نيفاشا الذي بدا مفاجئاً ومربكاً ومحل شك كذلك من غلاة المتطرفين على الجانبين، ويشاركهم في ذلك أيضاً الراغبون في الاصطياد في الماء المعتكرة بين الطرفين، هو في الواقع أكثر من مجرد اتفاق لوقف الصراع المميت على حافة الهاوية، والقراءة المتأنية للتحولات التي أعقبته وأدارت بوصلة العلاقة بين الطرفين مائة وثمانين درجة تشير إلى أن مدى المساومات التي جرت بين قادة المؤتمر الوطني والحركة الشعبية أبعد بكثير من مجرد الاتفاق على حزمة مشروعات القوانين المتعلقة بالاستفتاء على تقرير المصير والمشورة الشعبية للمناطق الثلاث.

 ولعله يصح القول إن المفاوضات الماراثونية التي جرت بين الشريكين على مدى ثلاثة أيام في آخر الأسبوع المنصرم، ربما كانت هي الأهم والأخطر منذ توقيعهما اتفاقية السلام الشامل في مطلع عام 2005، وتكتسب هذه الجولة من المفاوضات المكوكية أهميتها وخطورتها ليس فقط في نجاحها في نزع فتيل التصعيد باتجاه مواجهة شاملة على خلفية صدامات مسيرة الاثنين، وما قاد إليه من تخطي الخلافات بشأن القوانين المتبقية في جدول تنفيذ اتفاقية السلام، واستئناف الحركة الشعبية لنشاطها في مجلس الوزراء وإنهاء مقاطعتها لأعمال البرلمان، وكل هذه الخطوات وإن بدت مهمة في حد ذاتها إلا أنها ليست معزولة عن سياق مجمل العلاقات بين الشريكين، إذ تعكس دلالات اكثر أهمية على أنها وليدة تفاهمات أوسع بين الطرفين بشأن المستقبل جرت بالضرورة حول أجندة محورية بشأن الاستحقاقات المتبقية من اتفاقية السلام الشامل.

 والسؤال الذي يقفز للاذهان ما الذي يمكن أن يكون جديداً في مسلك الشريكين السياسيين، فقد اعتاد الناس على التشاكس الذي ظل السمة الغالبة للعلاقة بينهما منذ أن شرعا الإبحار في رحلة الشراكة التي رسمت خريطتها اتفاقية السلام الشامل حتى نهاية الفترة الانتقالية المقررة منتصف العام 2011م؟، وما الذي يجعل اتفاقهما هذه المرة على تجاوز خلافاتهما أمراً مختلفاً عما سبق من اتفاقات، إذ سرعان ما تعود خلافاتهما للتجدد مع كل أزمة تواجه تنفيذ هذا البند أو ذاك من اتفاقية السلام؟

 من المؤكد أن الزعم بأن اتفاق الشريكين هذه المرة سيصمد لفترة أطول يدخل في باب التكهنات، فاحتمالات العودة للخلافات واردة خاصة في ذلك تفاصيل كثيرة حول موضوعات جوهرية مسكوت عنها في الوقت الراهن سيأتي وقت التفاوض بشأنها، وبالطبع يحتفظ الطرفان بمواقف متباينة حولها، ولكن مع ذلك يمكن القول إن اتفاق الطرفين هذه المرة يحمل جديداً، وله ما بعده. فقد أنتج الحراك الأخير والحوار الذي أعقبه دروسا وعبرا مهمة يجب أخذ معطياتها في الاعتبار عند قراءة مستقبل الأوضاع السياسية في السودان.

 ولعلَّ أهم حقيقة أفصحت عنها التطورات الأخيرة، أن إرادة التعايش بين المؤتمر الوطني والحركة الشعبية لا تزال هي الأغلب عند الطرفين، فعلى الرغم مما بدا على السطح من أنهما كانا على وشك بلوغ مرحلة الطلاق البائن خاصة بعد مضي الحركة الشعبية قدماً في تشكيل جبهة معارضة سياسية فعالة بدءاً من مؤتمر جوبا، وحتى اللجوء إلى استخدام الشارع كساحة للنزال والمواجهة، وبلغ الأمر درجة أن زعماء بارزين بدأوا يبنون حساباتهم، على أن هذا التحالف ماض إلى درجة تغيير قواعد اللعبة كلياً باسقاط سلطة المؤتمر الوطني، ولكن سرعان ما تبين للجميع أن كلا من المؤتمر الوطني والحركة الشعبية يدركان أن الصراع على حافة الهاوية لديه حدود.

 ولذلك فإن اتفاقهما في اللحظة الأخيرة لم يكن مفاجئاً، ولا غرو في ذلك، لأن اتفاق نيفاشا خلق ارتباطاً عضوياً لمصالحهما لا يمكن الفكاك منه إلا بانتهاء استحقاقات الاتفاقية كاملة، اللهم إلا إذا أراد أحد الطرفين التضحية فعلاً بالمكاسب التي ضمنتها الاتفاقية لكليهما، ولا أحد بالطبع يتصور أن أياً منهما مهما بلغت به الحماقة أن يمضي في الصراع إلى درجة يؤذي معها نفسه، ويطيح بمكاسبه المتحققة.

 ولعل أهم حقيقة كشفت عنها التطورات الأخيرة أن أكبر ضامن حقيقي لتنفيذ الاتفاقية هما طرفاه الوحيدان المؤتمر الوطني والحركة الشعبية، وليست تلك الأطراف الدولية والإقليمية التي احتشدت لتقديم تلك الضمانات، وما جعل الضمانة الحقيقية لتنفيذ الاتفاقية بيد الطرفين مهما بلغت خلافاتهما هو وعيهما بالطبع أن المصالح المتحققة لكليهما لا يمكن المحافظة عليها بغير الالتزام بقواعد اللعبة التي أرستها.

 وفي الواقع فإن كل الخلافات التي مرت على علاقة الطرفين خلال السنوات الماضية تم تجاوزها من خلال التفاهم المباشر بينهما، وقد أثبتت التجربة أن حشود الشهود الدوليين الضامنين للاتفاقية لم يسهموا في أي وقت في تجاوز الخلافات التي كانت تنشب بين الآونة والآخرى، ويلاحظ في هذا الصدد على وجه الخصوص أن الولايات المتحدة نفسها، وهي عراب الاتفاقية، لم تستطع أن تلعب دوراً حاسماً في أي خلاف طرأ، ويتضح ذلك أكثر في عهد المبعوث الأمريكي الحالي للسودان الجنرال سكوت قريشن الذي هبط إلى الخرطوم في جولته التاسعة خلال الأشهر القليلة الماضية. وعلى كثرة تنقلاته المكوكية والمفاوضات التي قادها بين الطرفين لتجاوز العقبات التي كانت عالقة، فإنه لم يظفر مطلقاً بإحراز انجاز يحسب لدبلوماسيته، ولقد بدا لافتاً ان الحركة الشعبية التي تُعد حليفاً مقرباً من واشنطن لم تمنح مبعوثها مطلقاً شرف أن يسهم في فك أية من عقد علاقاتها المتأرجحة مع شريكها اللدود.

 والسؤال هو ما الذي يعنيه تحديداً تحليل هذه المعطيات التي تشير بوضوح إلى أن ثمة علاقة زواج كاثوليكي لا فكاك منها تربط بين المؤتمر الوطني والحركة الشعبية حتى خواتيم الفترة الانتقالية على أقل تقدير؟

 وهذا يعني ببساطة أنه من غير الوارد قراءة مستقبل الأوضاع السياسية في البلاد في غضون السنوات القليلة المقبلة بغير وضع هذه الحقيقة في الاعتبار، وأشير هنا إلى أن هذا التحليل لا يقوم على تغليب القيمة الوطنية أو الجدوى السياسية لهذه العلاقة بين الشريكين على مستقبل أفضل منشود للبلاد، ولكن يقوم على قراءة واقعية للمعطيات الراهنة بغض النظر عن قبولها أو رفضها بحسابات الحاجة للتغيير وضمان تحول ديمقراطي حقيقي في البلاد يحقق الامن والاستقرار واستدامة السلام والتنمية.

 والتعاطي مع هذا المعطى ضروري للغاية عند قراءة خريطة التحالفات السياسية المرتقبة في الانتخابات الوشيكة. فقد أنفقت المعارضة الساعية إلى تغيير النظام عن طريق صندوق الانتخابات وقتاً ثميناً في «تحالف متوهم» أطلقه مؤتمر جوبا، وأهدرت فرصها حين ظنت خطأً أن ركوبها سفينة الحركة الشعبية سيقودها إلى النجاة من قبضة المؤتمر الوطني، ولعلها تعرضت للتضليل حين عوَّلت على المواقف القوية المعلنة إلى جانبها من قبل تيار محدود التأثير في المواقف الحاسمة والحسابات النهائية داخل الحركة الشعبية.

 ومن الواضح أن الحركة الشعبية أتقنت اللعب على تناقضات القوى السياسية السودانية، وهي لعبة مفضلة لم تمارسها فقط هذه المرة، بل أدمنت عليها منذ أن نجحت في استخدام المعارضة الشمالية إبان مرحلة التجمع الوطني الديمقراطي لنقل ساحة معركتها مع الحكم للشمال، وتكثيف ضغوطها على المؤتمر الوطني، حتى نجحت في الظفر باتفاقية نيفاشا بمعزل عن حلفائها المفترضين. وتكرار الحركة للعبتها بحذافيرها لا يوقعها في دائرة اللوم طالما لم يتعلم المعولون عليها من القوى السياسية الدرس، وفي هذه المرة اصطادت الحركة الشعبية عصفورين بحجر واحد، فقد نجحت في استخدام تحالفها مع المعارضة لفرض ضغوط غير مسبوقة على شريكها، كما نجحت في حمل المؤتمر الوطني في نهاية الأمر على الاستجابة لمطالبها، وفي ذلك براعة سياسية تستحق أن ترفع القبعة تحيةً لها.

 وكما يقال فإن السياسة لا تعرف صداقة ولا عداوة دائمة، ولكن تعرف بالطبع لغة المصالح الدائمة، ولذلك فإن الخطوة المنطقية المتوقعة بعد نهاية هذا الشوط من اللعبة الذي انتهى بتسجيلها مكاسب مهمة بتمرير القوانين التي تطالب بها الحركة الشعبية بشأن الاستفتاء والمشورة الشعبية، فإن الشوط التالي من اللعبة سيتركز بالطبع على الاستحقاق الانتخابي وتحالفاته المنتظرة، ومن المستبعد بالطبع أن تكون الصفقة التي فكت عقدة القوانين العالقة، قد تمت بدون تفاهم بشأن الاستحقاق الانتخابي، ويلاحظ في هذا الصدد أن الطرفين ركزا في مواقفهما المعلنة في الأيام الماضية على الكشف عن اتفاقهما في الجوانب القانونية، في حين تعمدا إبقاء تفاهماتهما المتعلقة بالجوانب السياسية طي الكتمان، وليس صعباً التكهن بطبيعة تلك التفاهمات في الشأن السياسي التي تتعلق بالانتخابات والاستفتاء وسيناريوهات ما بعد عام 2011م.

 وبالنظر إلى أن هذه الأجندة المتبقية من اتفاقية السلام تتسم بدرجة عالية من الأهمية لدى الطرفين، وتقتضي بالضرورة درجة عالية من التفاهم بشأنها والالتزام تجاهها، خاصة بالنسبة للحركة الشعبية في ما يتعلق بفترة ما بعد الانتخابات، فالمتوقع ان يكون تفاهم الطرفين قد شدد على كيفية الحفاظ إلى أقصى درجة على معادلة الشراكة التي أفرزتها نيفاشا ليضمن الطرفان بذلك استمرار الحفاظ على مكتسباتهما، وهذا ما يقتضي اتفاق المؤتمر الوطني والحركة الشعبية على التنسيق، على أقل تقدير، بشأن السباق الانتخابي في مستوياته المختلفة، هذا إن لم يصل الأمر إلى درجة التحالف الصريح، وثمة اعتبارات قد تدفع الحركة الشعبية إلى عدم تفضيل عدم إقامة تحالف معلن مع المؤتمر الوطني، لجهة أنها لا تريد تحمل الكلفة السياسية لذلك، ولكن ذلك لا يعني بالضرورة أنها لا ترغب في رؤية شريكها محتفظاً بأغلبيته في إطار صفقة الانتخابات مقابل الاستفتاء.

 وحسابات المؤتمر الوطني في ترغيب الحركة الشعبية للتحالف معها واستعداده لتقديم تنازلات ومحفزات لها معلومة. وبغض النظر عن معادلات نيفاشا فإن الجنوب يشكل رقماً مهماً في الانتخابات المقبلة، حيث يتمتع بثقل يعادل ربع أصوات الناخبين حسب السجل الانتخابي، وهو عدد كفيل بترجيح كفة السباق الرئاسي لهذا الطرف أو ذاك، وغني عن الذكر أن الحركة الشعبية تملك التأثير على خيارات معظم إن لم نقل كل الأصوات الجنوبية، سواء تلك الموجودة في الجنوب، أو الأصوات الجنوبية في الشمال، ولذلك لا يستطيع المؤتمر الوطني المغامرة بأن يفقد جانب الحركة الشعبية في الانتخابات المقبلة خاصة في السباق الرئاسي. وسيكون دور الحركة أبلغ أثراً إن هي انخرطت في تحالف معارض للمؤتمر الوطني.

 ولكن من الجانب الآخر تدرك الحركة أنها لا تستطيع المغامرة بتغيير معادلة السلطة في هذا التوقيت الحساس قبل أشهر قليلة من موعد الاستفتاء، وتغيير هذه المعادلة بصورة درامية قد يؤدي إلى فتح أبواب جدل حول قضايا تبدو محسومة الآن وهي في غنى عنه، ولذلك تفضل الحركة استمرار صيغة الشراكة عقب الانتخابات، ولن يكون ذلك بالطبع مجانياً، فلئن كانت حسابات المؤتمر الوطني تهدف إلى الحفاظ على الرئاسة والأغلبية في البرلمان، فالحركة تريد أن تزيد غلتها من المقاعد البرلمانية، بحيث تحتفظ بعدد كاف من النواب يخولها حق الفيتو المانع لأية تعديلات دستورية لا توافق عليها.

 وأمر آخر قد يدفع الحركة الشعبية لتفضيل خيار استمرار معادلة شراكة نيفاشا عقب الانتخابات، ذلك أن توقيت الاستفتاء يحل بعد ثمانية أشهر فقط، وهي فترة غير كافية للتأقلم مع معادلة جديدة في سدة السلطة قد تؤدي تعقيداتها إلى عرقلة الاستفتاء في موعده المضروب. والتعاطي مع المعادلة الراهنة التي خبرتها الحركة جيداً واتقنت اللعب وفق حساباتها، ستمكنها من توظيف خبرتها بصورة فعَّالة قد لا تتوفر لها إن تغيرت قواعد اللعبة.

على أن العامل المهم الذي يغيب عن حسابات الكثيرين، هو أن الاستفتاء حتى ولو انتهى إلى اختيار الانفصال، فإن ذلك لا يعني أن اليوم التالي سيشهد ميلاد دولة مستقلة في جنوب السودان، صحيح أن التصويت على تقرير المصير بالانفصال فعل سيحدث في وقت محدد، ولكن الوصول إلى النتيجة المنشودة وهي دولة مستقلة عملية قد تستغرق وقتاً أكثر بكثير مما هو محدد له في اتفاقية السلام بستة أشهر فقط، وهو ما يعني أن معادلة الشريكين الممكسين بأغلبية السلطة حسب اتفاقية نيفاشا ستكون لها حاجة لفترة أطول تتجاوز منتصف عام 2011م، وهي على أية حال تستجيب مع مطالب أمريكية لتمديد االفترة الانتقالية لما بعد ذلك، لاستكمال متطلبات إقامة دولتين قابلتين للحياة والاستمرار والاستقرار.

وليس أدل من أن الطرفين يتعاملان باعتبار تحالفهما الانتخابي أمراً واقعاً للحفاظ على صيغة نيفاشا، من أن مشروع  قانون الاستفتاء الذي أقره الطرفان في اتفاقهما الأخير يتضمن نصاً في المادة «67» الفقرة «3» يقول « يدخل طرفا اتفاقية السلام الشامل في مفاوضات بهدف الاتفاق على المسائل الموضوعية لما بعد الاستفتاء بشهادة المنظمات والدول الموقعة على اتفاقية السلام الشامل»، وبالطبع معلوم من هما طرفا الاتفاقية.

هذا فضلا عن أن المسائل التي ستخضع للتفاوض بشأنها تتضمن عشر قضايا بالغة التعقيد، تتضمن الجنسية، العملة، الخدمة العامة، وضع الوحدات المشتركة المدمجة والأمن الوطني والمخابرات، الاتفاقيات والمعاهدات الدولية، الأصول والديون، حقول النفط وإنتاجه وترحيله وتصديره، العقود والبيئة في حقول النفط، المياه، الملكية، وأية مسائل أخرى يتفق عليها الطرفان.

وبالطبع هذه قضايا بالغة التعقيد لا يتوقع أن ينتهي التفاوض بشأنها في غضون فترة وجيزة، وقد تمتد لسنوات وهذا يعني ببساطة أن تمديد الفترة الانتقالية أصبح في حكم الأمر الواقع، غير أنه تمديد لا يعني تأجيل الانتخابات ولا الاستفتاء، بل يعني إجراء الانتخابات وفق تحالف بين الطرفين يضمن استمرار الصيغة الحالية، كما أن الاستفتاء سيجرى في موعده ليتم التعامل مع نتيجته في حالة الانفصال بالتراضي ريثما تكتمل عملية فك الاشتباك وتقسيم إرث الدولة الواحدة إلى دولتين ومتطلبات ذلك.

وهذا السيناريو المرسوم آنفاً يعتمد على تحليل حسابات طرفين في المعادلة السياسية السودانية، ووصوله إلى النتائج التي يرجوانها، رهين بحسابات الأطراف الأخرى في المعادلة، وإلى أي مدى تستطيع القوى السودانية الأخرى تغييرها أو تعديل مسارها.

 

عن صحيفة إيلاف السودانية