عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

من يرى الجدل الهلامي الدائر بين أركان الطبقة السياسية السودانية بشأن الاستحقاق الانتخابي المقبل، وينظر في إصرار المؤتمر الوطني على المضي قدماً في إجرائها بغض النظر عن تبعات ذلك وتداعياته، وتهديد المعارضة بزعامة الحركة الشعبية، الحزب صاحب الحظوتين في الحكم والمعارضة، على مقاطعتها ما لم تتم تلبية شروطها وأيضاً بغض النظر عما يمكن أن يجره ذلك من تعقيد لأوضاع البلاد المأزومة أصلاً، من يرى هذا الجدل العقيم الذي تحكمه حسابات حزبية ضيقة لدى الطرفين، ويفتقر تماماً لرؤية عميقة تتجاوز الحسابات المدفوعة باعتبارات تكتيكية قصيرة النظر، يكاد يحسب من فرط هذا الجدل النخبوي المحتدم أن الانتخابات المقبلة ستمطر حقاً تحولاً ديمقراطياً يقي السودان من شرور الصراع العبثي على السلطة ويؤمن للبلاد واقعاً سياسياً جديداً يحقق الاستقرار والأمن ويخلق مؤسسات دستورية حقيقية تؤسس لحكم دولة القانون والعدالة ولنظام

ديمقراطي فعال.

والقراءة الموضوعية للمعطيات السياسية المتاحة تشير إلى أن الآمال المعلقة على هذه الانتخابات من طرف النخبة السياسية كل وفق شروطه، حتى ولو جاءت مبرأة من كل عيب من ناحية فنية، لن تقود بالضرورة إلى تحول ديمقراطي وإلى خلق دولة مؤسسات خاضعة للرقابة والمساءلة الشعبية، ببساطة لأن القوى السياسية الموجودة على الساحة على امتداد طيفها لا تملك إرادة حقيقية للتغيير وليس أدل على ذلك من أنها جميعاً لا تؤدي فريضة الإصلاح، الفريضة الغائبة في السياسة السودانية، ومن قبيل الوهم انتظار أن يأتي بالتغيير والإصلاح من يفتقرون إليه على مستوى مؤسساتهم الحزبية، ومعلوم بالطبع أن فاقد الشئ لا يعطيه مهما علا صوته بذلك.

ولعل أسوأ صفات الطبقة السياسية السودانية مفارقتها لروح التواضع واعتصامها الأعمى بالمكابرة والمزايدة على بعضها البعض، وافتقارها لفضيلة النقد الذاتي والمراجعة والتصحيح بإرادة صادقة، ولذلك لم تنس شيئاً ولم تتعلم شيئاً وعاش السودان جراء ذلك في حالة تيه لأكثر من نصف قرن من الحكم الوطني.

ومن غرائب قادة الطبقة السياسية السودانية، المعجب كل منهم بنفسه، أنه لا يرى العيوب إلا في خصومه غارقاً في وهم الظن الحسن بزعامته(الملهمة)، لذلك فإن الدعوة للتغيير عند كل واحد منهم هي فرض عين على غيره، ويعفي نفسه وحزبه مما يدعو إليه الآخرون.

ومن المفارقة أن ديمقراطية عريقة مثل ديمقراطية ويستمنستر، التي يزعم دعاة الديمقراطية عندنا وصلاً بها، وهي لا تقر لهم بذلك لأنهم لم يأخذوا منها إلا اسمها ورسمها وأغفلوا عن عمد جوهرها ومخبرها، تشهد الديمقراطية البريطانية هذه الأيام حواراً عميقاً عن ضرورة إصلاح النظام السياسي، خاصة بعد الكشف عن فضيحة نفقات نواب البرلمان، وصل إلى درجة مطالبة نك كليق زعيم حزب الديمقراطيين الأحرار إلى (إلغاء خطاب الملكة أمام البرلمان، والمحافظة على الديمقراطية) كما جاء في مانشيت صحيفة (الإندبندنت) الاثنين الماضي، التي نشرت مقالاً للزعيم الليبرالي بعنوان (لا تضيعوا وقتنا، أدخلوا إصلاحات حقيقية) بين يدي خطاب العرش التقليدي التي تلقيه الملكة أمام البرلمان سنوياً متضمناً مشروعات القوانين التي تعتزم الحكومة تمريرها العام المقبل، واعتبر كليق أن خطاب الملكة مضيعة للوقت وطالب باستبداله ببرنامج طوارئ للإصلاح لتنظيف النظام السياسي، واستعادة ثقة الشعب في نواب البرلمان بعد فضيحة سوء استغلالهم للأموال العامة في بند النفقات المخصصة لهم.

والشاهد هنا أن النظام السياسي الديمقراطي الحقيقي لم يزعم سداته أبداً أنه مبرأٌ من العيوب بأي حال من الأحوال، لكن عظمته وقيمته تكمن من قدرته الذاتية الدينامية على اكتشاف مواطن الخلل، وكشفها للرأي العام، ومن ثم العمل على إصلاح العيوب وليس التستر عليها ومحاولة دفنها، وبالتالي فنحن لا نتحدث عن نظام يوتوبي لا وجود له على الأرض، ولكن المطلوب من الطبقة السياسية السودانية الداعية للتحول الديمقراطي لكي تؤكد جديتها على التغيير والإصلاح أن تعمل من أجل نظام تتوفر له هذه الخاصية الأساسية القائمة على توفر آليات حقيقية لاكتشاف القصور وإصلاحها وليس المكابرة والتستر عليها، وهي للاسف المارسة السائدة في أوساط الطبقة السياسية السودانية لذلك فشلت دائمة في إصلاح حالها، ومن ثم إصلاح حال البلاد.

 ولسنا نبالغ فلم نطالب بسياسيين من جنس الملائكة، كل ما نرجوه سياسيين من البشر الأسوياء الذين يملكون الشجاعة على عدم ادِّعاء مفارقة الطبيعة البشرية، فالحكمة المحمدية للرسول -عليه الصلاة والسلام - أرست مفهوماً رفيعاً (كل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون) والخطأ هنا ليس على مستوى الأفراد فحسب، ولكن كذلك على مستوى الجماعات في أشكالها المختلفة، ولذلك فإن السؤال المهم الذي يجب أن ينشغل به الرأي العام السوداني ليس متى يتم الوفاء بالاستحقاق الانتخابي ولكن ما هي عاقبته؟، سواء تم في الموعد المضروب له أو تأجل لموعد آخر. في ظل عدم تهيؤ أطراف اللعبة السياسية فعليا وجديا للدخول في تنافس سياسي حقيقي يؤدي إلى فرز واقع سياسي جديد معافى في البلاد.

ولا شك أن حالة من الغموض تكتنف مصير العملية الانتخابية، خاصة إذا عمدت المعارضة بزعامة الحركة الشعبية إلى مقاطعتها، وعلى الرغم من مطالبة بعض كتاب الرأي بإجرائها حتى ولو لم تتوفر له الشروط الموضوعية الكاملة لانتخابات حرة ونزيهة، ويرون أن إجراء انتخابات سيئة أفضل من عدم إجرائها على الإطلاق، وأرى في ذلك طرح خاطئ من  بعض قادة الرأي يكرس من غير قصد لاستمرار حالة التلاعب بمصير الوطن التي تمارسها النخبة السياسية، فالانتخابات السيئة ليست أبداً بديلاً للانتخابات كما يجب أن تتم، ولا ينبغي لها أن تكون كذلك، وتصور أن مجرد إجراء الانتخابات بأية صيغة يساعد في تصحيح الممارسة السياسية أمر غير صحيح، بل يسهم في واقع الأمر في تشويه وعرقلة عملية الإصلاح المطلوبة بشدة، ومن المهم أن يضغط قادة الرأي على النخبة السياسية بإتجاه توفير الشروط الموضوعية للتحول الديمقراطي ومساءلتهم على ذلك، إذ لا سبيل للقفز على هذه الحقيقة الموضوعية، وذلك لإن العبرة ليس بإجراء الانتخابات علي أيه وجه فحسب ولكن بعواقبها والنتائج التي ستتمخض عنها، والأمر هنا ليس متعلقا بمن يفوز أو يخسر، ولكن هل يؤدي ذلك إلى تقديم إجابة شافية على السؤال الملح والمهم بشأن انعكاسها إيجابيا على مستقبل البلاد ووجهتها، وأعني هل سيقود الاستحقاق الإنتخابي إلى فرز واقع سياسي جديد في البلاد يتجاوز حالة التيه والاضطراب والاقتتال على السلطة الذي يسود الأجواء حاليا، ويؤدي حقيقة إلى التأسيس لحالة جديدة من الرشد في ممارسة السلطة والمعارضة، وتمكين الحرية المسؤولة وسيادة حكم القانون وحكم دولة المؤسسات الفاعلة والمساءلة والمحاسبة للولاية العامة، وتفتح أفاقا جديدة تضع الوطن على أعتاب نهوض حقيقي في المجالات كافة؟.

أم ستكون الانتخابات المنتظرة بآمال عريضة، متى ما أجريت بغير هدى ونية صادقة للتغيير، مجرد حدث شكلي، يدور في الحلقة المفرغة ذاتها ويعيد إنتاج أزمة البلاد السياسية المستعصية، وتتحول الفرصة من نعمة منتظرة تعيد الأمل للسودانيين في أنفسهم وفي بلادهم، تضع حداً لحالة الهوان التي يعيشها الوطن والمواطن في بلد ممزق بالصرعات والحروب الأهلية، إلى نقمة تزيد النار المشتعلة اشتعالا، والشقاق شقاقا ليتسع الخرق على الراتق، وتضيع بذلك آخر الآمال في حدوث تغيير إلى الأفضل.

ولسنا نقصد بطرح هذا التساؤلات إثارة الغبار، أو رسم صورة سوداوية متشائمة، ولكنه سؤال موضوعي وحاسم وجاد حول مستقبل البلاد ومصائرها، فالسودان يواجه تحديا مصيريا هو الأخطر في تاريخه الحديث، ولم يعد يصلح التعامل مع قضية بهذه الخطورة البالغة بمجرد إبداء النيات الحسنة، أو التفاؤل في غير موضعه بغير عمل جاد، كما لم يعد مقبولا التعامل بعقلية سياسية مناورة تستخف بقضايا البلاد المصيرية، بل يجب ان تطرح بجدية وشفافية في الهواء الطلق، وليس لجهة أو لأحد ان يحتكر الحقيقة أو أن يصادر حق كل سوداني في المشاركة في صنع مستقبل بلاده.

والداعي لطرح هذه التساؤلات هي أن مسألة الانتخابات محاطة بالكثير من المفاهيم المغلوطة والتقديرات الخاطئة والمواقف الملتبسة من أطراف اللعبة السياسية كافة، مما يجعل هناك أسبابا كافية للتحذير من مغبة تحول الانتخابات المقررة من فرصة حقيقية للتغيير والخروج من حلقة الاضطراب والفوضى السياسية المفرغة، إلى ساحة جديدة لتمزيق الممزق وتقسيم المقسم تقود إلى عاقبة أسوأ وأضل.

وأول المفاهيم المغلوطة التي ينبغي تصويب النظر لتصحيحها الزعم أن إجراء الانتخابات العامة المقبلة سيقود إلى إحداث تحول ديمقراطي تلقائي في البلاد حسبما تنص على ذلك اتفاقيات السلام، أو ما تدعو إليه القوى السياسية المختلفة في الحكم والمعارضة، وفي الواقع إن هذا إدعاء عريض بلا سند موضوعي، صحيح أن اللجوء للشعب ليقول كلمته وينتخب من يحكمه هو أحد الوسائل المهمة والأساسية لأي نظام ديمقراطي، وان الاحتكام إلى الانتخابات هو أحد ركائز النظام الديمقراطي الليبرالي، ولكن أين نحن من الديمقراطية الليبرالية الحقيقية وممارستها الفعلية؟.

 والسؤال هنا موجه لأطراف الطبقة السياسية السودانية في أحزابها ومكوناتها المختلفة للأحزاب التاريخية التي ترفع شعارات الديمقراطية، مثلما هو موجه للأحزاب العقائدية التي مارست السياسة بقوة السلاح قبل ان تعلن توبتها وأوبتها إلى المناداة بالديمقراطية.

ذلك أن تحرير مفهوم التحول الديمقراطي وتوطينه، والاتفاق حول أسسه بين القوى السياسية أمر حيوي وحاسم من أجل وضع اسس نظام سياسي عادل ومتوازن وفعال وقادر على مخاطبة الأجندة الوطنية الملحة من أجل السلام والاستقرار والتنمية، والمفارقة هنا أن نموذج التحول الديمقراطي المتداول في الخطاب السياسي السوداني الراهن يرتكز على مفاهيم الديمقراطية الليبرالية وقيمها كما هي ممارسة في الديمقراطيات الغربية، ولا جدال أن في ذلك خلط شنيع في المفاهيم وادّعاء بلا جذور يرتكز عليها ومخالف لواقع النظام السياسي السوداني، فالديمقراطية الليبرالية لا وجود لها، على الأقل حتى الآن، في المشهد السياسي بالبلاد، ولا تستند على قاعدة اجتماعية أو ثقافية أو ممارسة سياسية عميقة الجذور، وكل ما هناك مجرد دعوات منادية بشعارات الديمقراطية والدعوة للتحول باتجاهها دون أن تتوفر الشروط الموضوعية اللازمة لوجودها، ودون أن يكون هناك نظر عميق إن كان نموذج الديمقراطية الغربية مما يصلح للنمو في بلادنا في غياب التزام القوى الداعية لها بأسباب تحقيقها.

ولعل عدم اختبار جدية الممارسة الديمقراطية في النظام السياسي السوداني المرتكز على العشائرية القبلية، والطائفية الدينية، هو الذي أنتج ذلك المسخ المشوه من فترات حكم ضعيف البنية تسمى مجازا بحكومات ديمقراطية، ولعل الصحيح تسميتها بحكومات حزبية، لم تستطع أن تصمد في كل مرة إلا لسنوات معدودة قبل أن تنقض عليها أنظمة عسكرية تنسب للجيش وهي في الواقع ليست سوى أنظمة حزبية بغطاء عسكري، والتاريخ يحدثنا أن تدخل الجيش في الحكم، كما في كل الانقلابات العسكرية التي وصلت إلى السلطة لم تأت سوى نتيجة تآمر أحزاب سياسية، سن معاصيها الحزب الأعلى صوتاً في المناداة بالديمقراطية، واتَّبع سنتها الأحزاب العقائدية من ذات اليسار وذات اليمين، وليس مهمّاً من بعد ذلك تبدل التحالفات وانقلاب السحر على الساحر حيث يتنصل حينها فقط قادة تلك الأحزاب مما اقترفته أيديهم.

والمفارقة المثيرة للعجب في تاريخ النظام السياسي السوداني الحديث أن الإنقلابات العسكرية في السودان لا تنجح إلا إذا كان خلفها حزب سياسي، فيما سجل العسكريون غير المسنودين بغطاء مدني حزبي فشلا ذريعا في قيادة انقلاب ناجح على أي نظام عسكري سبقهم إلى السلطة. إذ لم يحدث أن نجح انْقلاب عسكري صرف.

وثمة تشخيص خاطئ يزعم أن أزمة السودان السياسية المزمنة مردها وجود دورة خبيثة تتعاقب فيها الأنظمة الديمقراطية والديكتاتورية مما فتك باستقرار البلاد، ولكن التشخيص الدقيق للحالة السودانية يؤكد أن تعقيدها سببه أن النظام السياسي تديره عقلية مأزومة واحدة تدور في حلقة مفرغة تلبس مرة لبوس حكم مدني، وفي حالة أخرى ترتدي زيّاً عسكرياً ولذلك تعيد إنتاج الأزمة في كل مرة، ولم تفلح ثورتان شعبيتان في إحداث تغيير حقيقي، ولذلك بقيت الأزمة ماثلة إلى اليوم بل وازدادت تعقيدا.

 وما أوردته آنفا لا يعني أن إقامة نظام ديمقراطي حقيقي في السودان أمر مستحيل أو غير ممكن، ولكنه لن يتحقق أبدا بدون توفر الشروط الموضوعية لذلك، ودون الإنطلاق من نقطة صحيحة، ليس مهماً متى يكتمل البناء الديمقراطي السليم ولكن الشرط الأهم أن تكون هناك بداية جادة في الطريق الصحيح الذي يقود إلى ذلك التحول الديمقراطي. ومشوار الألف ميل يبدأ بخطوة في الإتجاه الصحيح.

وحدوث تحول ديمقراطي لمجرد التشدُّق بذلك من أطراف اللعبة السياسية، أو لمجرد إجراء انتخابات ملتبسة حتى ولو أدت لتغيير الطاقم الحاكم هو وهم كبير، وفي ظل الواقع السياسي الراهن فلا دليل يقوم على أن القوى السياسية تعلمت شيئا من دروس الماضي أوعمدت إلى إجراء عملية إصلاح هيكلي في بنيتها يحقق الديمقراطية في داخلها قبل أن تطالب به غيرها، وتشخيص حالة النظام السياسي السوداني بتركيبته الحالية وممارسته الحزبية المفتقرة لمراعاة تلك الشروط إرهاصاً إلى أننا سنقبض الريح من دعاوى التحول الديمقراطية المطروحة حالياً في الهواء الطلق بلا إرادة ولا  التزام أو مسؤولية، وخروج البلاد من أزمتها السياسية المزمنة تسلتزم إقامة نظام ديمقراطي حقيقي فهو طوق النجاة الوحيد، ولكن ذلك لن يتحقق بالتمنيات وحدها، ولو صدقت النيات، ولا بالإدعاءات الزائفة المتمسحة بأشكال الديمقراطية دون مضمونها، ولا يكفي استلاف المظهر الانتخابي من النظام الديمقراطي لنزعم أن ذلك سيؤدي تلقائيا إلى حدوث تحول ديمقراطي، فالديمقراطية تتطلب بنيات أساسية ليست متوفرة لدينا سواء على مستوى الدولة وأجهزة الحكم أو على المستوى الحزبي، وليست تلك هي المشكلة، بل هي في عدم وجود إرادة سياسية جدية لتمتين بنيات أركان وأسس النظام الديمقراطي.

ومعلوم أن النظام الديمقراطي الحقيقي يرتكز على منظومة متكاملة من قيم الحرية والعدالة والمساواة وحكم القانون وعلى التنافس المشروع والمنظم لتحقيق طموحات الفاعلين السياسيين، وتحقيق التداول السلمي للسلطة واستدامته، كما أن روح النظام الديمقراطي تستمد من الفصل بين السلطات الثلاث التنفيذية، والتشريعية والقضائية..

ومن أزمات النظام السياسي السوداني ذلك الولع المفرط بإصدار القوانين، والظن ان المدخل القانوني هو المعبر للتغيير السياسي، ولذلك نشهد دائما جدلا لا ينتهي، وخلافات مستعرة حول قوانين تنظيم الحياة السياسية، وبقدر ما تنطوي تلك الترسانة من القوانين على أطنان من التعابير المؤكدة على كل القيم المطلوب من إطلاق الحريات، وكفالة حقوق الإنسان، وغير ذلك ولكن كل تلك الحقوق المخطوطة بين دفتي الدستور والقوانين تتحول إلى مجرد كلمات باردة بلا روح لا حياة لها، وتكمن المشكلة الحقيقية في النخبة السياسية تريد من الشعب أن يحملها إلى السلطة دون أن تمنحه القدرة الحقيقية على مساءلتها ومحاسبتها.

 ولئن تعين على السلطة الحاكمة تنفيذ جملة استحقاقات من أجل تحقيق تحول ديمقراطي حقيقي، فإن القوى السياسية في أحزابها المختلفة، المعارضة والحاكمة، تتحمل قسطا مماثلا في إرساء قواعد التحول الديمقراطي، فالأحزاب السياسية القوية هي عماد أية ديمقراطية، ومن دون وجود هذه القاعدة التي يرتكز عليها النظام الديمقراطي يغدو الحديث عن المطالبة بالديمقراطية ضرباً من الوهم من ذلك النوع الذي غرقت فيه النخب السودانية منذ تشكل النظام السياسي السودان منذ  فترة ما قبل الاستقلال،

وليس سراً أن النظام الحزبي السوداني يعاني من اسوأ حالاته، وتستوي في ذلك الأحزاب من كل شاكلة ولون من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، وما حالة التشرذم والانقسام التي طالت الجميع إلا دليل على تكلس تلك التركيبات الحزبية وعجزها عن النمو والتطور ومواكبة متطلبات التحول الديمقراطي، وما لم تعترف هذه الأحزاب بفشلها في تقديم نموذج يجعل من تحقيق الديمقراطية أمراً ممكناً ومستداماً في بلادنا، وتعمد على تصحيح تلك الأخطاء بجرأة وإقدام ومسؤولية، فستظل تلك الدائرة المفرغة حاضرة، ولن تفلح الشكوى من الواقع المأزوم ومحاولة تحميل طرف دون الآخرين و استمرارها، في تغيير هذا الواقع. فأزمة السودان صنعتها أطراف اللعبة السياسية مجتمعة.

ومما يؤسف له أنه لا تبدو هناك بارقة أمل في أداء الفريضة الغائبة، ألا وهي الإصلاح السياسي، فزعماء كل حزب يزعمون أنه يمارس الديمقراطية على أفضل وجه، وان المشكلة تكمن في الأطراف الآخرى، ويستشهد زعيم كل حزب بالمؤتمرات التي يعقدها والشورى التي تمارس فيها، ومن يدرك لعبة المؤتمرات الحزبية في السودان يدرك جيدا أنها آخر ما يستدل به على صحة الممارسة الديمقراطية، فهذه المؤتمرات لا تعدو ان تكون مناسبات (لزوم التصاوير)، وتكريس للزعامات المسيطرة على كل شيء، ولا أحد يجرؤ أن يذكر مثلاً واحداً على أن أيَّاً من تلك المؤتمرات أحدث تغييراً حقيقياً أو جوهريا على أي مستوى، ولذلك نشهد ظاهرة الزعماء الخالدين في أحزابنا السودانية، إذ لا سبيل للتغيير إلا تدخل عزرائيل عليه السلام، أو اللجوء للانشقاقات والانقسامات، أما ما عدا ذلك فكل (زعيم لا بديل له حتى الممات).

اما إذا تحدثنا عن المؤسسات الحزبية فهي الأخرى لا تعدو أن تكون خيال مآتة وظلا باهتا لقيادة الحزب تميل معها إذا مالت يمينا، وتميل يسارا إذا اقتضى الحال ذلك. اقول هذا كله إذا كان التحول الديمقراطي هو الهدف المنشود فعلا، ولكن إن كان التلاعب بهذا الأمر ورفعه مجرد شعار في سوق النخاسة السياسية هو المنشود فلن يزيد الحال إلا وبالا، ولا ضير إن رأت القوى السياسية أن تحقيق متطلبات التحول الديمقراطي أمرا غير ممكن في الوقت الراهن لاعتبارات موضوعية فلا بأس أن يتفق على صيغة أخرى للنظام السياسي تسمى باسمها الحقيقي، نظام تراضٍ، نظام أبوي أو أي نظام آخر يراعي الحالة السودانية بتعقيداتها، ريثما تجد البلاد لها مخرجا آمنا من أزماتها.

 ولكن الإصرار على الإدعاء بان ما تمارسه القوى السياسية حاليا هو الديمقراطية بعينها، وأن ما تزعمه السلطة من أن إجراء انتخابات عامة بالمعطيات الراهنة هي السبيل الذي يقود إلى تحقيق التحول الديمقراطي، فلن يعني ذلك سوى دق إسفين آخر في نعش وطننا المأزوم بساسته، ووأد

أمل وفرصة سانحة للتغيير إلى الأفضل.

 

عن صحيفة (إيلاف) السودانية

18 نوفمبر 2009