أسعدني الحظ اليوم، بالتعرف هاتفياً، بزول جميل، ومثير حد الإدهاش، رغم أنّ اليوم السبت، يوم عطلة، إتصلت عليه بتثاقل دون سابق معرفة، وما كنت أظن أنه يسرد، لعلمي المسبق بإزدحام أوقات أمثاله من المحترفين الأطباء، ناهيك عن مضاعفة ضغط كوفيد ـ 19، والمملكة المتحدة تتأهب للصد للموجة الثانية من فايروس كرونا، وسبب إتصالي به، أنني علمت من صديق عزيز أنه أحد أسالفه (آدم هلال) هو من إفتتح مركز اللّعيت جارالنبي الصحي في نهاية الخمسينات، رغم ذلك لم أكن متحمساً للإتصال به، لإحباطي من تعالي بعض الأطباء وإنعزال الكثيرين منهم في حدود (زمالات حواكيرهم المهنية).

كنت مسترقي على مقعد السيارة منتظر الأولاد تنهوا تسوقهم، رد هذا الرجل الطبيب المثير والجاد على رقم هاتفي الغير معّرف لديه، بعد ثلاث رنان دون زيادة، من قولة Hello من طرفه، والسلام عليكم من طرفي، الإنطباع الأولي أجبرني على "إستعدال" قعدتي، وإعتبرت أنّ صديقي الذي أوصاني الإتصال به، جادٌ في توصيفه لهذا الشخص الاستثنائي، والله العظيم، ظللت أتحدث، أو بالأحرى أتستمع لهذا الشخص، فاغراَ فاهي، لحوالي نصف ساعة متصلة، وكأني في غيبوبة، فاقداً الإحساس بالزمان والمكان، إستمع إليه وكأنّه ود حِلّتنا، أو زميل عمر.
وقعت في وكر رجل حكّاء من طراز فريد، وكلما إسترسل في الحكي الممتع، أجد نفسي فيما يقول، رغم إختلاف مسارات الحياة الأسرية والتعليمية بيننا، ورغم أنّه ود موظفي البندر، وأنا "قوازي" أبن مزارع من "الضهاري"، وجدت أن والده عليه الرحمة كان مماثل لوالدي في الطبع، وجدت أنّه متخذ النجاح في التعليم ومناحي الحياة، بعد الأخذ بالأسباب، والتخطيط السليم والسعي الدؤوب، مسألة "رجالة" وأنه جاد حد الصرامة التي يحيل الفشل، إلى مآل مخل بالرجولة، رجل متعدد المواهب، يجمع بين المضادات بشكل محّير، فهو طيب قلب "نطّاس"، وكاتب قاص مبدع، وموسيقار موهوب، وتشكيلي لا يفارق مرسمه، وفوق ذلك كان ترزي أفرنجي ماهر، رجل جمع بين العلوم الآداب، ونجح في كل ما أقحم نفسه فيه.
أنهينا المكالمة المرّكزة وغير المرتبة، كتعارف أولي، وخرجت بقناعة، بأن أمثال هذا الرجل، لو هيئت له منصات للحديث للشباب الواعد والطموح، لأنار دياجهم، بمصابيح من ذهب، وقدّم لهم الوقود الكافي للتخطيط والنجاح المحقق دون كبير عناء.
أنه رجل ملهم، يتمتع بذكاء خارق، وطاقة لا يوصف، إجادته للحكي الطبيعي العذب وغير المتكلف، يناسب تخصصه كطيب قلب، يفشي الأفئدة دون جراحات ضرورية.
هذا الطبيب والكاتب القاص والفنان هو إبراهيم محمد كوجان.
أظن أنني وقعت في كنز مفتوح، عليّ أن أفرح به.
*****
إبراهيم كوجان هذا، كان أول الشهادة الإبتدائية في الفاشر، ولم يكن سعيدا بفقده 8 درجات من تكبيس المجموع، ودخل طب الخرطوم، وهو يذاكر دروسه على "تربيزة" ماكينة الخياطة، حين يكون متفرغا في إنتظار الزبائن، وقد تعّلم "الإمشكاكية" سراً دون علم والده عليه الرحمة، خشية أن يلومه إن فشل في التوفق في الشهادة السودانية، وعندما ضمن مقعدة في الطب، كل ما قاله له والده "أنت دا دربك مرق" وبإمكانك أن تواصل في الخياطة حتى حين فتوح الجامعات، لم يعمل "هيصة وزمبليطة" كما يفعل آباء "الشوفنية" اليوم، تخرج في كلية الطب متزامناً مع تخرجه في كلية الفنون الجميلة، وفي بداية حياته المهنية في بريطانيا، نال ثلاث زمالات الطبية الملكية في آنٍ واحد، إذ أنه كان ينهي الجلوس لإمتحان، ويحجز للإمتحان التالي، لأنه لا يريد تضيع الوقت في إنتظار نتيجة غير مضمونة، لذا نجح في ثلاث إمتحانات حسب مزاجه ووفق تقديراته للأمور.
أليس كوجان هذا مدهشا؟
هل قابلكم "زول" بهذه الطاقة الذهنية، والإستعداد النفسي، والإيجابية الخلّاقة، والإستقلالية الذاتية، وفوق ذلك التواضع الجم؟
وأضاف شاهد عدل
"نسيت أمر آخر .. كان من أبطال مدرسة دارفور الثانوية، يجيد كرة السلة والطائرة وتنس الطاولة وقد مثل المدرسة في الدورة المدرسية في عصرها الذهبي خاصة دورة الخرطوم.
بالله حواء السودانية ما والده؟؟
أول سؤال سأطرحه عليه في التواصل القادم، هو متى تنوى العودة لحضن الأم الرؤوم؟
//إبراهيم سليمان//
16 أغسطس 2020م

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.