عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

إن أي حزب مهما بلغ من المجد و أتخذ من ضوابط لنشاطه السياسي ، إلا أن صيرورة الحياة و تفاعله مع الأحداث، تجعله معرضاً الى فتنة السلطان  فيلقى فيها مجالاً خصباً للفتنة الأشد بين أعضاءه . 
 مفاصلة  الأم التي فصلت بين تيارين في الحزب الأتحادي الديمقراطي الأصل  ( أم دوم - أم بدة ) يتناولها هذا المقال  ليس فقط من باب أنها  لم تلقى أهتماماً كبيراً على المستوى الإعلامي ، ولكن  لأنها تلبست للخارج بصورة زائفة و تجملت بشعارات خداعة هي أقرب للوهم التاريخي ،   فأنتجت لنا في الأخير  خلافاً عميقاً  من العدم بين تيارين يحملان نفس الموقف السياسي من السلطة الحاكمة ، وفقد  الحزب بعدها  عدداً كبيراً من أميز و أفضل كوادره . 
فهنالك الكثير من الأمور المختلطة و المتشابه و التي يصعب لأي مراقب عام للأحداث السياسية أن يستوعبها من خلال هذه المفاصلة التي أحتواها   الحزب  ، و لا سيما إن ذكرنا أن النظام المقبور كان يوجه الأعلام و الاخبار التي تخرج من أمرها   الى حيث يريد أن تكون و تسير عليه بوصلة هذا الحزب .
فهذه المفاصلة مثلاً ربما يندهش القارئ عندما يعلم أنها لم تكن بين تيار يرفض المشاركة الأخيرة التي آتى بها السيد الحسن الميرغني والتي جاءت مكافئة له من السلطة لجره إسم أو لافتة الحزب للدخول  في أنتخابات 2015 ، وتيار آخر يقبلها !
بل أنها تمت بين مجموعة  رفضت كليةً  هذه المشاركة ، واعتبرتها غير دستورية ، و أقامت ودشنت لذلك  تيار ممانعة  داخل الحزب بأسم جماعة الأسكلا  ظل يناهضها و يقف ضدها ،  وهو تيار أُعتبر أمتداداً  و تطورا طبيعيا  لذلك الذي  تشكل سلفاً  بعد مشاركة الحزب الأولى  في 2012م  و كان بأسم حركة القطاعات و الجماهير  . 
ويبقى السؤال الأهم هنا و الذي يجب  أن ندخله معمل التشريح التأريخي ، هل كانت  مشاركة  الحزب الرمزية  لنظام الأنقاذ  سبباً جوهرياً و ركنا أساسياً لمفاصلة الأم (أم دوم - أم بدة ) ؟
ظاهر الأمر يجب أن ينبئ بغير هذا خصوصا إذا أعتبرنا أن  كلا التيارين يرفض رفضا باتاً  هذه المشاركة ، ولذلك وجب أن نبحث في بواطن الأمر  لنعرف لماذا تطور الأمر بهذا الشكل السيئ ، والذي أودى  بأنفراط عقد جماعة الأسكلا ليتمخض خلاف أعضاءها عن مفاصلة جديدة قذفت بتيار الى ضاحية أم دوم بشرق النيل  و تيار آخر الى أمبدة غرب أم درمان .
 ولكن وقبل الأجابة على هذا السؤال ، من الأهمية بمكان الوقوف بتفكر و تحليل و تأمل في التمرحل الزمني و السياسي الذي سارت عليه علاقة  الحزب  بالأنقاذ  ثم الجزم أو النفي بعد ذلك  أو حتى ترك الأمر دون هذا أو ذاك ، في أعتبار    المفاصلة كانت إنعكاساً حقيقيا  لهذه العلاقة أو الشراكة السياسية المتأرجحة . 
مرت علاقة الحزب بنظام الأنقاذ بثلاث مراحل تاريخية  مختلفة  كانت  على النحو التالي :
( أ ) مرحلة الحرب و العداء الفاجر .
  ( ب ) مرحلة الوسطية السياسية ورفض الحزب للحلول العسكرية .
( ج ) مرحلة التوهان و التصاهر مع السلطة و التي جاء من بعدها الطوفان .
( أ ) مرحلة الحرب و العداء الفاجر :
بدأت هذه المرحلة منذ يوم اعتقال رئيس الحزب بعد أنقلاب الأنقاذ في 30 يونيو 1989م ومن ثم نفيه خارج البلاد وبدايات تأسيس الحزب مع بقية فصائل المعارضة التجمع الوطني الديمقراطي .
كان شعار هذه المرحلة  الرئيسي و الذي أطلقه رئيس الحزب نفسه ( سلم تسلم ) ، وهو ترجمة لخطط المعارضة التي كان يقودها الحزب  لإسقاط النظام بكل الوسائل الممكنة عسكريا و سياسيا  عبر الأنتفاضة الشعبية المحمية بالسلاح .
أهم ما أنجزه الحزب في هذه المرحلة تحديدا مع بقية الفصائل المعارضة عبر مؤتمر أسمرا للقضايا المصيرية 1995م ، و مؤتمر  مصوع 2000م :
محاصرة النظام وإضعافه و عزله تماما عن المجتمع الدولي ، ومخاطبة جذور أزمة الحرب و السلام ، ثم وضع رؤية سياسية مستقبلية لكيفية حكم البلاد خصوصا في الفترة الأنتقالية بعد إسقاط النظام ، مع العمل على  تطوير التحالف السياسي بين فصائل المعارضة لصالح قضايا وقف الحرب و أنهاء التهميش و التحول الديمقراطي.
أهم عنصر  جعل هذه المرحلة تمتاز بالنجاح والاستقرار و الفلاح السياسي هو وحدة العمل و المصير المشترك التي تأسست على العلاقة الأستراتيجية بين مولانا و قرنق ، أو بين  الحزب و الحركة الشعبية رغم خروج حزب الأمة القومي من التجمع و عقده لأتفاق جيبوتي مع النظام الحاكم و عودة السيد الصادق المهدي للخرطوم عبر عملية أسماها تفلحون .
  ب ) مرحلة الوسطية السياسية ورفض الحزب للحلول العسكرية : (
 في العشرين من شهر يوليو عام 2002 م وقف الرئيس الكيني السابق دانيال آراب موي بين د. غازي صلاح الدين ممثل نظام الأنقاذ و سلفاكير ميارديت نائب رئيس الحركة الشعبية لتحرير السودان وهما يتصافحان بعد التوقيع على أتفاقية سُمِيت لاحقا  ببروتكول مشاكوس . 
وبعيدا عن الخوض في الظروف الدولية التي أنتجت هذا التقارب المفاجئ و الأختراق الكبير في جولات التفاوض  بين الحكومة و  قرنق ، كان وقع هذه الأتفاقية على حلفاء الحركة الشعبية  في التجمع الوطني الديمقراطي عموما و الحزب الأتحادي الديمقراطي خصوصا أمراً قاسيا و مؤلما ، وإن أضطر هؤلاء الحلفاء في الأخير للترحيب بها على مضض  في أنتظار  تنوير من قرنق لفصائل المعارضة من خلال أجتماع مُغلَق  خُصِصَ أن يُعقد  في العاصمة الأرترية أسمرا لمناقشة الدوافع و الأسباب من هذه الخطوة المفاجئة و المحبطة لهم . 
كانت الحكومة السودانية تعلم أن التجمع الوطني الديمقراطي هو عبارة عن شراكة ما بين ( بندقية قرنق)  ببعدها الزنجي الأفريقي و أمتدادها الكنسي المسيحي  و ( كاريزما مولانا السيد محمد عثمان الميرغني  )   ببعدها العربي و أمتدادها الأسلامي بوصفه مرشد أكبر الطرق الصوفية في السودان و أعرق الأحزاب الشمالية  .
 ولذلك كان نظام الأنقاذ أكثر تحمسا لهذه الأتفاقية وبدأ يروج لها في إعلامه على  أنها الطريق النهائي لحل مشكلة الحرب و إحلال السلام في السودان دون طبعا  أن يذكر أو يلمح أو يشير لقضية التحول الديمقراطي ،  لأن استراتيجيته السياسية كانت تسعى وقتها  لتحقيق هدفين :
( الأول ) :   تجريد التجمع الوطني الديمقراطي  من قوته العسكرية  التي تمثل حركة قرنق 80% منها .
 ( والثاني ) :  فصل قضية الحرب و السلام في  الجنوب عن قضية الحريات و التحول الديمقراطي  .
صدمة رئيس الحزب وكل قياداته بالخارج  من إعلان مشاكوس لم تكن فقط وقتها  لمجرد الشعور العاطفي بأن الحركة الشعبية سددت طعنة نجلاء في خصر الشراكة الاستراتيجية المتينة التي جمعت الحزب بالحركة و مولانا بقرنق ، ولكن لأن هذا الإعلان نفسه  كانت ينظر إليه على  أنه سوف يقود الحركة الوطنية  إلى  أمران لا ثالث لهما :
( الأول )   تشييع التجمع الوطني الديمقراطي لمثواه الأخير وتأتي معه قطعا  استراتيجية  إقتلاع النظام من جذوره عبر العمل العسكري و الأنتفاضة الشعبية المحمية بالسلاح ( شعار سلم تسلم ) .
( والثاني )  أن هذا البروتكول كان  يمثل في رأي الحزب  بداية النهاية لحقبة السودان البلد الواحد صاحب المليون ميل مربع من الأراضي  ، و هي القضية المفصلية التي ظل الحزب يسعى و يناضل و يعمل طوال تاريخه السياسي خصوصا في نهاية الديمقراطية الثالثة وخلال فترة التجمع الوطني الديمقراطي  لحلها و تجنب عواقبها الوخيمة .
وكان مما يثير الحزن و الشفقة في آن واحد أن الحزب و قبل توقيع هذا البروتكول المشؤوم  ظل  يتحرك بكثافة في نفس العام  مع شركائه في مصر و ليبيا عبر المبادرة المصرية الليبية  من أجل حل المشكل الوطني بعيدا عن منبر الإيقاد ، أو توحيد المنبرين على أسوأ الفروض  .
تحمس الحزب للمبادرة المصرية الليبية كان أساسه يأتي من رغبته لجر النظام و التجمع الوطني الديمقراطي  لتفادي الكارثة القومية و المطب التاريخي الذي وضعه السودانيين على أنفسهم ( كأول سابقة دولية ) وأقصد هنا  حق تقرير المصير ، والذي ظهر أول مرة كمصطلح في الصراع السياسي الوطني  في إعلان فرانكفورت ( علي الحاج – لام أكول ) ، ثم قُنِنَ عبر الوثائق بعد  إصرار قرنق لتضمينه في مقررات أسمرا المصيرية 1995م ،  حينها   قال  قولته الشهيرة (  أن نظام الأنقاذ الذي بيننا و بينه دماء شعبنا منحنا هذا الحق التاريخي ، فكيف لحلفائنا الذين يقفون معنا في خندق واحد ضد النظام  أن يرفضوه ) !!؟
وقتها رفض الحزب التوقيع على بند حق تقرير المصير ، لكن المؤتمر أقره بالأجماع مع أضافة عبارة ( جعل الوحدة خيارا جاذبا للجنوبيين ) وهي إضافة وضعها قرنق لطمأنة مولانا السيد محمد عثمان الميرغني بأن شراكة الحركة للحزب سوف تنبني عليها  والتي أخُتصرت فيما بعد بمصطلح مشروع ( السودان الجديد ) .  
 ولذلك فإن إعلان مشاكوس كان نهاية دراماتيكية للمبادرة المصرية الليبية وجهود الحزب لإنجاحها و لحقبة ( سلم تسلم ) ، و بداية عملية  للمرحلة الثانية التي أتسم فيها الحزب بالوسطية السياسية  وبدأ يرفض في كل خطاباته الحل العسكري  ويدعو للحل السلمي السياسي   .
أستمرت هذه المرحلة حتى توقيع  أتفاقية نيفاشا  ومنها ظل مولانا يوجه رسائل مبطنة لعضوية الحزب عبر خطاباته و تصريحاته في الأعلام  للأستعداد  لتقبل هذا التحول السياسي الكبير الذي سوف يطرأ على علاقة الحزب بالنظام الحاكم ، خصوصا بعد أن أصبح قرنق  حليف مولانا السياسي الأول جزءا من هذا النظام .
 ويبقى أهم تصريح يمكن أن نتوقف عنده و نعتبره دلالة لطبيعة هذه المرحلة الثانية هو تصريح مولانا الشهير  للأعلام عن رأيه فيما يدور في منتجع نيفاشا فرد قائلا بأنه ( الشريك الخفي )  بين طرفي التفاوض ،  و كان عاملا مسهلاً بينهما لتجسير حاجز الثقة و التوصل لهذا الأتفاق . 
 هذا التصريح  وإن حُمِلَ وقتها على  مَحمَل التندر و السخرية من قبل معظم أطراف الوسط السياسي ، لكنه كان إشارة مهمة حملت  الكثير من الدلالات و الرسائل الموجهة في معظمها لعضوية الحزب ، والتي أراد مولانا أن يقول من خلالها  :
 ( أ ) أنه مازال يثق في الحركة الشعبية كشريك سياسي أستراتيجي ، ويعلم حجم الضغوط الغربية التي مورست عليها للجلوس و الأتفاق مع النظام ولذلك فأن الحزب سوف يقوم  بدعم قرنق في المرحلة القادمة لدعم خيار الوحدة بين الشمال و الجنوب و تحقيق التحول الديمقراطي .
( ب ) إنهاء حقبة القطيعة و العداء الفاجر مع النظام ، تمهيدا لعودة كل قيادات الحزب من المنافي لأرض الوطن و تسجيل الحزب و ممارسة العمل السياسي من الداخل .
: ج ) مرحلة التوهان و التصاهر مع السلطة  ثم  الطوفان (
 بدأت هذه المرحلة منذ أن فقد الحزب حليفه الاستراتيجي  قرنق بعد أن أنتقل  من خانة المعارضة لخانة الحكم ، فبدأ الحزب  لأول مرة  لقاء رموز النظام  وعلى العلن  ، فكان لقاءه مع  إبراهيم أحمد عمر في جدة ، والذي أثمر  عن أتفاق جدة الأطاري بين الحزب و النظام ، تطور بعد شهور قليلة ليشمل بقية فصائل المعارضة في التجمع في أتفاقية برعاية الرئيس المصري حسني مبارك سميت بأتفاق القاهرة .
مهد أتفاق القاهرة لعودة قيادات التجمع  للسودان و العمل من داخله ، وكان الحزب وقتها قد قرر عودة بعض القيادات للخرطوم و التريث قليلا في إقرار عودة السيد محمد عثمان الى حين التأكد من وفاء النظام في تنفيذ بنود الأتفاقية .
كانت معظم قيادات الحزب وقتها لم تستطع كسر الحاجز النفسي العدائي مع النظام ولذلك كانت تؤيد تماما عدم عودة رئيس الحزب للخرطوم رغم الوفود التي كان يرسلها النظام بأستمرار  لأقناع مولانا بأن هنالك مساحات واسعة من الحريات تكفل للحزب ممارسة نشاطه .
ثم جاءت وفاة نائب رئيس الحزب السيد أحمد الميرغني لتكون سبباً لعودة رئيس الحزب للسودان و تدشين نشاط الحزب بالداخل  و ترتيب أحواله و تقنين أوضاعه القانونية عبر تسجيله لدى مسجل التنظيمات السياسية    .
مثل مصرع قرنق ثم أنتخابات 2010 م والتي قامت فيها الحركة بعقد صفقة مع النظام ( قضت بسحب كل مرشحيها من الشمال  مقابل سحب حزب المؤتمر الوطني لمرشحيه من الجنوب ) ، ضغطاً كبيرا و متعاظماً على رئيس الحزب الذي نظر للأمر بأنه الطعنة الثانية التي تسددها الحركة الشعبية للحزب خصوصاً بعد أن أعلنت قيادتها أن الأنفصال عن الشمال هو الخيار المحبب لها والذي  ستعمل عليه فيما تبقى من وقت قليل لبداية الأستفتاء  .  
وقتها عقد المبعوث الأمريكي جون دانفورث و بعده ياسر عرمان و باقان أموم أجتماعان منفصلان مع رئيس الحزب .
في الأول  وضح فيه مولانا لدانفورث تمسك الحزب بوحدة السودان  أرضا و شعبا ، وعن خيبة أمله في الدور الأمريكي الأخير من قضية الجنوب .
 بينما جاء  الأجتماع الثاني  مع عرمان و باقان متوتراً و عبر فيه مولانا عن غضبه الشديد من الخط السياسي الأخير المؤيد للأنفصال و الذي أتبعته الحركة ، حتى صاح فيهم قائلاً : أهذا هو مشروع السودان الجديد الذي كنا نناضل و نعمل له سوية مع الراحل قرنق  ؟
وعندما حصل الأنفصال و أرسلت الدعوات لكل القوى السياسية لحضور أحتفال الحركة الشعبية بأستقلال جنوب السودان  حضرت كل القوى السياسية هذا الأحتفال و رقص الترابي وسط الجنوبيين ، بينما قاطعه مولانا رئيس الحزب وكان الحزب في حالة حداد قومي كبير .
خلاصة هذه المرحلة أن مولانا بدأ ينظر للحزب الحاكم من زاوية أقل عدائية ، ربما كان السبب الرئيسي فيها إحساسه بإنه فشل في المحافظة على وحدة السودان ، ولذلك قبل بمبدأ مشاركة الحزب للنظام على أمل تغيير مواقفه تجاه قضايا الوطن و التحول الديمقراطي .
 ولكن وبسبب فشل هذه الشراكة عبر أتفاقية القاهرة مع التجمع  ، ثم مع الحزب في 2012 م ، ترك البلاد و غادر و تدهور وضع الحزب مع تدهور حالة مولانا الصحية حتى دخل في حالة التوهان لم يعرف بعدها الحزب طريقا لحل مشكلة استعادة الديمقراطية بعد أن خسر سلفا قضية الحفاظ على وحدة الوطن  .
خلاصة القول و آخره :
 في ظل غياب مولانا الكامل عن المسرح الحزبي و بعد المشاركة الثانية 2015م التي قادها السيد الحسن الميرغني ،  دب خلاف في جناح الممانعة ، تحول بعدها  الى مفاصلة ثم أنقسام آخر  أصبح  على إثره وجود  تيار بإسم  أم دوم ( العهد الثاني ) و تيار آخر بأسم  أم بدة ( القيادات التاريخية  ) .
تشكلت  صورة زائفة إعلامياً  حول أسباب الخلاف بينهما لم تُعبر أبدا عن حقيقة الأمر ،  كما حاول أن يروج لها  تيار أم دوم ( العهد الثاني ) لأنصاره و لمن هم خارج  الحزب ، بأنها مفاصلة  حول مشاركة الحزب في الحكومة .
 و الحقيقة   كانت بصورة أدق أن الخلاف بين أم دوم و أمبدة  كان حول كيفية معالجة هذا الأمر ، و الخروج منه مع حسم قضايا أخرى كعلاقة البيت الميرغني بالرئاسة و تغيير جلد الحزب بوجوه معينة تحمل فكر جديد ومغاير غريب عن طبيعة تكوين الحزب   .
تيار أمبدة يمكن أن نقر بأن طبيعة تكوين رموزه و قياداته من  تلك التي عاشت كل مراحل التطور التأريخي لعلاقة الحزب بالأنقاذ ، وكانت على دراية بكل النجاحات و الإخفاقات التي مُنِيَت بها مسيرة رئيس الحزب طوال عقود الأنقاذ .
ولذلك نجد أن هذا التيار  نظر إلى كارثة المشاركة  من بعدها التاريخي الذي ذكرناه ، وأنها في الأخير تعتبر  تطور طبيعي ولكنه سالب في مسيرة الحزب وعلاقته بالأنقاذ ، كان نتاجاً  للأسباب التالية : 
 ( أ )  فقدان الحزب لحليفه الاستراتيجي  الذي كان يعمل معه لأسقاط  النظام وأقصد هنا الحركة الشعبية ، وما ترتب عليه من قرار حل قوات الفتح و فقدان الحزب لورقة الضغط العسكري والتي تعتبر أهم كروت الضغط في السياسة السودانية لأقتلاع الحقوق .
 ( ب )  فشل الحزب في المحافظة على وحدة السودان وهي أهم قضية مركزية ظل رئيس الحزب يناضل من أجلها طوال فترة غيابه في المنفى الخارجي .
 ( ج ) عودة الحزب الأجبارية لأرض الوطن  و التي فرضها أتفاق نيفاشا ، مما يعني أن الحزب سوف يسير و ينشط و يتحرك ضمن سجن كبير يديره النظام . 
( د ) نكوث النظام بعهوده مع الحزب في اتفاقية القاهرة وخصوصا في البنود التي تخص عملية التحول الديمقراطي ، ثم تزويره لانتخابات 2010 م .
 وعليه فإن هذا التيار كان يرى أن كل هذه الأمور السالبة فرضتها ظروف سياسية متعددة أنتجت في الأخير  قرار رئيس الحزب الخاطئ  بمشاركة النظام ،  ولذلك فإن المعالجة المثلى لذلك تبقى مرهونة  بالعودة لمنصة الرئاسة و محاولة جرها لتصحيح هذا المسار ، ولا سيما إذا رأينا حياديتها في الصراع القانوني و السياسي الذي أداره هذا   التيار مع السيد الحسن الميرغني   .
أما تيار أم دوم فكانت نظرته مختلفة  جذريا لمعالجة هذه  المسألة ، ولكيفية تعديلها  ، وهذا يرجع في الأصل  لطبيعة تكوين أفراده الذين  يمكننا أن نحصرهم في ثلاثة فئات  :
( أ ) فئة  من كوادر الحزب  التي شقت طريقها النضالي عبر الجامعات و لم تنصهر كما  لم تمارس العمل السياسي بصحبة قيادات الخارج ، ولذلك فهي ترى نفسها غير معنية بكل تاريخ الحزب النضالي في الخارج ، بما في  ذلك تجربة العمل العسكري للحزب  عبر قوات الفتح .
( ب ) فئة  ثانية   جاءت  من فصائل أخرى ، وهي محمولة أصلا بروح عدائية مسبقة  لرئيس الحزب ، منهم من كان يعمل مع الراحل أ. علي محمود حسنين ومنهم من كان يعمل مع الراحل أ. محمد أسماعيل الأزهري ،  فدخلوا  قبل ثلاثة أعوام في الأتحادي الأصل عند  لحظة إعلان الحزب عن ترتيبات لقيام المؤتمر العام  .
( ج ) تيار ثالث من قطاع الشباب و الطلاب و المهنيين ظل  ينظر للحزب من زاوية صفوية ضيقة ،  و يرى   أن خلاص الحزب و عودته لدوره الطليعي يبدأ بإزالة  البيت الميرغني من سدة رئاسة الحزب ، وعودته  لدور الرعاية  تماما كما كان يعمل مولانا السيد علي الميرغني  .
وعليه فقد كانت  صورة المعالجة وفك الأرتباط بينهم وبين جناح المشاركة و جناح أمبدة بالحزب و التي سلكها هذا  التيار في هذه المفاصلة تترجمت  على النحو التالي :
( أ ) تنظيم مؤتمرات سرية لكل القطاعات يتم اختيار و انتقاء أفرادها أنتقاءا بعد فرزهم جيدا و إبعاد أي عضو متعاطف أو له مجرد ميل لرئيس الحزب ، و إن أضطر الأمر لتزوير الأرادة الشعبية والتمثيل الصادق  لجماهير الحزب  .
( ب ) فصل رئيس الحزب و تعيين هيئة رئاسية بديلاً عنه لحين قيام المؤتمر العام .
( ج ) أعتبار التيار هو الممثل الشرعي للحزب الأتحادي الديمقراطي الأصل ، ومن هم دون ذلك مفصولون من الحزب مروراً برئيسه و الهيئة القيادية و كل رموز  تيار أمبدة .
وكان أغرب الأمور و أعجبها  هو الفقرة (ج)  وهي عندما  تمسك التيار بأسم الحزب ، واعتبار أنفسهم الممثلين الشرعيين له ،  رغم أنهم كانوا يدعون في نفس الوقت  أن هذا  الحزب قد تلوث تاريخه بالمشاركة  ، وأن الحل يبقى بفصل المشاركين وغير المشاركين من  المتعاطفين  مع رئيس الحزب ( المفصول )   وبقاءهم   هم فقط بداخله يحملون إسمه ! 
أخيرا و ليس آخرا فإننا ننظر أن  كلا المعالجتين التي أتخذها هذين التيارين  لم تؤتي أكلها ، وفشلت فشلا كبيرا كاملا  بغض النظر عن صحتها من عدمه .
فتيار أم بدة الذي سار وراء سراب  تصحيح المسار من داخل مؤسسة الحزب أملاً في خروج الحزب من الحكومة  خاب أمله في ذلك ،ولم يتجاوب رئيس الحزب مع الأمر حتى جاءت الثورة وحمل هذا التيار المناضل ( الشينة المنكورة )  مثله مثل  جناح المشاركة الذي تمسك بجلباب البشير حتى يوم سقوطه وأصبحت نظرة الشعب السوداني لكلا الكتلتين سيان !
 وأما  تيار أم دوم فلم يستطيع أن يسرق الحزب أو جماهيره  من زعيمه كما يظن و فشلت تجربته في الاستحواذ عليه   فشلا ذريعا ، حتى  جاءت الثورة فبعثت هذا التيار من موته ،  فحمل رموزه ( الجمل بما حمل )  وساروا  ببضاعتهم هذه  للفصائل الأتحادية الأخرى ، مشكلين التجمع الأتحادي الديمقراطي المعارض ، فضمنوا مقعدا وثيرا في إعلان قوى الحرية و التغيير وأعتلوا المنابر يحدثون الناس عن أدب الثورات و تاريخ نضالهم دون أن ينسوا طبعا لصق كل سوءات هذا العصر الأنقاذي في الحزب الذي خرجوا منه .