أحمد زويل: بطل من زماننا
بمناسبة مرور عشرة سنوات علي نيله لجائزة نوبل
بدر الدين حامد الهاشمي
في عام 1999 نال العالم المصري الأصل و الأميركي الجنسية أحمد زويل جائزة نوبل في الكيمياء عن أبحاثه في الفمتو ثانية ( و نسبة الفمتو ثانية للثانية تعادل نسبة الثانية الواحدة لاثنين و ثلاثين مليون سنة مما تعدون). و الرجل بالطبع أول أفريقي و عربي و مسلم ينال هذه الجائزة الأعظم في مجال علمي. و ليس من غرابة في أن يظفر رجل (أو امرأة) و هو يحمل كل هذه "العيوب" في المنشأ و القومية و الدين في الفوز بجائزة نوبل علمية، و هي الجائزة المتهمة تقليديا بالمحاباة و الغرض و التسييس إذ أن التميز في مجال العلوم لا يختلف عليه تيسان و لا  تتناطح عليه عنزتان ( كما جري التشبيه البدوي "البليغ") و ذلك بخلاف ما هو الحال عليه في مجال العلوم الإنسانية و في الأدب، إذ أن معايير الاختيار في هذه المواد قد تخضع لكثير من "العوامل الخارجية" و الأمثلة علي ذلك أكثر من أن تعدد.
وقع في يدي مؤخرا كتاب أمريكي بعنوان "العلماء: أشخاص غير عاديون غيروا مجري التاريخ" حرره ميريدث مكاردلي و صدر عن دار ميترو عام 2008 . جمع المحرر في ذلك السفر القيم سيرة مائة و اثنين و خمسين عالما من كل أنحاء الدنيا، غيروا مجري التاريخ بما قاموا به من اكتشافات أو اختراعات و ذلك ابتداء من أبي قراط و انتهاء بأحمد زويل.
لم يرد في تلك القائمة (البيضاء) من الشرق الأوسط و أفريقيا ذكر لأحد غير ستة علماء من القرون الوسطي  هم ابن البطاني (850- 929) و الرازي (860 – 925) و ابن الهيثم (975 – 1040) و ابن سينا (980 – 1037) و الزرغالي (1028- 1087) و ابن البيطار (1190 – 1248) و كان سابعهم هو هذا البطل من زماننا أحمد زويل (1946 - ). لا عجب إن تصدرت القائمة أوروبا العجوز (في قول مذموم لوزير الدفاع الأميركي الأسبق رامسيفيلد) بثلاث و سبعين عالما، بينما ورد أسماء أحد عشر كوكبا من العلماء من آسيا،  بينما ظفرت الأميركيتين و أستراليا بذكر ثمانية عشر أسما.
ذكرني ذلك ما قرأته قبل سنين من قول مشهور لأول مسلم باكستاني الأصل و بريطاني الجنسية يظفر بالفوز بجائزة نوبل في الفيزياء جاء فيه أنه يشعر بالأسى و الحزن عندما يدخل إلي أي صيدلية حديثة إذ يري أن أمته لم تساهم بشئ في كل ما تحويه الصيدلية. في البدء حزنت – علي المستوي الشخصي- عندما لم أر أحدا في لوني و من قوميتي (الملتبسة جدا) و ديانتي في ذلك السفر المجيد، بيد أنني عزيت نفسي وواسيتها بما كنت أقرأه واسمعه من متنطعي و ثقاة "المثقفين" من أن "الظروف التاريخية" و "القمع الاستعماري" و "الرأسمالية البغيضة" هم "السبب في اذايا" و عليهم وزر تخلفنا إلي يوم يبعثون! ظننت أنني بقراءتي لتلك القائمة سأصاب بالخذلان و اليأس و القنوط ، بيد أنني سرعان ما تقمصت روح "المواطن العالمي" الذي يعتبر أنه أينما يضع قبعته فتلك أرضه (كما تقول كلمات تلك الأغنية البريطانية الشهيرة) و التي يمكن أن تسودن علي نحو ما هكذا: أينما يرمي بعصاه فتلك أرضه... و بالتالي فإن أي إنجاز لعالم في أي بقعة من أرض الله الواسعة الفسيحة هو إنجاز يحسب للبشرية جمعاء دون فرق أو تمييز. و جاء ذكر أحمد زويل ليرد بعض من ثقة تآكلت و إيمان كاد أن يتضعضع بأن من بينا (باعتبار القارة و  اللغة و الدين) من يمكن أن يبز الآخرين و أن "الفرص معروضة للآن" كما يشدو اللحو!
تطرق ذلك الكتاب لأحمد زويل فذكر ما هو الآن معلوم بالضرورة من أن الرجل ولد في عام 1946 في مدينة دمنهور و درس الكيمياء في جامعة الإسكندرية و تخرج فيها في عام 1967 و لبث أعواما أخر في تلك الجامعة ليحضر لدرجة الماجستير و التي نالها عام 1969.  بعث من بعد ذلك ليحضر لدرجة الدكتوراة من جامعة بنسلفانيا حيث تتلمذ علي يد شيخه بروفسير لويس
هوخوشاستراسا و نالها في 1974. كان مبلغ هم الدكتور زويل كما سمعته يتحدث لقناة دريم الثانية قبل أيام و هو في شرم الشيخ لمخاطبة مؤتمر طبي، أن يكمل الدكتوراة و يؤوب بأعجل ما تيسر لجامعته الأسكندرانية، و أن يجلب معه من أمريكا سيارة جديدة مبهرة "يسد بها الشارع" (و الوصف الأخير هو إضافة من عندي)! و أن يحصل علي مكتب منفصل في قسم الكيمياء يعلق عليه يافطة مكتوب عليها بحروف مذهبة و بالغة الضخامة :الدكتور /أحمد زويل. و لم ينقذه من ذلك المصير الذي كان سيحرم البشرية من عقل نير و عالم مخترع إلا إصرار أستاذه و شيخه في الطريقة العلمية ليبقي حيث هو في وسط يفهمه و يقدره و يساعده علي أن يبرز و يتطور و أن يخدم – فيما بعد- هذه الإنسانية بأعظم الاكتشافات و الاختراعات. تصور لو أن أحمد زويل رفض تلك النصيحة و استجاب لنداء العاطفة حيث "الأهل و الأصحاب" و رضي بأن يكون "دكتور أد الدنيا" يقام له و يقعد (بالمعني الحرفي) ، و أن يحمل له الفراش عند الدخول و الخروج حقيبته اليدوية، و أن يقوم بتدريس ما درسه هو منذ سنين في الكتب العتيقة، و أن يلخصها في كتيبات يبيعها للطلاب المساكين ليحفظوها و يرجعونها له كاملة  ساعة الامتحان كي ينالوا الدرجات الكاملة. لو فعل ذلك لصار واحدا مثل آلاف من بعثوا للخارج و آبوا لديارهم دون أن يتركوا بصمة واضحة أو يخلفوا أثرا يذكر في مجال تخصصهم، بل ظلوا أسري للروتين الحكومي و للشغف المرضي بالترقي و الألقاب الأكاديمية الذي قد يفتح أبوابا عصية للدخول لمعسكر أهل السياسة و صحبتهم و التعلق بهم و بمزاملتهم، بل بمنافستهم للفوز بكرسي الوزارة، و ياله من مطمح غال و ياله من فوز عظيم!
قر قرار أحمد زويل علي أن يتابع أبحاثه في ذات التخصص العلمي (كيمياء الليزر و ما يشابه ذلك من تخصص دقيق) و لفت الأنظار إليه بثاقب عقله و نير بصريته و بشغفه غير المحدود بعمله، فتال كرسي (أستاذية) مسماة بإسم لينوس باولينج (و الذي حصل علي جائزة نوبل مرتين أثنين في الكيمياء و السلام ) ، و عرض زويل في مقابلته مع قناة دريم صورة له و هو يتمشي مع شيخه الهرم (و هو الحوار/ التلميذ الذي عمل مثل عمل شيخه) عندما قدم البروفسير العجوز لجامعة زويل في كاليفورنيا ليسلم زويل كرسي الأستاذية المسمي (كرسي لينوس باولينج) في تقليد أكاديمي راسخ. و لا أظن أن لينوس باولينج هذا قد شرد بعد أن بلغ الستين من العمر أو قذف بمتاعه خارج داره بداعي "إخلاء منزل الحكومة" مثلما فعل بمن تعلمون!
عرضت قناة دريم أيضا لقاء زويل بالعربي الوحيد الذي فاز بجائزة نوبل نجيب محفوظ في القاهرة، و في ذلك اللقاء تنبأ الأديب الكبير لزويل بالفوز بجائزة نوبل أخري. و لعل نبوءته ستحدث فعلا، إذ أن زويل لم يركن للدعة و الراحة و العلاقات الاجتماعية مع المشاهير من ملوك و رؤساء و رجال و نساء الفن (كما زعمت جهلا و كذبا احدي  ناشئات الصحفيات في مجلة مصرية مشهورة). فالواقع أن للرجل فلسفة فريدة في طريقة عمله هي أنه عندما يصل في أمر بحثي ما إلي غاية معقولة (قدرها بأن يفهم تماما نحو ثمانين بالمائة من موضوع ما) فإنه يهجره و يقتحم مجالا آخر يبدأه من الصفر و يتدرج فيه حتى يبلغ أعلي الدرجات، فهو كالذي يقول لجمهور العلماء: أنام ملء جفوني عن اختراعاتي و اكتشافاتي و يسهر الخلق جراها و يختصموا.  قام زويل خلال العقد الماضي بالبدء في سلسلة أبحاث جديدة أدت في النهاية لتسجيله لبراءة اختراع أول مجهر اليكتروني فائق السرعة يخرج صورا رباعية الأبعاد، و هو ما لم يخطر علي قلب عالم من قبل، و ستكون له انعكاسات كثيرة و هامة في مجال فهم أفضل لكثير من الأمراض المستعصية مثل السرطان و الأمراض الوراثية و علم الجينات و غير ذلك.
يقول الرجل أن الطب لم يعد فقط "سماعة" معلقة علي العنق أو مقياسا لضغط الدم (مع الاعتراف بأن هذه الوسائل لا غني عنها البتة)، بل صار الطب و هو يستشرف العقود القادمة طب يعتمد في أبحاثه علي المبدعين في مجالات الفيزياء و الكيمياء و الهندسة بأنواعها و علوم الأحياء، لذا فإن أبحاث الدكتور زويل و التي ينشرها عادة في أكبر مجلتين علمية في العالم طرا ]مجلة العلم (الأميركية) و مجلة الطبيعة (البريطانية)[ و ما سجله من براءات اختراع تحفظ له حقه في السبق العلمي ستوفر له أرضية خصبة للتقدم لنيل جائزة نوبل أخري في مجال آخر غير الفيمتو ثانية، و في هذا يقتدي الرجل بشيخه الذي أشرف علي بحثه لنيل الدكتوراة، و ما ذلك علي الله بعزيز. لا غرو أن يتحدث العالم بإنجازات ذلك العالم المصري الأمريكي (كما يكتب هو في سيرته الذاتية) فلقد قدم أكثر من ثلاثمائة محاضرة عامة و متخصصة و كتب و حرر نحو دستة خباز من الكتب العلمية المتخصصة و سجل (مع بعض معاونيه) عددا من براءات الاختراع و  نشر في كبريات المجلات العالمية حتى الآن نصف ألف من الأبحاث العلمية (500 بحث)، كل ذلك و لا تبدوا علي الرجل علامات غرور و لا دلائل تعال، و أعلم عن أكثر من واحد من بلادي يصعر خده للناس و قد نشر ورقة أو ورقتين بالاشتراك، فتأمل!
أختم بقصة رواها الرجل في مقابلته من قناة دريم توضح المناخ العام الذي يتيح لمثل هؤلاء الناس التفوق و النبوغ، و هم ذات الأكاديميين الذي إذا عادوا لبلادهم الأصلية لن يجدوا إلا الروتين و الضيق و التضييق. ذكر زويل أن صاحب شركة "أنتل" و أسمه غوردون موور قد تخرج من ذات الجامعة التي يعمل بها الآن زويل، و قد جني من شريحة "أنتل" التي لا يكاد جهاز حاسوب يخلو منها ثروة طائلة. قدم موور مبلغ ستمائة مليون دولار كمنحة للجامعة تشجيعا للباحثين و المخترعين الذين يقدمون مشاريع بحثية مبتكرة غير مسبوقة (أو قل مجنونة) لا يغامر الممولون  التقليديون بتمويلها. حدث زويل الرجل الثري موور بحاجته لتمويل لتنفيذ فكرته البحثية المبتكرة. طلب موور من زويل أن يكتب له في صفحتين اثنتين (فقط) ما يريد عمله، و لم تنقضي أربعة و عشرين ساعة حتى كان أمام زويل شيكا بنحو عشرين مليون دولار لبدء أبحاثه، فتأمل و قارن! ! سيقول المتنطعون بالمدينة إن ذلك الثري الرأسمالي الجشع إنما يهدف بتبرعه السخي للعلماء  التهرب من الضرائب أو الإستفادة المادية من الأبحاث العلمية التي يتبرع بتمويلها، و في ذلك القول لؤم شديد و غمط للحق و إنكار له غير مبرر.   
سيري اختراع زويل الجديد النور ذات يوم إن شاء المولي، و سيجلب ذلك الجهاز بلادنا طال الزمن أم قصر، و سيقف مسئول كبير أمام كاميرات التلفزيون و يلقي خطبة عصماء أهم ما سيرد فيها أن وزارته قد نجحت في استيراد "آخر ما توصل إليه العلم الحديث" و "إننا بدأنا من حيث انتهي الآخرون" و يعيد و يكرر حتى نقول ليته سكت!