ما يسمى بالمجتمع الدولي هو كناية عن سطوة الولايات المتحدة الامريكية على القرار والفعل في العالم. فقد استطاعت ان تبني منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية شبكة أخطبوطيه سيطرت بها على مقاليد الأمور خصوصا بعد سقوط الاتحاد السوفيتي.
فهي التي انهت عزلتها المجيدة وتدخلت لحسم الحرب العالمية الثانية بإنزال قواتها في النورماندي. وضربت هيروشيما وناكازاكي بالقنابل النووية، وهي التي اعادت بناء أوروبا الغربية واليابان اللتين دمرتهما الحرب من خلال مشروع مارشال. وهي التي وقعت مع ونستون تشرشل في 4 ابريل 1949 اتفاقية إنشاء حلف شمال الأطلنطي (الناتو) للدفاع عن أوروبا الغربية من غزو محتمل من قوات سوفيتية. وهي التي اقامت مؤسسات بريتون وودز المالية (البنك وصندوق النقد الدوليين) والتي هيمنت بهما على الاقتصاد العالمي استنادا على مفهوم اقتصاد السوق. واحتفظت على مدى نصف قرن من الزمان بما يقرب من نصف مليون جندي في غرب أوروبا بحجة حمايتها.
كل هذه الخطوات التي اتخذتها تباعا جعلتها في موقف تملي منه ارادتها على الدول الغربية أولا ثم على الكثير من دول العالم وخصوص تلك المصنفة ضمن نطاق العالم الثالث.
قوتها الاقتصادية المستندة على التكنولوجيا الرقمية وأسواق المال جعلت منها بعبعا يخيف كل من أراد أن يختلف معها حتى لو في بعض التفاصيل.
فهي التي تضغط على الدول الاوربية للانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني بعد أن قرر رئيسها بأن ذلك الاتفاق، الذي وقعته خمس دول أخرى، كان من أسوأ الاتفاقات التي ابرمتها أمريكا مع جهة ما.
وهي من يحدد الدول التي تتعامل مع إيران او فنزويلا او كوبا او سوريا او كوريا الشمالية وفقا لما تضفيه عليها من تصنيف او ما تفرضه عليها من عقوبات تستطيع أمريكا تنفيذها من خلال سوق المال في نيويورك.
وهي بذلك تزدري كل ما توافق عليه العالم بعد الحرب العالمية الثانية بإنشاء منظمة الأمم المتحدة التي انيط بها إدارة السلم في العالم وتنظيم العلاقات الدولية بين الدول الأعضاء.
استطاعت أمريكا أن تهمش دور الأمم المتحدة عن طريق حق النقض (الفيتو) في كل ما يتعلق بإسرائيل، لذا أصبحت هذه الدولة أكثر دول العالم خرقا للقانون الدولي.
ومع الهيمنة الاقتصادية والسياسية التي فرضتها على العالم أصبحت كلمة امريكا هي العليا. لذا لم يكن غريبا أن تنساق دول مثل ألمانيا بريطانيا وفرنسا، والاخيرتان من بين خمس دول دائمة العضوية في مجلس الأمن، خلف قرار الولايات المتحدة الذي يستهجن صدوره من دول كهذه أي مبتدئ في السياسة الدولية. وأعني بذلك قرارها بخصوص المشكلة الداخلية في فنزويلا.
رجل هو رئيس برلمان وزعيم معارضة يعلن نفسه رئيسا للجمهورية لدولة رئيسها منتخب من قبل الشعب وليس هناك في دستورها ما يعطي البرلمان الحق في عزل الرئيس، ناهيك عن منح رئيس البرلمان الحق في إعلان نفسه رئيسا للدولة حتى وإن شغر المنصب بالموت او الاستقالة او الإقالة.
تُسرع الولايات المتحدة، لأسباب تخصها، بالاعتراف به رئيسا، وتبقى الفضيحة الكبرى عندما تتبعها الدول الأوروبية بل البرلمان الأوروبي في الاعتراف بشرعية رجل أعلن نفسه رئيسا دون استعمال أية آلية قانونية لذلك العمل، سواء مكبر صوت كان يحمله بيده.
لا أدرى اين ذهب العقل السياسي الغربي الذي كنا نعتقد إلى وقت قريب أنه عقل قائم على المنطق والحكمة بعد أن علمته الحربان العالميتان كيف يزن الأمور بميزان العقل؟
في مقابل ما حدث في فنزويلا هناك شعب اعزل يناضل منذ أكثر من 30 عاما ضد شخص سطا على السلطة بليل، واعترفت الولايات المتحدة وأوروبا الغربية بأنه مجرم حرب لقتله، باعترافه، مئات الآلاف من أبناء شعبه، والمجتمع الدولي يراه اليوم يحاول قتل ما تبقى من ذلك الشعب. رغم ذلك لا يحرك الخطر الماثل لشعب السودان امام القيادة العامة في الخرطوم، خلجة في ضمير العالم الغربي.
وكان من حسن وعي وإدراك الشعب السوداني أنه لا يعول كثيرا على ما يسمى بالمجتمع الدولي، فقد عرفه في دارفور، بل امسك زمام الأمور بيده ولن يحتاج لمن يتدخل لمساعدته في إزاحة الكابوس الجاسم على صدره.
تحمّل بصبر وجلد تلك السنوات العجاف التي مرت به في ظل هذا الحكم البغيض، وكثيرا ما أصابه الإحباط من موقف المجتمع الدولي الذي يهتم فقط بحماية مصالحه الاقتصادية والاستراتيجية، لذا كان هاجسه الإرهاب، حيث اعتقد، جهلا، أن صلاح قوش هو من سيحميه منه، او من الهجرة غير الشرعية لأوروبا التي تقول الجغرافيا إن السودان ليس له الكلمة الأخيرة في وفقها لأنه ليس معبرا سوى لدولتي اثيوبيا واريتريا بينما يأتي معظم المهاجرين من غرب ووسط افريقيا ويقطعون بحر الروم من موانئ لا يسيطر السودان عليها.
المجتمع الدولي إذا شاء أن يتدخل سيكون ذلك لحماية مصالحه وليس لحماية الشعب السوداني. فما دَخَل ذلك المجتمع المسمى دوليا في مشكلة إلا وزادها استفحالا، ويكفينا ما حدث في رواندا وليبيا وسوريا والعراق.
ثورة حتى النصر
وتسقط بس ولو كره المجتمع الدولي

محمد موسى جبارة