3/5
رواية "دوائر الوعي واللاعي" للدكتور أحمد عامر جابر، رواية واقعية محبوكة بحنكة، مكتوبة بلغة رفيعة ومفردة دقيقة، تحاكي أحداث الجزيرة أبا المأساوية في مارس 1970م وما ترتبت عليها من تحولات سياسية غيّرت الخارطة السياسية للبلاد، هذا السرد الروائي المتقن يعكس أيضا علاقة طائفة الأنصار بأئمتهم وأسيادهم آل المهدي (حسب التوصيف المستخدم). ويرصد السرد الفني الكثير من أدبيات العقيدة الأنصارية، وتراتوبية التواصل بين معتنقيها، وتعكس المتاهات الفكرية والعقائدية لجيل ما بعد "الضربة" لأبناء الأنصار.
دائرة الوصف الجمالي والترميزي:
ـــــ بصورة ملفتة، حرص الراوي على التشبيهات البيئية، سيما التوصيف الشجري، في تقريب هيئة وشخوص الرواية، وهو تدليل على وعيه وإهتمامهالبيئي، وربما إرتكازاً على أنّ الجزيرة كانت في الأصل عبارة عن غابة سنطية مطيرة،
ـــــ يقول الراوي: "وكان الفارق بين الإثنين بعد الحسب والنسب أو الجاه هو أن للفكي عيسى بشرة بلون لحاء شجر الطلح بُعيد الشروق بينما بشرة الإمام بلون لحاء السنط في عين النهار."
والسنط هنا قد يشير إلى الإصالة بالنسبة للجزيرة، والنهار ربما يعني التقدم على الشروق، أي أن الإمام الهادي متقدم على الفكي عيسى الهوساوي في أشياء كثيرة غير الحسب والنسب والجاه.
ـــــ يصف المؤلف صورة معكوسة في مشهد البلاد كفاتحة للسياق الزمني للأحداث، يقول: "رجل طويل بلون ساق نخلة جاف يرتدي جلباباً قصيراً وحذاءً من جلد نمر قديم."
هذه إحدى المشاهد السريالية المضحكة والمتناقضة، يبدو لنا رجل يخلط بين الدين (الجلباب القصير) والبرجوازية المهترئة (جزمة من جلد نمر) يتسوّل سياسياً بهاتين الصفتين، فتأمل؟
ويستمر في ذات النهج، موظفاً الأشجار والثمار في التوصيف حين يقول: "وفي تلك الأثناء مر بجوار الرجل شاب بلون البلح "البركاوي"
وإذا حاولنا ربط الوصفين، فلون ساق نخلة جاف، ولون البلح البركاوي، كليهما لون فاتح، أي أنّ الشخصيتين من جنس واحد، وهو أقرب للون بشرة أهل الشمال النيلي.أحدهما يتسول، والآخر يعطي بسخاء.
نقول هذا، لقناعتنا، بأنّ زمن الراوي البريء، الذي يرمي الأوصاف على عواهنه قد ولى.
ـــــ مرة أخرى يلجأ المؤلف إلى توظيف الأشجار في توصيف شخوص عابرين على مسارد الرواية حيث يقول: "بناحية الكنيسة المجاورة شمالاً شاب بلون الأبنوس المنحوت،".
حدد هويته أنه جنوبي، يصوره على أنه يدور في فلك شرطي المرور ويتعامل بردة فعل على ما يقوله غيره، هو ترميز لا يحتاج إلى مزيد شرح.
ـــــ يصف الراوي جدته الثريا قائلا: "تلك السيدة الآخذة من نخيل النيل الباسق طوله! ومن شجر أبنوس البلاد الريان صلابة عود وبهاء لون!"
فعلا هذا الوصف يستحق علامة تعجب جاد بها الراوي في نهاية الوصف. وهو وصف، ولا أورع.
ـــــ يشير الراوي إلى متاهة أزياء الفرقة الموسيقية للإمام، حيث يقول: " .. يرتدي أعضاؤها زيا شرق ــ غربي أبيض متمثلاً في بناطلين وأقمصة بأكمام طويلة، وأحذية سوداء مع عمائم تتدلى من جنباتها أعلام حزب الأمة. وأحياناً كان يلبس أعضاء الفرقة تنوراتأسكتلندية خضراء مع أحذية سوداء وجوارب بيضاء تمتد لأول الركب! وكان العم شايبو يضع ذات الأعلام في أكثر من موقع وبأكثر من حجم على شكل جبة ال "على الله".
علامة التعجب التي وضعها الراوي بعد وصف النوع الأول من زي الفرقة الموسيقية، تشير بجلاء إلى متاهة الهوية والإنتماء الثقافي للأنصار، ومحاولة أئمتهم إبقاء رِجل على الإصالة، وتقديم أخرى إلى الحداثة، وربما نوع من التملّق الناعم للتاج الملكي البريطاني.
ـــــ يصف المؤلف إرهاصات حالة البلد قبل أحداث الجزيرة أبا الكارثية في مارس 1907م، أما داخل الجزيرة "المقدّسة"، فوصف حالتها جاء على لسان الراوي، في رمزية فنيّة، إرتقى بهذا العمل الروائي إلى مصاف الإبداع العالي، حيث قال الراوي واصفاً الأقدار التي زجّت به كطفل ليكون شاهداً على ولادة أحداث غيّرت مجرى التاريخ ربما للأبد، قال:
قلت "ما هذا"؟ ما هذا؟ ربما هي فتاة حديثة العهد بالولادة تضع مولوداً! نعم لابد أن يكون الأمر كذلك. ويستمر في سرد وقائع التلصص الطفولي القدري على ولادة فتاة بكرية، يقول الراوي: "وها هي قد تلبدت بالغيوم مجدداً وأظلمت. إذن ليس بوسع أحد رؤيتي. لابد أنها ستمطر بعد قليل." ويضيف: بينما كنت أسترسل في كل هذا وذاك بدأ النسيم يعبث مجدداً بالأشياء ليأخذ أطيب ما في قوارير النساء ليخلطه بروث البهائم ورائحة العشب الندي ويؤلف بين كل الأشياء. في بادي الأمر ظننت أنه شيء طبيعي كالذي يحدث دائماً في هذه الجزيرة الساكنة. فطبيعياً ما كان ينفحنا النيل الأبيض بنسمات تحمل معها خليطاً من روائح الطحلب والسمك الطازج مع شذى عطر ما بخلفية أريج ثمار الليمون والبرتقال واللارنج."
هذا المشهد المعقد، شكّل للراوي أبو كبّاس على حد وصفه، وهو يستغرب عدم معرفته بالحبلى الغريبة التي لم يسمع بها، وما دراه أنّ الدنيا أنثى، تلد بلا درّة؟.
ـــــ يستمر الراوي في التجلي الجمالي: "إذن حاصري أيتها الغيوم بذرات نداك جحافل النجوم وليتلألأ لدّنك اللازوردي في حضرة النور الإلهي الزاهي، نور الحكمة، مصدر كوني، فهذه الجحافل تأفل وأنا لا أحب الأفلين. قلت!"
اللازوردي أي الأزرق السماوي اللامع حسب تعريف وكيبيديا،هنا يبدو لنا أنّ الراوي يحّرض الغيوم لتحاصر النجوم ليتجلى سيده أو جزيرته المقدّسة.إلا أنه يستسلم لحتمية زوال الرموز الروحية مهما تعاظمت، وهو يعبّر عن بغضه الشخوص العابرين، حين يقول "أنا لا أحب الأفلين" أى يؤكد رسوخ معتقده، وتبرؤه من عبادة الأشخاص.
هذا الترميز الوصفي العالي والمعّقد، يحتاج وقفة مطولة لتأمل تركيبته الجمالية، وأبعادها الروحانية، وتدارك فحوى التعجب والإستغراب.
ـــــ يصف الراوي مشهد إستشهاد فارس مغوار وفرسه المقدام على جسر الجاسر، ثغر الجزيرة المتبسم قائلا: ".. ونبل فرسه الأصيل الذي سقط بجانب صاحبه على الجسر حيث حاكى ماء النهر بجنبيه عسجد سماء أصيل تلك الجمعة!"
أى أن ماء النهر، عكس لون سماء الأصيل الذهبي (عسجد) على سطحه، ولا يستطيع ماء النهر محاكاة عسجد السماء إلاّ إذا كانت صافية من الغيوم، كما ليس بإستطاعة النهر أن يعكس عسجد السماء، ما لم يكن حزينا مستقر السطح. مما قد يعني وضوح الحق والباطل في تلكم المعركة.
ـــــ يصف الراوي شمسية الإمام، التي تحوّلت في لمح البصر إلي أداة للردع قائلا: "لأن الشمسية قد تحولت من قبة قماش أخضر فاتح كانت تجول في الفضاء كفراش غيط حائر قبل ثوان لعصا من نوع خاص."
هذا الوصف لا يخلو من خيال خصب.
ـــــ يقول أحد شخوص الرواية وهو يصف ذكريات لحظة مؤلمة : "والله يا أنصار الله كل ما أطرا يومي داك شعر راسي بقوم لي فوق مثل جلد أب شوك البطران".
تقريب مشهدي موفق للغاية.
ـــــ يصف الراوي مشاعره وهو يستمع لمجاهد أنصاري جريح و راكز المعتقد بقوله: "لكني في ذات الوقت استسلمت لأجواء فرح آثر حفزه ابتسامه رضا هلت كقوس قزح على وجه الرجل المصاب الذي زادني تعقيبه على قول سابقه "المؤمن مبتلى!" حبوراً جعلني أشعر بأنني قريب منه بأدنى من قاب قوسين."
ـــــ بعد يوم الضربة، يجتر الراوي مفردات تعودت أذناه على سماعها منها "روح الحى سبيبة وروح الميت تبلدية".
وحسب السياق الحدثي، فالسبيبة هنا تشير إلى التخفي وعدم الوضوح، والتبلدية عكس ذلك تعني الإنكشاف وإستحالة أن يخطئها المستهدِف، سواء إن كانت شظية أو متفجر، أو رصاصة قناص أو يد المنون.
ـــــ يقول الراوي: "أما أنا فقد كنت أجلس على مصلاة الجلد التي هيأها من آخر أضحية".
هذا الوصف يبدو متكلف "للفروة"، كأثاث له مكانة خاصة في كافة بيوت الأنصار والأسرة المتديّنة، سيما وقد ورد ذكرها "الفروة"في موضع آخر.
ـــــ يصف الراوي العقيدة الأنصارية ب "السلفية الطابع"، لا نظن أنّ الأنصار يرتضون بهذا التوصيف، كما لا نظن أنّ سلفية اليوم يقبلون بأنصار الإمام المهدي ضمن حيازتهم الدينية.
ـــــ بعض كلام الدّريب بلهجة البقّارة يحتاج شرح وتوضيح.
يتبع ....
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.