عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عمود : محور اللقيا
أحد معارفي يعمل في متجر ( بقالة ) قال لي أنه في مرة قد أتى إليه في داره أحد أصدقائه بسيارته الفارهة و طلب منه أن يذهب معه ليريه مكان عزاء يعرفه فدلف إلى غرفته و تهندم كصديقه صاحب الفارهة , و في طريقهما إلي بيت العزاء توقفا لشراء قارورة ماء فزاد صاحب البقالة سعرها إلى النصف و هنا أخبره الراوي أنهما زملاء مهنة و لا يحق له بيعها لهما بزيادة النصف , فرد عليه صاحب البقالة ضاحكا : ( إفتكرتكم من لبسكم و عربيتكم فارات !! ) و تناول منه ثمن قارورة الماء بدون زيادة .
حقا الأسعار صارت بلا ضابط ولا رابط و صار لكل متجر أسعار تختلف عما في متجر آخر , حتى البضاعة و هي على الأرفف يزداد سعرها يوما بعد يوم مع أن الأمانة تقتضي أن يتم تحديد سعر بيع السلعة بناءً على فاتورة شرائها و لكن للتجار منطق مخالف و يعللون زيادة أسعارهم بأن أسعار بضاعتهم الجديدة في تزايد و الأمر يتطلب توفر النقود لديهم و أن أسعار السوق من حولهم و المواصلات و الإيجارات في تزايد . بإختصار صار كل صاحب سلعة يزيد سعر سلعته ليزداد دخله و صار الخاسر الأكبر هو المواطن ذو الدخل المحدود الذي لا يعمل بالتجارة .
كما بيّن أبو الإقتصاد الرأسمالي آدم سميث فإن سعر أي سلعة يتحدد بقانون العرض و الطلب إذا خلا السوق من الإحتكار و من الندرة بحيث يصبح السوق معافى لسياسة تحرير الأسعار . في الإقتصاد الإشتراكي تتولى الدولة تحديد أسعار السلع بناء على تكلفة الإنتاج أحيانا و أحيانا بناء على سياسة دعم السلع الحيوية لتقليل أعباء المعيشة على مواطنيها . بعض الدول كدولتنا السودانية كانت تأخذ بسياسة إقتصادية مشتركة ما بين الرأسمالية و الإشتراكية فكانت تدعم بعض السلع و تترك سلع أخرى للعرض و الطلب , و لكن فقد نحت دولتنا منحى الإقتصاد الرأسمالي و رفعت الدعم عن سلع كثيرة مثل الوقود و الخبز و الدواء و العلاج و الكهربا و الماء . في الإسلام يتم تحديد سعر السلعة بتحديد الربح الحلال من فاتورة شرائها أو تكلفتها بأن لا يتخطى ال 30% , فهل هذا مطبق عندنا ؟ نحن نتعايش هذه الأيام مع أزمة شح الوقود و الصفوف الطويلة أمام طلمبات البنزين و الجازولين و معاناة المواطنين من المكوث لساعات طوال من اجل التزود بالوقود و أحيانا ينفد الوقود فيضطر المواطنون إلى إنتظار حمولة من الوقود جديدة غير معروف متى تأتي أو التوجه إلى محطة أخرى و ركوب صفها من الآخر . الملاحظ أن أسعار الوقود لم تطالها زيادة جديدة لكن صعوبة الحصول عليه أدت إلى زيادات في تعريفة المواصلات و في النقل عامة مما زاد من أسعار السلع المنقولة .
لقد شكا السيد وزير التجارة لطوب الأرض من إرتفاع الأسعار الذي أوشك أن يصل إلى مرحلة الفوضى , و من أجل محاربة هذه الفوضى فقد فتح باب الإستيراد من أجل محاربة الندرة المؤدية إلى إرتفاع الأسعار , و زاد على ذلك بأن دعا إلى تكوين آلية لرقابة السوق و تحديد الأسعار , و هذا يعني أن توضع ديباجة على كل سلعة تحدد سعرها . هذا في نظري إعلان من وزير التجارة عن فشل سياسة تحرير الأسعار و العودة إلى تحديدها بواسطة الدولة ! لكنني هنا يتراءى الدولار أمام عيني الذي عصي علي الحكومة كبح جماح إرتفاع قيمته أمام الجنيه السوداني بسبب عجز بنك السودان عن توفير غطاء نقدي منه تثبت به قيمته , فدخل الصادرات من العملة الصعبة صار لا يتعدى بضعة مليارات و لا تتراءى وديعة في الأفق قادمة من الخارج لتثبت قيمة الدولار و لو إلى حين , و لذلك فسوف يزيد إرتفاع الدولار الذي زاول إرتفاعه رغم محاولة خفضه بتجفيف السيولة إلى إرتفاع الغلاء الذي هو مرتفع أصلا مع فوضى الأسعار و الجبايات و سوف يؤدي كل ذلك إلى إرتفاع مؤشر المعاناة للمواطنين , فغلاء الأسعار طريقه يؤدي في إتجاهه الواحد إلي حتمية الجوع , و ماذا بعد تفشي الجوع غير الفوضى ..
أخيرا أكرر و أقول : إن الحل لكل مشاكل السودان السياسية و الإقتصادية و الإجتماعية يكون في العودة إلى مكون السودان القديم وهو التعايش السلمي الديموقراطي بين العروبة و الأفريقانية و التمازج بينهما في سبيل تنمية الموارد و العيش سويا دون إكراه أو تعالٍ أو عنصرية . قبل ألف عام كانت في السودان ثلاث ممالك أفريقية في قمة التحضر , و طيلة ألف عام توافد المهاجرون العرب إلى الأراضي السودانية ناشرين رسالتهم الإسلامية و متمسكين بأنبل القيم , فكان الإحترام المتبادل هو ديدن التعامل بين العنصرين العربي و الأفريقاني مما أدى لتمازجهم و كان نتاجه نحن , و أضحت هويتنا هي السودانوية . إن العودة إلى المكون السوداني العربي الأفريقي اللاعنصري تتطلب تغييرا جذريا في المفاهيم و في الرؤى المستحدثة و في الوجوه الكالحة التي ملها الناس