عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

 

ما الغرض من الانتخابات؟!.. هل هي مجرد عملية فنية يستخدمها هذا الطرف السياسي أو ذاك ليصل الى السلطة زيد أو عبيد؟ أم أنها عملية سياسية بامتياز تهدف الى خلق واقع سياسي جديد قادر على التصدي للتحديات المصيرية التي تجابهها البلاد وقيادتها بكفاءة ومسؤولية إلى بر الامان؟.

احتدم أوار المعركة الانتخابية مع اقتراب موعد الاقتراع، ولكن للأسف لا يرى المواطنون من العملية الانتخابية إلا جانباً شكليا خالياً من المضمون السياسي، وما تشهده الساحة السيايسة بين يدي الانتخابات لا ينبئ بأية حال أننا مقبلون على وضع سياسي أكثر مشروعية ونضجا تتوفر له المقومات الموضوعية والقدرة على الخروج بالسودان من حالة التيه السياسي، ويحقق قدرا معقولا من الاستقرار ويوفر مناخا مواتيا لمواجهة استحقاقات أخطر فترة يمر بها السودان في تاريخه الحديث.

والمفترض نظرياً ان أهم هدف للعملية الانتخابية الراهنة ان تؤدى الى ايجاد نظام سياسي يستند على مشروعية شعبية غير مجروحة، ليواجه الاستحقاق الأهم وهو مسألة تقرير المصير المقرر ان يجري الاستفتاء بشأنها في غضون أشهر قليلة، وهو استحقاق لا يحدد مصير الجنوب فحسب بل يقرر كذلك في مصير البلاد بأكملها.

والسؤال الملح الذي يطرح نفسه بقوة، هل ما نشهده حاليا في سوق السياسة السودانية يمنح أي قدر من الاحساس بان القوى السياسية المتصارعة على السلطة تملك الحد الأدنى من المعطيات المقنعة بأنها مستعدة فعلا وقادرة على التصدي لهذه المهمة المصيرية؟!. الواقع يقول لا شيء يدل على ذلك، وما يحدث هو تنافس محتدم بين أشخاص في احزاب مختلفة وحتى داخل الحزب الواحد حول من يظفر بالترشح للانتخابات عن حزبه، ولا يوجد أي أثر الى أن هناك تنافسا مشروعا مطلوبا بين القوى السياسية حول برامج سياسية حقيقية وفعلية تخاطب الغرض الحقيقي الذي من اجله تعقد الانتخابات، ما هو برنامج كل واحد من هذه القوى المتنافسة لحل المعضلات العميقة التي تحاصر البلاد، ولا تمنعها من الانطلاق فحسب، بل تهدد كيانها ومصيرها ووحدتها.

وحالة الهرج والمرج السياسي السائدة هذه لم يسلم منها أحد، والحزبان الحاكمان شريكا نيفاشا المؤتمر الوطني والحركة الشعبية لهما القدح المعلى في ذلك، وقوى المعارضة لا تكاد تستبين من فرط عجزها ماذا تفعل.

وحتى لا يبدو الامر إلقاء للكلام على عواهنه أو اطلاقا لأحكام جزافية دعونا نستعرض بعض مواقف اطراف المشهد السياسي الدالة على ما نزعم، ولنبدأ بالمؤتمر الوطني لأنه (كبير اللعبة السياسية) بحكم الواقع الراهن ولننظر في امره، فالحزب لا يبدو متحمساً للانتخابات ومتعجلاً لها فحسب بل لا يفتأ قادته يطلقون التصريحات المؤكدة على أنهم يريدون انضاج تجربة التحول الديمقراطي وتقديم ممارسة سياسية مسؤولة نزيهة وحرة، ولا بأس من اطلاق التصريحات، ولكن هل واقع ممارسة المؤتمر الوطني نفسه يعمل في الاتجاه نفسه الذي يدعو اليه غيره، لانه من المهم جدا لتكتسب دعوة الحزب مصداقية يلزمه ان يقدم النموذج المطلوب، ومن المهم كذلك ان يحسب جيدا مواقفه وخطواته، لأنها تعطي المؤشر لمدى التزامه بما يدعو إليه غيره من القوى السياسية من رشد في الممارسة الحزبية، ولكن كانت أول قصيدته كفراً فما أن أطلق الحزب قائمة مرشحيه في الانتخابات في مستوياتها المختلفة حتى انفلتت التململات والاحتجاجات وسط أعضائه المتطلعين إلى حجز مقاعد في قطار السلطة، وكان أمراً متوقعاً أن يحدث هذا الهرج داخل الحزب الحاكم لأن التنافس المحتدم يجري على مصالح ومكاسب شخصية في غياب برنامج سياسي مفترض أن يكون هدفه خدمة الوطن في هذا الوقت العصيب، فإذا لم تُقدّم عضوية المؤتمر المتشاكسة النموذج في التضحية من أجل المصلحة العامة فكيف يقدم حزبها نموذجاً في الممارسة السياسية الرشيدة، ولعل للمتذمرين عذراً إن لم يروا سبباً للتنازل عن طموحاتهم لغياب معايير قيمية وممارسة حقيقية تؤكد ان حزبهم يعمل من أجل مصالح الوطن العليا، وليس من أجل الحفاظ على سلطة فئة متنفذة ظلت تحتكر القرار فيه على مدى العشرين عاماً الماضية.

والأدهى من ذلك أن ردة فعل قيادة الحزب على الجماعات المتفلتة تعكس بوضوح حجم الأزمة في دوائر قيادة الحزب، فقد حملت ردة الفعل تلك لغة ترغيب وترهيب واضحة، فمن لم يسعه جزرة الترغيب بتعويض ما، فعصا الترهيب جاهزة لمن عصا، لعله كان مفهوماً ولا يعني ذلك بالضرورة انه مقبول أن يستخدم الحزب تلك اللغة في مواجهة خصومه فكيف لا يتورع عن استخدامها في مواجهة أعضائه الملتزمين، ذلك وجه يعكس كما أسلفنا مأزق الممارسة الحزبية المفتقدة للرشد، وهو أمر لا يبشر بخير أبداً.

وثالثة الأثافي في أمر المؤتمر الوطني ذلك القرار المفاجئ بإطاحة نصف ولاة الولايات المنتمين له، في مجزرة سياسية غير مسبوقة، إذ لم يسبق للحزب طوال سنواته العشرين في السلطة أن أقدم على مثل هذا الاجراء، وطالما تمنع الحزب عن مساءلة أو تغيير مسؤوليه الحكوميين حتى وهم يرتكبون أفدح الاخطاء!! ولكن إذا عُرف السبب بطل العجب، وما أعجبه من قرار، فالولاة السبعة الذين أطيح بهم قبل أشهر معدودة من موعد الاقتراع، هم الذين استبعدهم الحزب من الترشيح لمناصب الولاة في الانتخابات المقبلة، ومن المفترض في وجود برنامج سياسي للحزب من أجل المصلحة الوطنية أن يكون ذلك أمراً عادياً أن يرشح الحزب من يراه مناسباً لتأدية هذه المهمة الوطنية المفترض أنها تكليف وليس تشريفاً، وأن تكون درجة التزام هؤلاء الولاة الذين تسنموا مسؤولية كبرى اختارهم لها الحزب في وقت سابق هي أعلى درجات الالتزام فهم من قادة الحزب، ولكن المؤتمر الوطني أطاح بهم لسبب وحيد وهو أنه بات يخشى على مرشحيه في هذه الولايات من أن يتآمر عليهم (إخوانهم) من الولاة الذين لم يتم اختيارهم فيعملوا على إسقاطهم في الانتخابات.

والسؤال البدهي إذا كان الحزب الحاكم يخشى على مرشحيه وفرصهم في الفوز من إخوانهم الولاة الغاضبين، فيا ترى أية فرص يملكها مرشحو القوى السياسية المعارضة التي تنافسهم؟

لقد قدم المؤتمر الوطني بقرار الاطاحة الجماعية بولاته أسوأ مثال على افتقار الممارسة الحزبية الرشيدة، وقدم في الوقت نفسه أوضح دليل على اتهامات المعارضة للحزب بانه يعمل على التأثير على العملية الانتخابية بحيث تصب في مصلحته دون اعتبار لمعايير وقيم النزاهة، وهم محقون في ذلك، فالمؤتمر الوطني يثبت بدليل يقدمه بنفسه يؤكد انه لا يضمن فوز مرشحيه في ولايات يديرها قادته الذين تجاوزتهم ترشيحات الحزب.

لقد كان بوسع المؤتمر الوطني أن يقدم ولو شكليا دليلا على حرصه على نزاهة العملية الانتخابية فيعمد الى اعفاء جميع الولاة ويجعلهم يتفرغون لادارة حملاتهم من خارج مقاعد سلطتهم، وربما كان في ذلك مخرجاً عملياً من الحرج الذي أوقع فيه نفسه بهذه الخطوة الفاضحة لنيات الحزب، فضلا عن أنها تكشف مدى التدني في الالتزام الحزبي، وعدم ثقة الحزب في قادة كان قدمهم للناس.

أما الحركة الشعبية، الحزب الحاكم الآخر، ليست أقل سوءا في تقديم نموذج يفتقر لادنى معايير الرشد السياسي والممارسة الديمقراطية المسؤولة، فالحركة التي طالما تغنت بشعارات التحول الديمقراطي وسيادة القانون، وكادت تقفز بالبلاد الى المجهول وهي تزعم نضالا من اجل قوانين التحول الديمقراطي، وكاد زعماؤها الذين يحدثون السودانيين صباح مساء عن ذلك يقنعون الناس أنها رسول الديمقراطية المنشودة لبلد أنهكته الحكومات الشمولية.

لكن الواقع يقول إن الحركة الشعبية تقدم صورة شائهة للممارسة السياسية تتنكر فيها لكل شعاراتها المرفوعة من اجل الاستهلاك السياسي لا اكثر، لقد كانت اكثر الاشياء غرابة الحكم الذي اصدرته المحكمة الدستورية لتمكين حزب التغيير الديمقراطي المنشق من الحركة الشعبية من ممارسة نشاطه في الجنوب المحظور بقرار من حكومتها، بالطبع من حق الحركة كحزب الا تعترف بالجماعة المنشقة لكن ذلك لا يعطي الحق لحكومة الجنوب لمنع الحزب من ممارسة نشاطه السياسي، اللهم الا اذا كانت ترى في ذلك الحزب منافسا خطيرا تخشى على سلطتها منه، أليس ابسط قواعد التحول الديمقراطي الا تحول السلطة بين القوى السياسية التي تعارضها وبين المواطنين، لماذا تريد الحركة الشعبية، عبر حكومة الجنوب، التي تسيطر عليها ان تحرم المواطن الجنوبي، قبل ان تحرم الحزب المنشق، من حقهم في التعبير عن آرائهم، لماذا لا تترك للمواطنين مهمة رفض الحزب المنشق.

ومضايقة القوى السياسية الاخرى وحرمانها من النشاط السياسي الحر في الجنوب في الواقع ليس حكرا على حزب التغيير الديمقراطي، بل لم يسلم منه حتى حزب المؤتمر الوطني الحاكم وشريك الحركة الشعبية في السلطة، وللمفارقة فقد رأينا المؤتمر الوطني بكل سلطته وجبروته يشكو لطوب الارض العنت الذي يلاقيه منسوبوه في الجنوب على ايدي الحركة الشعبية، ويقف عاجزا عن حمايتهم.

تخطئ الحركة الشعبية كثيراً إن هي ظنت ان بوسعها رفع شعارات التحول الديمقراطي الفضفاضة ثم تنجو بتسلطها وتضييقها على غيرها من القوى السياسية، لقد مضى ذلك الزمان الذي تطلق فيه الشعارات في الهواء الطلق دون ان تكون مستعدة لدفع الثمن إن توانت عن تصديقها بالفعل على ارض الواقع.

والخشية ان تتمادى الحركة الشعبية في قمع معارضيها على الرغم من حكم المحكمة الدستورية وقد تدعو الدكتور لام اكول الى ان «يبل قرارها ويشرب مويته»، ففي ذلك انتهاك صريح وخطير للدستور والقانون.

ولعل ذلك لن يكون الدليل الوحيد على انتهاك الحركة لسيادة القانون وموجبات التحول الديموقراطي ، ونرجو ألا يكون ذلك التصريح لأحد قادة الحركة بعدم  تخلي زعيمها الفريق سلفاكير  عن موقعه في قيادة الجيش الشعبي، وعن رتبته العسكرية قبل دخول المعترك  الانتخابي هو الموقف الحقيقي لزعيم الحركة، والادعاء بأن دستور الجنوب لا يمنع ذلك.. امر غير مقبول، وفي ذلك مخالفة واضحة ومريحة لقانون الاحزاب الذي يحظر على العسكريين ممارسة العمل السياسي، وهو من صميم قوانين التحول الديموقراطي التي ترفع شعاراتها الحركة الشعبية، والحقيقة انه بغض  النظر عن دواعي الانتخابات  فإن احتفاظ رئيسي المؤتمر الوطني والحركة الشعبية بموقعيهما  ورتبتيهما العسكريتين خطأ فادح ظل قائما منذ سريان قانون الاحزاب في العام 2007م،  وهي حقيقة تشير الى ضعف احترام القانون، واحسن المؤتمر الوطني ان صحح وضع رئيسه قبل الانتخابات،  وهو امر جيد وان جاء متأخرا ، ولكن لا يمكن لزعيم الحركة الشعبية ان يستمر في هذا الوضع، لأن ذلك يعني استهانة   لا مراء فيها بالقانون، واصرار الحركة الشعبية على عدم احترام القانون الذي شاركت في صنعه، يقف دليلا آخر على هشاشة قواعد التحول الديموقراطي التي تنادي به. وهذا غيض من فيض فالحركة الشعبية لا تزال تثبت افتقارها  للمسؤولية السياسية، ليس فقط بالتنصل عن دورها في استحقاقات  عملية السلام، بل ايضا في ممارستها السياسية المستندة على رصيد طويل من التلاعب بالقوى السياسية الشمالية المعارضة،  وما تنصلها من مواقفها مع تحالف احزاب مؤتمر جوبا ببعيد.

ولئن كان هذا الحال مع الحزبين الحاكمين، فحال قوى المعارضة الاخرى اسوأ واضل سبيلا ،شأنها لا يحتاج الى كشف حال، وهي تظهر كل يوم عجزها  عن تقديم  بديل لتغيير حقيقي مطلوب بشدة، وقد تحولت من رصيد مطلوب منه ان يقدم املا الى مشارك اصيل في حالة الهرج والمرج السياسي، وتكشف كل يوم عن ضعفها وقد تحولت الى لقمة سائغة يتلاعب بها شريكا الحكم،  يستخدمونها كيفما شاءوا دون ان تتعظ او تتعلم شيئا، وتحولت الى متفرجة على وجه اليقين ما ان كانت تشارك في الانتخابات او تقاطعها،  دعك من ان تكون قادرة على تغيير المعادلة الراهنة،  وحتى الهدف المشترك الذي  يجمعها نظريا لاسقاط حكم المؤتمر الوطني،  وهو على اية حال لا يمكن ا ن يكون برنامجا  في حد ذاته، تفتقر الى الارادة السياسية ليحملها على التحالف من اجله، وتحرك بعض قوى المعارضة فقط بدافع تصفية الحسابات مع المؤتمر الوطني لا يصلح ابدا لأن يكون برنامجا يعتد به، وما تحتاجه البلاد حقا ليس اسقاط هذا الطرف او ذاك، بل برامج سياسية فعلية قادرة على التصدي لمهمة مصيرية هي انقاذ البلاد من مصير التشتت الذي ينتظرها.

وهذه الصورة القائمة للمشهد السياسي ليست من باب التشاؤم بأية حال ولكنها صورة واقعية  لحقيقة ما يجري في الساحة السياسية بدون رتوش او تجميل، ومن عجب الا يراها الناس على حقيقتها، ليكتفوا بالتفرج على المصير المجهول الذي تساق اليه البلاد على ايدي طبقة سياسية تفتقر الى الورع الوطني.  والوعي بهذا الوضع المأزقي امر لا مناص منه للبحث عن السبل الحقيقية لتجنيب البلاد مخاطر الصراع العبثي على السلطة، حتى لا يصحو السودانيون وقد تبخر وهم أن الانتخابات المقبلة ستلد وضعا اكثر مشروعية واستقرارا.

 

عن صحيفة إيلاف السودانية