تحركنا من ميدان الربيع في بداية الستينات واخذنا الطراحة من الاربعين الي المحطة الوسطي الخرطوم ، شاركنا الآلاف في الزحف نحو استاد الخرطوم الذي كان قد تكامل قبل مدة قصيرة . كان معي الدكتور فيما بعد عز الدين آدم حسين طيب الله ثراه . كنا نمثل المريخ. وفي مباريات الملاكمة وفي نفس الاستاذ تحصلنا على 3 كؤوس للمريخ مع مدربنا ادريس جبارة . ولم يشارك من كل امدرمان غيرنا . كنا على ثقة كاملة بأن المريخ قد وضع كاس الدوري في جيبه . وكانت ثقة الهلالاب متضعضعة فلقد كان للمريخ فريق عظيم وقتها ، صار قاتلا بعد انضمام كابتن ماجد او ابو جنزير .
جلسنا على رأس الحائط الشمالي للدار ، الا ان اعلى الحائط كان مزودا بمسامير في شكل مثلثات حادة . اظن ان الغرض منها تعليق السور فيما بعد. نجح الناس في ثنيها الى اسفل في الماتشات السابقة ولكن البعض منها كان لا يزال بارزا مما جعل الجلوس مؤلما. وعند بداية المبارة كنا نصرخ باعلى صوتنا نشجع المريخ وكنا نتحرش بمشجعي الهلال وعلى استعداد للدخول معهم في معارك في اية لحظة .
وبعد فترة انخفض صوتنا ثم توقفنا عن الصراخ . السبب كان الشاب الغير معروف لنا وللكثيرين وقتها امين زكي الذي كان في العشرين من عمره ، الا انه كان يغطي كل الميدان بطريقة عقائدية . في تلك المباراة كان كابتن امين ظاهرة حسمت المباراة لصالح الهلال . وكانت قامته الطويلة تميزه . وبدأ واضحا منذ البداية ان الهلال سيفوز على المريخ . تلك المباراة كانت بلا منازع مباراة كابتن امين زكي .
في تلك الفترة كان هنالك دعاية كبيرة لاسبرين برسميان الاندروس والاسبرو في السينما . وكانت هنالك دعاية تظهر رجلا يسير منحنيا وصوت يقول له ..... لقد حان الوقت يا امين لتتخلص من هذا البرد . وبعد الاصابة الثانية للهلال بدا شاب ،، مطموس ،، في الصراح ..... لقد حان الوقت يا امين لتتخلص من المريخاب ..... ورد الهلالاب الهتاف . بعد ان تأكدلنا من الهزيمة انقطع صوتنا . فقام احد الهلالاب باستفزازنا بسبب صمتنا فقلت له ... المسامير جننتنا .... كان الرد مسامير الحيطة ولا امين زكي القعدكم في المسامير . في ،، 1968 ،، حضر امين زكي الى بون في المانيا ووقتها كان الملحق العسكري هاشم العطا طيب الله ثراه وله صداقة مع كابتن امين زكي ، وكان الجميع في حالة ترحيب واحتفاء بكابتن امين زكي .
في التسعينات كنت نزيلا في فندق كبير في ابو ظبي . وفي البهو او الاستقبال التقت عيناي بمسؤول الامن الذي شدني شكله بطريقة قوية واحسست انني اعرفة بالرغم من انني متأكد من انني لم التقيه من قبل . ومن العادة ان يكون رجل الامن في هذه الفنادق من يستمتع بقامة طويلة لكي يفرض احترامه ويعطي الجميع شعورا بالامن . بعد التحية والتعارف عرقت ان رجل امن الهوتيل من توتي ، فقلت له بعفوية ... انت فريب الاستاذ بخيت زكي . اتسعت عينا الرجل بطريقة غير مصدقة ثم قال لي .... ايوة عمي .... لكن ليه ما قلتا لي امين زكي ... ليه ما امين زكي ؟ قلت له الكابتن امين زكي معروف ولاعب كورة عظيم لكن بخين بطل ولسوء الحظ ما في زول بيتذكرو ومفروض يعملوا ليه تمثال .
في انتفاضة الجنوبيين الاولى بدأ الامر بمجزرة انزارا التي نفذها الجيش ضد المتظاهرين العمال المسالمين في مصنع النسيج وانضم اليهم بعض التجار ببنادقهم . وحدثت فظاعات من فرقة توريت يخجل الانسان من التفكير فيها . ثم حدثت انتقامات ومن الجبش وتفلتات من بعض الجنوبيين ولكنها انحصرت في الاستوائية . من احدي تلك التفلتات كان ايقاف بعض الموظفين والمدرسين الشماليين لقتلهم رميا بالرصاص . كان بينهم البطل بخيت زكي وتم ابعاده لانه لبس بمندكورو او شمالي الا انه رجع بشجاعة وانضم الى زملاءه ولم تنجح المحاولات في اقناعه بعدم تعريض حياته للموت . كان يقول انهم زملاء واصدقاء ولا يقبل قتلهم وهم ابرياء لم يرتكبوا جرما والا فليقتل معهم ، كيف يفسر لاهلهم عدم موته وكيف يقبل موتهم والنجاة بحياته ؟. وامام تلك البطولة كتب للجميع الحياة .
لقد اوردت هذه القصة في كثير من كتاباتي وحكيتها في عدة مناسبات تكريما لهذه الاسرة الرائعة . ولكن نحن كالعادة لا نكرم ابطالنا .
ارجو ان يطلق اسم كابتن امين زكي على صالة في استاد الهلال او اتحاد الكرة . كما يجب ان يطلق اسم البطل بخيت زكي على مؤسسة في الشمال و الجنوب . ويمكن ان يقوم احد الباحثين في السودان بتوثيق هذه البطولة لتدريسها للصغار في الشمال والجنوب .


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.