د. الطيب زين العابدين

عندما كنت أقرأ النسبة الضخمة من الميزانية السنوية التي تذهب للمنظومة الأمنية، كنت أظن أن النسبة الأكبر منها تذهب لعمدة هذه المنظومة وهي القوات المسلحة السودانية. ورغم الانقلابات المتكررة التي وقعت من المغامرين في الجيش السوداني وأفسدت الحياة السياسية لخمسة عقود كاملة جمدت التطور 

يعني هذا المثل السوداني السائر أن هناك من يقف في البر على حافة البحر دون أن يجرؤ على السباحة ومع ذلك يقدم نصائحه النظرية للسابحين ماذا يفعلون وكيف يجيدون سباحتهم، ويتصف الواقفين على البر عادة بقدر من الغرور والتعالي رغم عدم الخبرة (فصاحة ساكت!). وأمثلة كثيرة تسير في ذات الاتجاه: 

منذ مولد الثورة كانت تساور الكثير من المراقبين لأوضاع السودان شكوك عميقة أن يكون المجلس العسكري الانتقالي، المكون من قوات الدعم السريع وجنرالات جهاز الأمن من الدرجة الثانية وجنرالات الجيش الذين تخطتهم كل القيادات السابقة على مدى ثلاثة عقود، هو الحاضنة المناسبة لثورة شبابية عارمة تريد بناء 

أعجبتني الاستجابة السريعة من قيادة قوى الحرية والتغيير لطلب المجلس العسكري بإزالة المتاريس من الشوارع خارج منطقة الاعتصام لأنها تعوق سير الحياة الطبيعية في أنحاء العاصمة ويتضرر منها الكثيرون، وليس ذلك مما يحتمل طويلا. وانتشرت قيادة التغيير في أوساط حشود الشباب المتحمسين لتقنعهم بجدوى

مخطئ من يظن أن شباب الثورة الذين يمثلون قطاعات الشعب الواسعة التي تجمعت بمئات الألوف من مناطق السودان المختلفة هم أتباع لكيان من الكيانات المهنية أو الحزبية القائمة، أي أنهم يقبلون من قيادتهم ما يقبل عضو الحزب الملتزم بقول رئيسهم. ينطبق هذا على تجمع المهنيين السودانيين الذي قاد الحراك

هناك طلب مشروع ومبرر قانونيا وأخلاقيا وسياسيا من ثوار 19 ديسمبر بمحاكمة قيادة النظام البائد وبالطبع على رأسه المشير البشير الذي احتكر كل السلطات في السنوات الأخيرة من عهده، صرح المتحدث باسم المجلس العسكري الانتقالي في بداية ظهوره على الملأ أنهم لن يسلموا 

فجر شباب السودان في ديسمبر الماضي ثورة سياسية سلمية غير مسبوقة في تاريخ السودان بل في تاريخ افريقيا والعالم العربي، ما هي الميزات التي توفرت لهذا الشباب حتى يقتلع نظاما قمعيا من الدرجة الأولى تجذر في كل مجالات الحياة لمدة ثلاثين عاما حتى ظن أهله أنهم باقون في