أخيراً وبعد مماحقة سياسية مطوّلة، وتردد أثار الشفقة، يوم 23 من هذا الشهر كلّف رئيس وزراء الحكومة الإنتقالية الدكتور عبد الله حمدوك في منتصف هذا الشهر مدنيين لحكم ولايات السودان الثمانية عشرة، فتنفّس الشارع الثوري الصعداء، وإبتلع حمدوك ريقه، رغم إحتجاجات الصدمة في بعض الولايات التي إعتادت خلال عهد نظام الإنقاذ البائد على تجيير نفوذ الولاة لصالح حواضنهم العشائرية رغم أنفهم.

دشّن نظام الإنقاذ الشمولي الأيدولوجي بداية حكمه بتعيين حكام عسكريين على الأقاليم، قبل تفتيتها "حتة حتة" وتحويلها إلى ولايات وولاة، ثم ختمه مرغماً لا بطل بولاة من أجرم القيادات القمعية في جهاز الأمن، ليس لديهم هم أكبر من القمع والبطش وتكميم الأفواه، وتسخير الموارد والمقدرات الولائية لصالح القطط السمان في المركز، ولاة بعقليات إجرامية، محترفو بذر الفُرقة والفتنة بين مكونات المجتمعات الولائية، ومتخصصو الدسائس وتدليس التقارير وهواة المحاباة ولعبة التمكين العشائري والايدلوجي.
ثلاثون عاماً والمواطن مغّيب في شئون ولايته، والقرارات تتخذها الأجهزة الأمنية، ليبصم عليها "الأراجيز" الحزبية، مهاويس الدين، ثلاثة عقود لم يعتاد خلالها الجهات المعنيّة بضبط الأمن وحفظ النظام وإنقاذ القانون، والسهر على راحة المواطن، على تلقي التوجيهات الرسمية والقرارات السياسية من والي مدني، أو قيادي من خارج المنظومة الإنقاذية، منظومة على عثمان ونافع على نافع وصلاح قوش وأحمد هارون.
وبما أنّ آلية تفكيك النظام، قد أبطأت الخطى في الولايات، ولا يزال دولاب الدولة يسيّره كوادر النظام البائد، المنتمين سراً وعلانية للأجهزة الأمنية المتناسلة والمعقدة التداخل والتشابك، بلا شك أنّ أكبر التحديات التي سيواجه الولاة المكلفين من حمدوك، عملية تغيير مسار دوران دولاب الدولة في الإتجاه المعاكس، لخدمة المواطن بدلاً من القطط السمان في الخرطوم، وإجبار العسكر والأجهزة الأمنية على علميّتي (أرضاً سلطة وإلى الخلف دور) ثم إكراههم على حفظ النظام، والسهر على إستتباب الأمن سيما في الولايات الملتهبة، لصالح التحول المدني الديمقراطي، المستحق بتضحيات ثورة ديسمبر المجيدة، والتفاني في كفالة الحريات وإحلال السلام وتحقيق العدالة.
يتطلب من هؤلاء الولاة الذين زجّت بهم الأقدار، لتولي هذه المسئولية خلال هذا المنعطف الخطر، قدر كبير من الحنكة وقوة الشكيمة، لإقناع الأجهزة الأمنية، والعقلية العسكرية، أنها لم تخلق لتحكم في الدولة الرشيدة، وأنّ إنقلابهم على السلطات المدنية، هو سبب التردي والتعدي على الممتلكات والمكتسبات العامة، وأنّ عليهم الإلتزام بمهامهم التي حددتها الوثائق الدستورية بإخلاص ودون مراوغة، وأنّ النظرة السالبة والماكرة "للملكية" يجب أن تتغير وللأبد.
ومما يصعّب عملية الإنتقال من الحكم الشمولي العسكري ـــ الأمني، إلى الحكم المدني الثوري ـــ الإنتقالي، أنّ الأغلبية العظمي من قيادات الأجهزة الأمنية والقضائية هم ممن إلتحقوا بالخدمة خلال فترة نظام الإنقاذ، ورموزه هم أصحاب الفضل والمِنّة على ترقيهم، لذا يظل محك إخلاصهم للحكام المدنيين محل شك وريب، ناهيك عن معايير صعودهم سُلّم الخدمة العامة القائم على الولاء ومرتكزة على ضرورة التمكين وليست الكفاءة والدراية والتأهيل، وجلّهم في حاجة للتأهيل لإستيعاب معايير الخدمة العامة الراقية.
نذّكر الولاة المدنيين الذين تم تكليفهم مؤخراً، في الشأن الأمني تحديداً، فإنّ درء المفاسد مقدّم على جلب المصالح، وهي قاعدة فقهية ضرورية إنسانية راسخة، بمعنى درء مفسدة محتملة من قيادي مسؤول عن حماية الأرواح والممتلكات العامة، "بتفكيك" تكليفه وإبعاده عن الخدمة، لهو مقدّم على المصلحة المرجوة من كسب ود حاضنته العشائرية أو التنظيمية، أو مراعاة ظروفه الأسرية، وعليه يجب عدم التهاون مع كل من يستهين أو يظهر عدم المبالاة بطمأنينة المواطن، ومن يفشل من ولاة الولايات الملتهبة في معالجة الملف الأمني، فلن ينجح البتّة في أي ملفٍ آخر، فمن البديهي أنّ الأمن هو عماد الإستقرار والنماء، وذروة سنامه العدل، ولا عدل مع الفرط الأمني.
كما نذكرهم بالقاعدة الفقهية الأشهر (اليقين لا يزول بالشك) فالمتيقن من عدم إخلاص قيادي إنقاذي مسنود إليه مهام أمني من قبل أولياء نعمته، قبل هبوب رياح ثورة ديسمبر العاتية، فإنّ هذا اليقين سيظل باقيا ولا يزول بالشك في تبدله مع تبّدل نظام الحكم، وبناءً على هذه القاعدة، فإن تردد الوالي في إبعاده، فهو آثم قلبه، وعابثٌ بأرواح الناس ودماء المواطنين، ولا يلومنّ إلاً نفسه.
بإمكان الولاة المدنيين المجاملة، وأن تأخذهم رأفة بالتساهل مع فلول النظام البائد في دوائر الخدمة العامة المدنية، أما الشأن الأمني في غرب وشرق البلاد، فلم يعد يحتمل أكثر مما هو عليه، ويجب إحلال القيادات الشرطية والأمنية بكفاءات مسئولة وموثوقة من المحالين للصالح العام من قبل النظام البائد بدون تردد، وفتح باب التجنيد للخدمة الشرطية والأمنية فوراً.
وتأكيدا على هذا التحدي، في أول لقاء له بهم، تصّدر الجانب الأمني قائمة توجيهات رئيس مجلس الوزراء للولاة الذين تم تكليفهم كألوية قصوى. ويقيننا لن يفلح والٍ في تولي مقاليد الأمور في ولايته بصورة كاملة وفعّالة، قبل إجازة قانون الحكم الإتحادي، والذي من المفترض أن يتضمن مرسوم دستوري نافذ يلزم كافة الأجهزة الأمنية والشرطية والعسكرية في ولايته بالخضوع لسلطاته، والائتمار بأمره، دون (حك رأس) ودون (عنّقرة)، ومن يفعل ذلك يحال للّجنة التفكيك، لتفكيك ما في رأسه ومعرفة ما في كراسه. رغم تأخير تكليف الولاة المدنيين لما يقارب العام، لا ندرِ لماذا تأخرت السلطات في إجازة قانون الحكم الإتحادي؟ والذي نأمل أن يعيد المسمى الدستوري للمنصب إلى حاكم بدلاً من والي، بغضاً لأدبيات النظام البائد.
الكل يعلم أنّ هنالك تشكيلات عسكرية ضاربة، أسست على قيادة مركزية، وقد أصبح من الصعوبة تجاوزها في الشأن الأمني، وما لم تخضع هذه التشكيلات العسكرية للسلطات الولائية، فإن الولاة بك شك سيحالوا إلى أراجيز (حمدوكية) لا تهش ولا تنش، وكأنك يا أبو زيد ما غزيت، وكأنك يا ديسمبر ما حليت.
//إبراهيم سليمان//
أقلام مــــــتحدة
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
30 يوليو 2020م