تقديم: السطور التالية هي جزء من فصل في كتاب للرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر (1930 - ) بعنوان عن "قيمنا المهددة: أزمة أمريكا الأخلاقية" يتناول فيه – ضمن أمور أخر-  الصراع بين العلم و الدين.
طافت ببالي و أنا أقرأ في هذا الجزء من الكتاب الحيرة التي تصيب الرجل (أو المرأة) في الغرب و هو يقرأ في المدرسة عن "كروية الأرض" و "نظرية النشوء و الارتقاء" و "التطور" و عما يتعلمه منذ الصغر في البيت و الكنيسة، و ما أستقر في وجدانه و ضميره من مسلمات دينية قد لا تتوافق دوما مع "العلم الحديث" و فلسفته و مخرجاته و ثماره. و يواجه علماء الدين و علماء الدنيا عندنا ذات الحيرة بمحاولة التوفيق بين نصوص الكتاب الكريم و السنة المطهرة و بين العلم الحديث بمحاولة "إعادة تفسير الكلمات و النصوص" بما يتواءم مع ما يستجد من اختراعات و اكتشافات، وبالحديث عن "الإعجاز العلمي" ، بينما يهاجم آخرون هذا المنحي باعتباره "تكلفا مبالغا فيه" و "لزوم ما لا يلزم" و "تعسفا" لا يسنده علم و لا شرع، و يؤثرون قبول نصوص الدين باعتبارها نصوصا مقدسة لا ينبغي ربطها بما يستجد من اختراعات و اكتشافات، إذ أن العلم الحديث في حالة حركة دائمة بين رفض  أو قبول فرضيات و نظريات تثبت أو تقبل في وقت ما  و قد تؤكد أو ترفض في وقت لاحق.
و هنا يدلي كارتر – و هو دارس الفيزياء المستمسك بأهداب مسيحيته- بآراء مثيرة للجدل حول علاقة الدين بالعلم.
___________________________________
 ظل أمر الصراع بين العلم و الدين من الأمور المزمنة التي لم ينقطع حولها الجدل و النقاش في أرجاء المعمورة، خاصة في الولايات المتحدة الأميركية. لقد عملت في بداية السبعينيات (من القرن الماضي) في مجلس إدارة التعليم في مقاطعة سميتر الصغيرة في ولاية تنيسي و شهدت حينها ما أثارته من نقاشات و جدال ظلت حية و محتدمة حثي يومنا هذا ما عرف ب"محكمة القرد اسكوب" الشهيرة (هي محاكمة جرت في عام 1926 و عارض  الشاكي فيها قانونا سابقا كان يقضي بألا تدرس في المدارس الحكومية أي نظرية تخالف قصة الخلق الإلهي للناس كما ورد  في الإنجيل. المترجم). و لقد كنا ندرك في إدارة التعليم في ولاية جورجيا و غيرها من الولايات الجدال و الصراع الذي دار و يدور حول تدريس نظرية التطور و الارتقاء، بيد أننا أفلحنا في تحاشي الصراع حول هذا الأمر الشائك ربما بسبب انشغال الجميع بما هو أهم و أخطر و هو أمر التكامل العنصري في المدارس و السماح للتلاميذ الملونين بدخول ذات المدارس التي يرتادها التلاميذ البيض، و هو أمر لم يسمح بمزيد من نقاش أو جدال حول أي أمر آخر.
إنني أحمد الله علي أن هذا الانفصام بين الفريقين المتصارعين (فريق أنصار العلم و فريق أنصار الدين) لم يمثل بالنسبة لي أي مشكلة سياسية أو شخصية. فأنا حاصل علي درجة عليا في الفيزياء و كنت من أوائل الذين عملوا في مجال استغلال الطاقة النووية للأغراض السلمية، و كنت شديد الرغبة في توسيع معارفي في العلوم الطبيعية (خاصة الفيزياء) و غيرها من العلوم، بيد أن شيئا من ذلك لم يمس شعرة من عقيدتي الدينية الراسخة، و لا غرو إذ أن عقيدتي ظلت محصنة منذ الطفولة الأولي بما كنت أردده من الإنجيل: "إن الإيمان الآن هو جوهر ما نصبو إليه وهو برهان الغيب الذي لا نراه" Hebrew 11.1
و كنت مقتنعا منذ الصغر بأننا لا نحتاج لدليل علمي لإثبات وجود الله أو كنه حقيقته. بل أنه في الواقع فكلما توفر دليل فيزيائي كاف و مقنع لإثبات أي نظرية أو رأي فإننا لا نحتاج لمعتقد كأساس لما نعتقد فيه. و حتى بالنسبة للذين ليست لهم معتقدات دينية محددة، فإن إحساسهم الداخلي في كل الأمور بما هو صحيح أو خطأ و ما هو مستقيم و ما هو معوج، و ما يغمر أرواحهم من شعور بعظمة و روعة ما يرونه من جمال السماء الصافية أو غروب الشمس الآسر، أو تفتق زهرة فواحة أو خروج فراشة زاهية الألوان من شرنقتها أو ما نلاحظه من إتقان العامل لعمله أو إنبات حبة يابسة ... كل ذلك – و غيره- عندي براهين بالغة الكفاية علي أن الله خالق كل شئ.
كان من البدهي عندي أن الإنجيل – علي وجه العموم- يمثل رسالة الله الروحية للبشرية. بيد أن من قاموا بكتابة النصوص الدينية لم يكونوا خبراء في علوم الأرض (الجوليجيا) أو الأحياء أو الفضاء لم تتح لهم فرصة النظر في مجهر إليكتروني أو مجهر "هوبل" أو استخدام وسائل حديثة لتحديد عمر الكربون. لم أنزعج أبدا لما ورد في الإنجيل من أن الأرض منبسطة أو أن لها أركانا أربعة، أو أن النجوم تتساقط علي الأرض مثل ثمر التين حين يسقط علي الأرض، أو أن الله قد خلق الكون في ستة أيام.
بالنسبة لي فأنه كلما تم تسجيل اكتشاف علمي مبتكر أو قدمت نظرية علمية جديدة و تم إثباتها بملاحظة الحقائق و التحقق منها كنت أعد ذلك مجرد "كشف للحجب" أتاحه الله للإنسان  الخطاء صاحب العقل المحدود... ليس لإبن آدم الخطاء أن يؤثر سلبا علي ما خطه الخالق العظيم مطلق القدرة في هذا الكون الهائل.
معلوم أنه كلما اكتشف العلماء معلومات مبتكرة أو ملاحظات جديدة عن الطبيعة و ما فيها، فإن هذه الاكتشافات تختبر و توضع تحت المجهر و يتم إثباتها و قبولها، أو يكشف عن خطلها و من ثم رفضها... هذه هي طريق "العلم" في الوصول إلي الحقائق. لا يمكننا إنكار وجود ملايين المجرات سحيقة البعد، أو أن لا نقبل تطور الأنواع أو نظرية "الانفجار العظيم" لمجرد أنها لم ترد في الإنجيل.و لا يعني الإيمان بهذه الاكتشافات و الظواهر إنكار وجود الله، إذ أنني شديد الإيمان بأن الله قد منحنا فرصة رائعة لندرس و نستقصي و نستكشف. ليس من المعقول في ظني تصور أن الإنجيل يحوي كل شيء في هذا العالم المادي أو أن يذكر كل الاكتشافات العلمية، و لا يعقل أن تكون مثل هذه الاكتشافات ضرورية لتكون كأساس لعقيدتنا المسيحية.
إن أحد كتابي المفضلين في مجال العلوم هو ستيفن جاي جولد و الذي تبادلته معه بعض المكاتبات من زمن بعيد. كتب ذلك العالم في عام 1989 ما أحسبه أفضل كتبه و هو بعنوان:
 "المواطن السجيل و طبيعة التاريخ: حياة رائعة " لقد أعجبت أيما إعجاب بما أورده الكاتب من وصف رائع لمخلوقات عجيبة ظهرت علي سطح البسيطة عقب التحول المناخي الذي حدث في العالم قبل 500 مليون عام. كتب ستيفن جاي جولد عما أعقب ذلك من تطور لتلك الأنواع بما شبهه بشريط يدخل عبر آلة ميكانيكية و يخرج منها علي صورة من الصور، و كأن الأمر أمر اعتباطي لا نظام فيه و لا تدبير. كتبت إلي ذلك الكاتب منبها إلي أنه لا بد من وجود أمر منطقي و قوة واعية تدبر و تنظم كل تلك العملية. لم يعبأ الرجل بالرد علي مكتوبي، بل كتب مستهزئا بما بعثت له من رأي و ذلك في مقاله الشهري في مجلة كان يصدرها (و ضمن ذلك المقال أحد كتبه فيما بعد). و قبل عامين من وفاته في 2002 أرسل لي نسخة من كتابه "صخرة الأزمان"، و هو كتاب غاية في الإمتاع و الفائدة قصد منه كاتبه المساهمة في حل قضية الصراع بين العلم و الدين بما أسماه nonoverlapping magisteria  و هي عملية فصل الدين بالكلية عن العلم باعتبارهما شيئين مختلفين لكل منهما منطقه المميز و منطقته الخاصة. فالعلم يعرف و يفسر العالم المادي (الطبيعي) بينما يختص الدين بالعالم الروحي، و لا ينبغي لأي منها التعدي و التدخل في شئون الآخر. كان ذلك المنحي في التفكير مقبولا بالنسبة لي. فأنا أؤمن بأن الدين ليس له من مكان في حصة العلوم بالمدرسة، بيد أن ذلك لا يمنع المسيحي المتدين من رفض مقولات  تشارلس داروين و تفسيره لتطور الأنواع أو أي اكتشاف جيولوجي مفاده أن عمر هذه الأرض يفوق ستة ألف عام، بيد أن آراء ستيفن جاي جولد الفكرية لم توافق قط معتقدي الشخصي الذي لم يتزحزح عن أن الله هو خالق هذا الكون و أن النظريات العلمية (إن تم إثباتها)  فإنه يجب القبول بها حتى و إن تصادمت حينا مع بعض ما ورد في الإنجيل عن الخلق و عن مراكز و تركيب الأرض و السموات و الجنان.
لن نعدم في هذه الدنيا أناسا يصرون علي نوع واحد من المعرفة لا تتيح فرصة لنوع آخر، و أناسا يرون العلم نقيضا للدين، و أنهما لا يفسران أو يثبتان أحدهما الآخر. لا يزعجني هذا الأمر إذ أننا قد خلقنا أحرارا في التفكير نقبل ما نقبله و نرفض ما نرفضه، دون أن يعني ذلك  حرمان الآخرين من حرية تدارس أي أمر أو أن نرضي أو نعارض أي أمر يوضع أمامنا كحقيقة ماثلة لا تقبل التأويل أو التحريف.
أختم بقصيدة كتبتها قبل سنوات عديدة تلخص الصعوبات التي أواجهها في فهم هذا العالم المحيط بنا (القصيدة من ترجمة الأستاذ القدير عبد المنعم خليفة، مع شكري للأستاذ محمد عثمان لعونه المقدر. المترجم).
تأملات في الخليقة وأسرارها
 في محاولة لسبر غور قوانين الطبيعة
من خلال النماذج الدوارة ورسومات الصف المدرسي
كدت أن أصل إلى الإيمان
لولا أن جاءت جزيئات الذرة والدقائق النووية والجسيمات ضئيلة الكتلة
وهي تشير نحو اتجاه مضاد
وكأنها صورة منعكسة على صفحة مرآة
تخترق أديم الأرض محدثة ثقوبا
وهي لا تنحرف عن مسارها أبداً
*****
لقد استمعت إلى وجهات نظر متناقضة
عن العوالم العظمى وما دونها
وعن الانشطار العظيم الذي هو منشؤها كلها
وعن الفضاءات المقوسة والأبدية الاتساع
وربما عن اليويو ذي الدوران الهائل
والذي سوف يصل يوماً ما إلى نهايته
المتمثلة في الجاذبية الكونية
ثم يطير محلقاً مرة أخرى حيث يعيد الكرة من جديد
أو تنشطر أجزاؤه بقوة هائلة وفجاءة
وحينها .. وحينها تقع الواقعة الأخرى
فهل كل هذا مصادفة؟
 _____________________________________________
نقلا عن الأحداث