ربما يجد القاري الكريم في هذا العنوان ثمة إشكالية مفاهيمية ونظرة تشاؤمية للأحداث التي تجري في بلادنا العزيزة، ربما أن مصطلح (الهامش) قد يثير حفيظة البعض خاصة الذين اعتادوا على الاقصاء الجغرافي، لذلك لا يحبون المقارنة بين المكونات الجغرافية المختلفة في السودان ومقدار تأثيرها على الأوضاع، أيضا قد يكون العنوان قد تسبب في ازعاج نفسي وذهني لهذه الثلة التي ظلت تحكم السودان منذ الاستقلال في 1956م وحتى قيام الثورة المباركة، هي نفسها التي نعنيها بمقالنا هذا بما تمارسه من اقصاء وابعاد للآخرين وقد ترتب على ذلك الكثير من المظالم التاريخية التي روعت جزءا كبيرا من الشعب السوداني.

بداية لابد من الذكر بأن مصطلح (المناطق المهمشة) كان قد بدأ تداوله في السياسة السودانية منذ بيان الحركة الشعبية (المانفستو) الصادر بتاريخ31 يوليو983م، حيث حدّد المناطق المهمشة بأنها كل السودان ما عدا وسطه في ذلك الوقت -مديرية الخرطوم ومديرية النيل الأزرق- حيث توجد العاصمة ومشروع الجزيرة، كما حمّل البيان الاستعمار البريطاني مسؤولية تهميش تلك المناطق، ثم حمل المسؤولية من بعد الاستعمار لما أطلق عليه (أنظمة شُلل الأقلية) في الوسط بداية استقلال البلاد (المصدر- موقع السودان اليوم – الالكتروني)، لكن بعد مجي النظام المندحر في 1989م أصبح (الوسط) نفسه مهمشا من أقلية (شمالية)، هي نفسها منبوذة في محيطها الجغرافي.
بعد قيام ثورة الشعب في ديسمبر المجيدة 2019م التي ازدانت بدماء الشهداء الكرام الذين قدموا انفسهم رخيصة من أجل وطن يحتضن كل أبنائه، حرية وعدالة وأمن اجتماعي، كان التفاؤل سيد الساحة خاصة وأن تجمع الشعب في الاعتصام التاريخي قد ذوّب وصهر كل الاختلافات الاثنية والجغرافية والثقافية، وأنشد الجميع بصوت واحد رائعة الشاعر المجيد محجوب شريف:
ﺣﻨﺒﻨﻴﻬﻮ ﺍﻟﺒﻨﺤﻠﻢ ﺑﻴﻬﻮ ﻳﻮﻣﺎﺗﻰ.. ﻭﻃﻦ ﺷﺎﻣﺦ ﻭﻃﻦ ﻋﺎﺗﻰ.. ﻭﻃﻦ ﺧﻴّﺮ ﺩﻳﻤﻘﺮﺍﻃﻰ
وجاءت الخطوات التي اعقبت قيام الثورة بطيئة جدا على غير المتوقع، وبايقاع جنائزي كأنما الثورة لم تقدم شُهداء، وكأنما أسر الشهداء لم يخرجوا للشارع ليفخروا بفلذات اكبادهم الذين روا أرض السودان بدمائهم الطاهرة، الكثير من الملفات المهمة المرتبط بمصائر الناس تأخذ معالجتها الوقت الكثير، نعم لا زال انصار النظام السابق البغيض منتشرين في دولاب الدولة، وفي المراكز المهمة والحساسة التي تسهم في تصريف الأحوال، ثم بدأت الصراعات بين العسكر والمدنيين، برغم النفي المتواصل لهذه الصراعات إلا أن تأخير الكثير من المعالجات يؤكد أن هناك من يعرقل بقوة تحقيق الأهداف التي اتفق عليها الجميع.
ربما نجد الأعذار الكثيرة للحكومة الانتقالية لأن هناك عدو لا يُرى بالعين المجردة، ويختبى في دهاليزالحُكم وفي مؤسساته الاقتصادية والأمنية والعسكرية، عدو يمتلك الكثير من الأدوات المهمة التي تمكنه من أن يعرقل مصير البلاد، لكن لا نجد عذرا واحدا للتلكك والمماحكات في ملف السلام حيث المفاوضات التي تنعقد في مدينة جوبا منذ أواخر العام الماضي، والمراقب لهذه المفاوضات يدرك أن هناك تعمد واضح في عدم إعطاء المناطق المهمشة حقوقها الطبيعية التي يفهمها أي انسان عاقل، ولا تحتاج بالضرورة لعلماء سياسة أو اجتماع، إن صورة الجغرافية السودانية واضحة المعالم بحيث تسهل عملية توزيع الثروة والسلطة.

أعطيناكم وأعطيناهم..!!
عندما تشتد عملية التفاوض يخرج من ثلة أقلية من يعطِي نفسه صفة المُعطي الأوحد حينما يذكر مفردة – أعطينا- -اعطيناكم- واعطيناهم نسبة كذا في المائة من السُلطة، ذات النفس العنصري المتعالي، وذات الإحساس بالتضخم والتكّبُر، الذي يعني بأن القرار في يده هو، وما على الآخرين إلا القبول أو الرفض، ومن هنا يأتي السؤال الطبيعي جدا..؟!، من أنت..؟، ومن الذي نصّبك كواهِب ومُعطي؟ّ، وماهو وزنك الجغرافي القيمي، أعتقد أن هذا السلوك هو نفسه الذي انطلق منه الحرامية أمثال علي كرتي وعبدالباسط حمزه وغيرهم عندما سطوا على الأراضي، وقد أعطوا أنفسهم الحق في امتلاك كل أراض السودان، لأنها تعود لهم باعتبارهم " شعب الله المختار"، أما البقية ليس لهم إلا الطاعة فقط، أو يذهبوا للجحيم..!.
هذه الأساليب الفاجرة استمدت للأسف من الممارسة التقليدية لأنظمة الحكم في السودان ومن ادبياتها ومن موروثها، لذلك لم يكن عدلا في الأنظمة السابقة جميعها التي تعاقبت في حكم السودان انها كرست للمركزية المطلقة، وبشكل خاص نظام الطغمة المندحرة التي تجاهلت الأطراف بشكل متعمد برغم انها كانت تعتمد لفترات طويلة على ما تنتجه جغرافية الهامش، حتى أصبحت قضية التهميش واحدة من المعضلات التي أدت إلى انفصال جنوب السودان، وبالتالي هددت الأقاليم الأخرى وخلقت جفوة واضحة بين أهل الهامش والحاكمين في المركز.

ثلة من أقلية..!!
إن التمادي في المُماحكات وتضييّع الوقت لفرض أمر واقع لا يجدي نفعا، واصبح من العسير جدا القبول بعرقلة الحلول العادلة في السودان، لأن عملية التنمية المستدامة مرتبطة بشكل وثيق بما يتمخض عنه من اتفاق بين الأطراف المختلفة في مدينة (جوبا)، وفي اعتقادي الشخصي أن شعوب الهامش السوداني قد صبرت كثيرا، أكثر من 60 عاما ونيف على الظلم الواضح والبيّن أهمها سرقة الموارد المالية، ونحن عندما نتحدث عن شعوب الهامش نعني شعوب الغرب دارفور وكردفان وجبال النوبة، وكذلك النيل الأبيض، والنيل الأزرق، والشرق كسلا والقضارف والبحر الأحمر، وحتى الوسط والشمالية، ما يعني اننا نتحدث عن أكثر من 95 في المائة من شعوب السودان، تحكمهم ثلة من أقلية لا تضمر خيرا للسودان وأهله جل همهم حيازة المال العام والأراضي الشاسعة والتمتع بالحياة الرغدة على حساب آهات ودموع ودماء باقي أهل السودان، وقد عشنا ذلك واقعا طيلة حُكم العصابة المندحرة.
إن شعوب الهامش التي يتم تجاهلها والتكبر التعالي عليها تمتلك كل الأراضي الغنية والمياه والثروة الحيوانية والغابية والصمغ العربي، والمعادن ومن أهمها الذهب، كما تمتلك الانسان المنتج الذي يحب أرضه، والخبرات في كافة المجالات، بالنظر إن العقود الثلاث الماضية التي تهجّر فيها شعبنا بين الأمصار، الآن قد اصبحوا كفاءات عالمية في جميع المجالات الحيوية، ولعل بعض وزراء الحكومة الانتقالية مع رئيس الوزراء د. عبدالله حمدوك جزء من هذا الكم الهائل من الخبرات الوطنية، هذا فضلا عن العنصر البشري الذي اشتهر بالنجاعة في العمل العسكري منذ قرابة المائة عام كمحاربين أشداء تعرفهم ساحات الوغى في الحرب العالمية الثانية كلهم محسوبين على أهل الهامش.
من خلال الرصد والمتابعة الدقيقة لحوالي 20 عاما وبكل أمانة وصدق أقول أن قيادات مناطق الهامش أو في الحركات النضالية الرئيسية المعروفة، كانوا دائما هم الذين يطرحوا القضايا الوطنية المهمة، التي توحد شمل السودانيين، وكان حرصهم شديدا على السلام الذي يعم البلاد ويٌرجع الأمور إلى نصابها الصحيح، تاريخيا نجد أن الثورات الوطنية دائما تأتي من أهل الهامش (علي عبداللطيف).
دور الهامش في الثورات الوطنية والدعوة للاستقلال
إن الدعوة للاستقلال الكامل عام 1955م جاءت من ممثلي الهامش، لذلك قرر الزعيم اسماعيل الازهري القيام بطواف على الإقاليم الغربية للبلاد، وفي الاستقبال الجماهيري في جنوب دارفور استقبله مئات الألوف من الفرسان يهتفون "عاش السودان حراً مستقلاً" فى منظر رهيب وداوى تأثر به الأزهرى، وفي ذلك الحفل الكبير تقدم نائب المنطقة في البرلمان لدائرة غرب نيالا السيد عبدالرحمن محمد إبراهيم دبكة وألقى كلمته مرحباً برئيس الحكومة وأعضاء وفده ترحيباً حاراً، وفى ختام كلمته هتف "عاش السودان حراً مستقلاً"، فرعدت السماء بالهتافات الداوية، وعلى أثر زيارته للغرب اقتنع الازهري برغبة السودانيين في الاستقلال الكامل من المستعمر.
وفي يوم 19 ديسمبر 1955م داخل البرلمان تقدم النائب السيد عبدالرحمن محمد إبراهيم دبكة بقراءة اقتراح أعضاء البرلمان بإعلان الاستقلال الكامل من دولتي الحكم الثنائي، وقد أثني على هذا الاقتراح التاريخي السيد مشاور جمعة سهل ( نائب دارحامد غرب) استنادا إلى الرأي العام السوداني كله ممثلاً في هيئاته وصحفه، فكان الاستقلال، وحقيقة أن أهل الهامش كانت لهم مساهمات قوية وفعّالة في نيل الاستقلال وهنا لا ننسى أبدا أن أول حراك وطني قوي في العصر الحديث كان قد ابتدره البطل علي عبداللطيف الذي أسس حركة سياسية قادت لأول مظاهرة من نوعها ضد الحكم الثنائي في السودان، والتي تكللت باندلاع ثورة اللواء الأبيض في 1924م، كل هذا يعني أن شعوب الهامش تمثل الضمير الحي في الأمة السودانية وهم الرقم الصعب الذي لا يمكن تجاوزه.
وحدة الاعلام الالكتروني
إن قيادات الهامش في الوقت الراهن كانوا على الدوام مهتمين بقضايا مناطقهم ويعتبرونها شيئا مقدسا في أجندتهم، وان تجارب الكثيرين منهم مع النظام السابق كانت مُشرّفة جدا، لم يتنازلوا عن أطروحاتهم، لذلك كسبوا احترام شعوبهم، واحترام غالبية أهل السودان، برغم ألة الاعلام التابعة للنظام البائد وحتى هذه اللحظة وحدة الاعلام الالكتروني موجودة تحاول جاهدة ضرب مصداقيتهم والتشكيك في نواياهم، إن النظام السابق قد صرف المليارات من الدولارات في تأسيس حركات مسلحة وهمية تخدم أجندته، المتمثلة في خلط الأوراق وضرب مصداقية الحركات المسلحة الحقيقية، تماما كما صنع العشرات من المسميات لأحزاب وهمية غير موجودة على أرض الواقع لمنع الأحزاب السياسية في البلاد من أن تلعب دورها الحقيقي في الساحة.
في مقابل الدور الوطني الكبير لقيادات الهامش نجد أن ثلة أقلية تمارس ذات الألاعيب والممارسات لاكثر من نصف قرن من الزمان، وكان من الأصوب ومن المنطق أن هذه الثلة تحترم نفسها ووزنها، وأن تحترم رغبات أهل الهامش في الحرية والتغيير والمساواة من أجل نماء كل السودان وليس الهامش فحسب، عليهم أن ينظروا بعين التقدير والاحترام لأهل الهامش وقياداتهم الذين ضربوا أروع الأمثلة في الصبر على مظالم كل الأنظمة السودانية السابقة، إن ما تمتلكه قوى الهامش من إمكانيات بشرية ومن رؤى اقتصادية وسياسية واجتماعية، وموارد مالية ضخمة كفيل بحكم السودان إذا ما واصلت هذه الفئة تعنتها وتكبرها وتعاليها على الآخرين..!!.
وفي ظني أن قُوى الهامش بعد عام 2020م قد اختلفت كثيرا عن عام 2000م ذلك لان تلك الفترة لم تكن قد ظهرت بعد إمكانياتها الفكرية والمعرفية والعسكرية والدبلوماسية، ذلك لان المعادلة قد تغيرت كثيرا، فإن هذه القوى إذا حكمت السودان بلا شك سيتحقق الكثير من الإنجازات الاقتصادية لما لبلادنا من إمكانيات ومن مؤهلات ومن كفاءات، وبما لدى قوى الهامش من إحساس بالمسؤولية الوطنية، ونظرتها الشمولية لكل مناطق السودان وليس جزء منه، الأمر الذي سيؤدي إلى طفرة كبيرة للسودان وتعود به إلى الزمن الجميل في حضوره العالمي الاقتصادي والسياسي، وما ذلك على الله ببعيد.

29 أبريل 2020م

خالد ابواحمد

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.