ستكون مشكلة النازحين واحدة من أكبر المعضلات التي ستواجه عملية السلام ، وحيث أن السيد رئيس الوزراء الموقر د. عبدالله حمدوك أكد غير مرة انه لا توجد لديه سقوفات لدفع استحقاقات السلام ، سيكون من المفيد تسليط الضوء علي قضية النازحين نظرا للتعقيدات السياسية والديمغرافية والإقتصادية التي تكتنف هذه القضية وتحتاج لإمعان النظر فيها ليس من هذه الزوايا فحسب، وإنما من منظور استدامة السلام نفسه وما يرتبط به من تنمية واستقرار ، فإذا تم إدراك التكلفة العالية لعملية السلام ، ستكون عملية استدامته أكثر كلفة وربما موجعة وتحتاج لحلول مبدعة ومؤسسات حقيقية تدعم عميلة بناء السلام وكافة استحقاقاته. 

يستوجب الحديث عن قضية النزوح في البدء إعطاء تعريف عام بمن هم النازحين ، والفرق بينهم وبين اللاجئين .... لَمّا صارت قضية النزوح أمرا مؤرقا للأسرة الدولية بعد تنامي موجاته في العديد من الدول لاسيما في دول العالم الثالث ، تم عقد المؤتمر العالمي لمعالجة مشكلة اللاجئين والعائدين والنازحين في أفريقيا في العام 1988م بمدينة أسلو بالنرويج ، ففي حين كان تعريف اللاجئين واضحا لدي الأسرة الدولية ومنذ بداية الخمسينات من القرن الماضي حيث توافقوا علي أنه (التحرك من مكان الإقامة الأصل وينتهي الي مكان خارج حدود الدولة) بمعني أنه حراك من دولة الي أخري بعبور الحدود مع وجود أسباب حقيقية تدفع اللاجئ الي هذا الخيار خوفا علي حياته وكرامته وعرضه ولأسباب سياسية في الغالب ، ظل النزوح غير معرفا الي أن أعطاه مساعد الأمين العام للأمم المتحدة لشؤون النازحين في العام 1992 تعريفا شاملا بأن النازحين هم :(الأشخاص الذين أجبروا علي الهرب وترك موطنهم ومكان إقامتهم المعتادة وذلك لتجنب آثار النزاعات المسلحة أو نتيجة لنشوب عنف عام ونهب مسلح ، أو حالات تتعلق بانتهاك حقوق الإنسان أو نتيجة لكوارث طبيعية أو كوارث من صنع الإنسان دون أن يعبر حدود وطنه لوطن آخر ) "للمزيد أنظر كتاب النازحون من الداخل وتجربة السودان ، لمؤلفه حسان عطية منشورات معهد دراسات الكوارث و اللاجئين 2009م " ولعل التعريف باللغة الإنجليزية يعطي ذات المضمون Internally Displaced Persons اي الأشخاص المتحركون داخليا بوجود أسباب تتعلق دائما بالخوف علي الحياة نتيجة اخطار كوارث طبيعية كانت ام من صنع الانسان ماثلة وماحقة. يمكن ملاحظة أن كلا من النزوح واللجؤ يشتركان في صفة أنهما في الأصل نوع من (الهجرة) إلا أنها تتميز بأنها قسرية علي خلاف أنواع الهجرة التي تتم لدوافع اقتصادية أو أي عوامل اجتماعية أخري.
فالحديث عن النازحين لاسيما في المناطق الملتهبة كمنطقة دارفور الكبري يوجب إستدعاء الأسباب التي دفعت بالآلاف المواطنين الذين انطبق عليهم صفة النازحين وهم الآن يقيمون في المعسكرات وحول المدن ولأسباب تمثلت في النزاعات المسلحة وموجات الجفاف المتكررة والناجمة عن التذبذبات المناخية التي تعرضت لها المنطقة ، حيث انعكست علي أنماط حياتهم ، و أوضاعهم النفسية في بيئة خارج نطاق مكان إقامتهم الأصلية. كما يستدعي الحديث التفكير في الحلول المستديمة لقضية النازحين إما بالعودة لقراهم التي نزحوا منها ، أو الاستقرار في مواقع النزوح الحالي والضمانات التي لابد من توافرها لئلا تعود الأوضاع الي ما كانت عليه. ولكل من هذين الخيارين تكلفته.
فالعودة للقري التي تم النزوح عنها تستوجب إزالة الأسباب الجذرية لعوامل النزوح ، ولهذا الحل مقتضيات قانونية و حقوق تاريخية لابد من إثباتها ، مع ضرورة إعادة تأهيل المناطق التي تم النزوح منها بالقدر الذي يوفر حوافز كافية للدفع بالنازحين للعودة الطوعية لقراهم. وفي حالة دارفور فقد تم الاستيلاء علي الكثير من تلك المناطق والقري (بالتغول) التي كان يقطنها النازحون. مع ضمان توفر كل الظروف الجاذبة للعودة وعلي رأسها الأمن وضمان عدم انتشار السلاح.
أما الإستقرار في مواطن النزوح ببناء أو تحويل المعسكرات لقري ثابتة ، فلذلك أيضا مقتضيات تخطيط ، ودعم نفسي ومعنوي وتوفير وسائل وسبل لكسب المعيشة قد تتطلب مهارات وقدرات لم تكن مألوفة في السابق لمجتمع النازحين مما يستوجب بناء قدرات مختلفة وإيجاد بدائل موضوعية ومقنعة في نفس الوقت لعموم مجتمعات النازحين (الأمر الذي يتطلب برامج ومشروعات ضخمة) ، كما يوجب هذا الخيار ضرورة إقناع المجتمعات المضيفة بتهيئة المناخ الذي يساعد علي قبول المواطنين المحليين لإخوانهم النازحين والمساعدة في استخدام الموارد المتاحة ( علي شحها وتدهورها ) كالاراضي الزراعية والمراعي والغابات والمياه كي لا تحدث منازعات. وهذا بدوره يفرض مدخلا للحلول يجعل النازحين أنفسهم في لب عملية الخيارات ، ذلك أن استبعادهم في واحدة من أهم قضياهم حيوية سيعقد الأمر بدلا من أن يعالجه ، ولهذا يجب علي مجتمعات النازحين أن تكون أكثر قدرة علي المشاركة في حل قضيتهم بتأكيد الخيار المناسب حتي يتحقق مقصد المقولة التي توجب إشراك أصحاب المصلحة الأصليين ( من أجلنا ولكن ليس من دوننا For us, but not without us) .
كما لابد ومهما كان من أمر الخيار الذي سيُصار اليه إنصاف النازحين أولا بمعرفة من هي الجهات والشخصيات التي تسببت في ويلاتهم طوال هذه الفترة ، عبر لجنة للحقيقة والمصالحة والعدالة ذلك لأن قضية النزوح في دارفور ارتبطت بجرائم حرب كان محركها إستهداف جماعات عرقية محددة.
وهنا تبرز مدي قدرة واستعداد الدولة لدفع هذا الاستحقاق دون أن تلجأ الي التذرع بالمساس بالسيادة الوطنية، ذلك لأن حل قضايا النزوح لا يُلتمس داخليا فحسب ، وإنما للمجتمع الدولي دور مهم وناجز في إيجاد الحلول المستدامة لقضية النزوح من خلال مفوضيات الأمم المتحدة المعنية بالنزوح واللجؤ والمنظمات الدولية المختصة بالتدخلات الإنسانية لما يمكن أن تقدمه من دعم فني وعون مادي لتسهيل الوصول للحلول وضمان إنفاذ تلك الحلول عبر آليات محلية مثل تشكيل مفوضية خاصة بالنازحين تترجم تلك الحلول لواقع يفضي لحل مشكلة النزوح من جذورها عبر مؤتمر جامع يضم كل الفاعلين محليين و دوليين تدعو له الحكومة للتفاكر والتحاور حول أنجع السبل للوصول للغايات المبتغاة. وذلك هدف ربما أن يستغرق عمر الفترة الإنتقالية الحالية (الثلاث سنوات) إن لم يزد عليها نسبة للطبيعة المعقدة لملف النازحين وتداخل قضياهم مع قضايا الاستقرار والتنمية.

د. محمد عبد الحميد