‘Shama will not dance’: University of Khartoum politics, 1964 -69
Rebecca Glade ريبيكا قليد
مقدمة: هذا عرض وتلخيص لما ورد في مقال لريبيكا قليد عنوانه: ("شامة لن ترقص": السياسة في جامعة الخرطوم، 1964 – 1969م)، نُشر عام 2019م بالعدد التاسع والثمانين في المجلة الأكاديمية "أفريقيا Africa ".
وبحسب ما جاء في موقع جامعة كولومبيا بنيويورك تعمل ربيكا قليد حاليًا مساعدة للتدريس في قسم التاريخ بتلك الجامعة، بالإضافة إلى كونها رئيسة مشاركة لجمعية تاريخ الخريجين لعام 2017-2018. وهي أيضًا معلمة متطوعة في جامعة الخرطوم في السودان، حيث شاركت في إنشاء وأعمال أرشيف التصوير الفوتوغرافي التاريخي السوداني (حين قضت في السودان خمسة أعوام من السبع سنوات الأخيرة). وهي حاصلة على درجة البكالوريوس في العلاقات الدولية من جامعة جورج تاون، وعلى درجة الماجستير في الهجرة والعلاقات الدولية من جامعة ستافانغر بالنرويج (1).
يمكن النظر في مقال لعبد الله علي إبراهيم له علاقة بما ورد في مقال ريبيكا قليد (2)، وفي مقاله الآخر بعنوان "العجكو 1968-2018: الإخوان أدو النقارة عصا والحلة عيطة" في الفيس بوك عن الحادثة (3).
المترجم
******** ********** **********
خلاصة البحث
نظمت "الجبهة الديمقراطية" بجامعة الخرطوم في عام 1968م حفلا راقصا للفلكلور السوداني، في بداية حملتها لانتخابات طلاب الجامعة. ولقي ذلك الحفل معارضةً من طلاب الحركة الإسلامية. وأفضى ذلك النزاع بين الطرفين (الذي عرف بـ "حادثة العجكو") إلى عنف دموي قُتل فيه أحد الطلاب. ونتناول في هذا المقال تلك الحادثة بحسبانها أول حادثة مسجلة لعنف طلابي (دموي) في جامعة الخرطوم. واعتمدنا هنا على ما أوردته الصحف في تلك الأيام، وعلى مصادر ثانوية، وعلى مقابلات مباشرة مع بعض من شاركوا في تلك الحادثة. ونحاول في هذا المقال استكشاف صراع الأيديولوجيات السياسية والأخلاقية التي كانت عَلَى المِحَكِّ في جامعة الخرطوم، وارتباطاتها وسلطتها وقوتها الفعالة فيما يتصل بالسياسة في الخرطوم بصورة عامة. ونخلص إلى أن الدائرة السياسية للطلاب لا تعمل ببساطة كمرآة للبيئة السياسية الأوسع فقط، بل تعمل كموقع للحشد والتعبئة للأحزاب ذات القاعدة العقائدية، مما يسمح لمجموعات شبابية راديكالية بالتأثير على الحوار الوطني، وتضع ضغوطا على الأطراف السياسية الوطنية.
******* ********** ***********
بدأت الكاتبة مقالها بتعريفها لـ "حادثة العجكو" بالقول بأن طلاب الجبهة الديمقراطية (وهي تحالف يضم الطلاب الشيوعيين واليساريين / الديمقراطيين) درجت في كل عام – خاصة عندما تحين انتخابات اتحاد الطلاب – على إقامة حفل ثقافي يشمل عرض لمسرحيات وإلقاء شعر. وفي عام 1968م أضافت الجبهة الديمقراطية لبرنامجها (المقام بقاعة الامتحانات) منوعات راقصة من مختلف أنحاء السودان، كانت منها رقصة العجكو التقليدية في غرب السودان. ولعل تلك الرقصة هي ما أثار ذلك النزاع العنيف، وبه سميت الحادثة "حادثة العجكو". وكان طلاب "الحركة الإسلامية" الأعضاء في اتحاد الطلاب قد عبروا قبل قيام الحفل عن عدم قبولهم بقانونية الحفل (أو بالرقص فيه تحديدا؟) وهددوا بأنهم سيقومون بإيقاف الحفل إن شمل الرقص. وقيل إنه مع بدء ضربات الطبول وقف الطالب الإسلامي (عبد الرحيم علي) وطالب بإيقاف الحفل. ولما لم يجد استجابة بدأ النزاع بالعصي وبأسلحة مختلفة أخرى جلبت من خارج الجامعة. وأستخدم البعض كل ما وقعت عليه أعينهم في مكان الحفل مثل الكراسي وغيرها. وتواصلت المطاردات والنزاع إلى خارج القاعة، وركض بعضهم نحو الداخليات والكافتيريا. وقُتل في تلك الحادثة طالب اسمه (سيد عبد الرحيم الطيب)، وقيل إنه مات دوسا بأقدام الطلاب وهم يجرون سريعا خارج القاعة. وأجرت السلطات تحقيقات حول مقتل الطالب ولكنها لم تجد دليلا قويا على هوية المسؤول عن قتله.
اعتبرت الكاتبة أن تلك الحادثة (والصراع السياسي الذي أفضت له) تمثل صورة مصغرة (مايكروكوزم microcosm) للجدال الدائر حول السياسات الوطنية، وكيف أن السياسة وسط الطلاب تستخدم كميدان أو منصة انطلاق لجعل السياسة الوطنية أكثر تطرفا وراديكالية.
وتطرقت الكاتبة بعد ذلك لتعريف القراء بتاريخ جامعة الخرطوم وتكوين اتحاد الطلاب والجمعيات المختلفة بها، وكيف أن اتحاد الطلاب هو المسؤول أمام الحكومة (والجامعة) عن النشاطات الاجتماعية والثقافية والرياضية التي تقيمها تلك الجمعيات المعترف بها من قبل الاتحاد. وتناولت تفاصيل ذلك الإتحاد وعدد أفراده ولجنته التنفيذية وطريقة انتخابه بالتمثيل النسبي الخ. وأشارت الكاتبة إلى أن تكوين اتحاد الطلاب عقب كل انتخابات كان يعكس اتجاها سياسيا معينا، ولا غرابة، إذ أن دستور الاتحاد كان يتضمن الاهتمام بشؤون الطلاب ويؤكد أيضا على الاهتمام بالقضايا الوطنية العامة. غير أنه يجب القول بأن اتجاهات طلاب الجامعة السياسية (المناصرة للحزب الشيوعي أو جبهة الميثاق الإسلامية) لم تكن تعكس تماما اتجاهات غالب سكان البلاد، الذين كان يدين معظمهم بالولاء للحزبين الكبيرين: الأمة أو الاتحاد الديمقراطي، وهما تحت رعاية طائفتي الأنصار والختمية، على التوالي. ولم يكن لهذين الحزبين أي وجود فاعل بين أوساط الطلاب. وكانت هنالك أيضا جماعات (أصغر عددا) للطلاب المستقلين والاشتراكيين والبعثيين والناصريين. ولم يكن أي من تلك الجماعات ينال أصواتا كثيرة في الانتخابات، ولكن أفرادا منهم قد يٌمثلون في الاتحاد بحسب الظروف السياسية السائدة داخل أو خارج الجامعة.
وتناولت الكاتبة بعد ذلك النشاطات الثقافية في الحياة الطلابية، وكيف أن وتيرة إقامة تلك الأنشطة تزداد عادةً عندما يقترب موعد انتخابات الاتحاد. وكانت إقامة الجمعيات (خاصة تلك التابعة لـ "الجبهة الديمقراطية" و"الإسلاميين") لتلك الأنشطة فرصة مواتية للحفاظ على عضويتها وزيادة أعدادهم. وكان الطلاب ينضمون لتلك الجمعيات الثقافية بحسب اتجاهاتهم السياسية. وأفضى ذلك لجعل الطلاب لا يتداخلون مع بعضهم اجتماعيا وثقافيا (في نادي الطلاب وخارجه) إلا مع من يتوافقون معهم سياسيا وفكريا.
وفي سنوات الستينيات عُرفت "الجبهة الديمقراطية" بأنشطتها الثقافية في مجال الدراما والفنون (خاصة في مجالات المسرح والموسيقى والسينما والفنون الشعبية) عن طريق جمعيات "الفكر التقدمي" و"الثقافة الوطنية" وغيرهما. ووثق لهذا الجانب عمر سر الختم، أحد أعضاء "الجبهة الديمقراطية" في الفترة بين 1968 – 1973م. ولم تكن تلك الجمعيات تحتفظ بسجلات لأعضائها، بل كانت تعمل بطريقة غير نظامية / رسمية، وتمارس نشاطها بمعزل عن السياسة (اليومية). وكان معظم من ينتمون لها من المغرمين بالفعل بتلك الضروب من الفنون، ومارسوها كمهن بعد تخرجهم. ولم يكون تمويل تلك الجمعيات الثقافية يأتي من "الجبهة الديمقراطية"، بل يأتي مباشرة من اتحاد الطلاب. وكانت الجمعيات (ذات التوجهات السياسية) تحاول استمالة عواطف الطلاب المستقلين على أمل أن ينضموا لها ويشاركوا في أنشتطها (بحسب ما جاء في إفادة سليمان محمد إبراهيم أحد أعضاء "الجبهة الديمقراطية" في مقابلة للكاتبة معه في يوم 13/1/ 2015م).
وكانت للحركة الإسلامية جمعياتها الخاصة أيضا، وكانت تتميز بصبغة دينية واضحة. وذكر عبد الرحيم علي، أحد زعماء الحركة الإسلامية في الستينيات، في مقابلة مع الكاتبة في 9/3/ 2015م، بأنه لم يكن نشطا في العمل السياسي المباشر للحركة الإسلامية، بل كان يشارك في مجموعة اسمها "جمعية الفكر الإسلامي" كانت تقيم محاضرات ومناظرات مع متحدثين من السودان وخارجه من أجل "ترقية الحوار السياسي داخل الجامعة". ومثلها مثل الجمعيات الأخرى، كان تلك الجمعية تُمول من اتحاد الطلاب، ولها ميل سياسي لا يخفى. وضرب عبد الرحيم علي مثلا على ذلك بإقامة تلك الجمعية لندوات ومحاضرات ألقاها بعض السياسيين السودانيين على الطلاب. ودارت إحدى تلك الندوات في عام 1966م حول إعدام الحكومة المصرية لبعض قادة الإخوان المسلمين في مصر، تحدث فيها كبار الساسة بالسودان منهم الصادق المهدي وإسماعيل الأزهري وحسن الترابي.
وكانت للحركة الإسلامية بجامعة الخرطوم جمعيات أخرى لها نشاطات ثقافية (دينية في الغالب) لا علاقة لها بالسياسة. وأكدت ذلك كلثوم أبو القاسم (التي كانت عضوة باتحاد الطلاب في عام 1972م) في مقابلة لها مع الكاتبة في يوم 1 مارس 2015م، حيث ذكرت بأنها كانت عضوة في جمعية نسائية (اجتماعية أكثر منها سياسية) كانت تتدارس القرآن وتقيم الصلاة في داخلية البنات. وذهبت إلى ذلك أيضا آمنة بدري (التي بدأت نشاطها مع الحركة الإسلامية واتحاد الطلاب في عام 1974م، وذلك في مقابلة لها مع الكاتبة في 18 مارس 2015م. وأشارت آمنة بدري إلى أنها كانت تمارس العمل السياسي في الحركة الإسلامية، ولكنها كانت تعمل أكثر في الجانب الاجتماعي لتلك الحركة (وشمل ذلك تنظيم حفل استقبال للطلاب الجدد وتجنيدهم للحركة وتكوين حلقات صغيرة تعرف بـ "الأُسَر" تجتمع بصورة منتظمة للتلاوة والقراءات الدينية)، في تقليد لما كان يمارسه الإخوان المسلمون بمصر من تنظيم.
وترى الكاتبة أنه على الرغم من أن تلك الجمعيات مختلفة الأنواع والمشارب كانت جمعيات غير نظامية / رسمية، إلا أنه كانت لها الكثير من الآثار الكبيرة في الحياة الطلابية، وكانت عاملا مساعدا مهما للتنظيمات السياسية التي تنتمي لها، ولكنها في ذات الوقت كانت تشجع على الفرقة والانقسام وتضاعف من الاستقطاب في أوساط الطلاب، وذلك لقوة الصلة بين النشاطات الثقافية والسياسة، ولعزوف الطلاب على الانضمام لجمعيات ثقافية لا ترتبط باتجاههم السياسي.
وتناولت الكاتبة الجدل الذي دار حول الرقص العام، الذي عده كل من قابلته الكاتبة من طرفي النزاع على أنه "تعبير عن السياسة" ويهدف لتقوية نشاطات "الجبهة الديمقراطية" قبيل انتخابات اتحاد الطلاب، رغم أنه كان مناسبة ثقافية. وأكد ذلك صدقي كبلو في مقابلة له مع الكاتبة يوم 20 يناير 2015م، ولكنه ذهب إلى أن الغرض من الحفل لم يكن لمناقشة الأمور السياسية، ولم يكن ذلك في برنامج المنظمين للحفل أصلا، إلا أنه كان يؤمل أن يكون الحفل فرصة للطلاب للقاء بعضهم البعض ومناقشة الأمور السياسية بصورة غير رسمية فيما بعد. وكانت إقامة مثل ذلك الحفل أمرا سنويا معتادا، إلا في عام 1968م عندما واجه طلاب "الحركة الإسلامية" ذلك الحفل بالعنف. وكان طلاب "الجبهة الديمقراطية" يؤكدون على حقهم في إقامة ذلك الحفل (الذي وافقت إدارة الجامعة على إقامته) وفق ما يرون، ويعدون معارضة طلاب "الحركة الإسلامية" له مجرد معارضة لسياستهم وحجر لحريتهم في إقامة حملة تسبق الانتخابات، وليس معارضة ضد ما سيقدم في ذلك الحفل من برامج متنوعة. وأكدت ذلك ريل الشام محمد تمساح (أو شامة) الطالبة بجامعة الخرطوم بين عامي 1966 إلى 1970م وعضوة "الجبهة الديمقراطية"، التي رقصت في ذلك الحفل، وقالت في مقابلة لها مع الكاتبة في 21 فبراير من عام 2015م بأنها كانت تعلم بأن "هؤلاء الناس كانوا ضد الجبهة الديمقراطية، وضد نشاطاتها".
أما أعضاء "الحركة الإسلامية" فكانوا يرون أن تلك المناسبة كانت تعكس عدم المساواة بالجامعة، وتعكس أيضا السياسات الداخلية بها. وكانوا يرون في تلك الرقصات مسألة أخلاقية تستوجب الملاحقة، إذ أن رقص النساء في مكان عام أمام الرجال والنساء من الأمور المعيبة، وأن السودان - كما ذكر عبد الرحيم علي وهو يناقش عميد شؤون الطلاب إنابة عن الطلاب الإسلاميين – "بلد محافظ، ولا يليق بالجامعة أن توافق على أمر كهذا". وفي ذات الوقت يجب ملاحظة أن اعتراض الطلاب الإسلاميين لم يمتد لكل الرقصات في كل مكان. فهنالك العديد من الرقصات التي شاهدها هؤلاء الطلاب أنفسهم في أنحاء متفرقة من السودان في مناسبات مختلفة (خاصة حفلات الأعراس). غير أن عبد الرحيم علي ذهب إلى أن اعتراضهم كان يتعلق بـ "الجانب الأخلاقي في الرقص المختلط في الجامعة، إذ أن هذا النوع من الرقص لم يكن مسموحا به بالسودان في ذلك الوقت عدا في بيوت الأعراس، وعادة ما يتم في أوساط أفراد العائلة فقط. لذا لم تكن تلك الرقصات (المختلطة) من الأمور العادية". ويبدو أن الإسلاميين يعدون تلك الرقصات "تقليدية" في المجتمعات السودانية، ولكن اِنْصَبَّ اعتراضهم على الجو والمحيط الذي عُرضت فيه. ولا يرى هؤلاء أي شيء غير عادي في أن ترقص ذات الطالبات في مجتمعاتهن خارج الخرطوم (بغض النظر عن قبولهم أو رفضهم لتلك الممارسة). وإضافة لرفض الطلاب الإسلاميين أخلاقيا للرقص المختلط في الجامعة، فقد كانوا يرون أيضا أن استخدامه في الحملات الانتخابية يُعد تكتيكا غير عادل و"خدعة قذرة" لاستمالة الجانب اللاعقلاني في اختيارات الطلاب الناخبين، ولتشجعهم على التصويت لأسباب غير أيديلوجية، ويؤمنون بأن الصراع السياسي في الجامعة يجب أن يقتصر على الحملات الفكرية والأيدلوجية والسياسية. وفي هذا قال قطبي المهدي (في مقابلة للكاتبة معه في يوم 10 مارس 2015م) إنه كان ينبغي على طلاب "الجبهة الديمقراطية" أن يقيموا المناظرات والاجتماعات ليخبروا الآخرين ببرامجهم، ويستمعوا لما يقوله الآخرون، ولكنهم "آثروا أن يقيموا حفلا راقصا وأشياء من هذا القبيل ...". وعبر الطيب زين العابدين عن ذات الرأي في مقابلته مع الكاتبة في 17 مارس 2015م.
ترى كاتبة المقال أن مواقف وأفعال طلاب "الجبهة الديمقراطية" و"الحركة الإسلامية" كانت سياسية الدوافع. فقد سعت "الجبهة الديمقراطية" بترتيب مناسبة تقدم فيها رقصات نسائية في مختلف أقاليم السودان بهدف تقديم عرض يستخدم أنشطة النساء العامة للإشارة لـ "وطن" كبير يؤمنون به ويتمثلونه، ويؤملون بذلك في الحصول على أكبر عدد ممكن من الأصوات في الانتخابات. وكان طلاب "الحركة الإسلامية" يعارضون الاحتفال في وجه بيئة جامعية متغيرة، تبدلت فيها أدوار المرأة وتغيرت أيضا طبيعة السياسة فيها. وأتت كل تلك الجهود كاستجابة للتغيرات الاجتماعية في المجتمع السوداني ككل، مع تزايد هجرة الرجال والنساء للخرطوم بأعداد كبيرة، ومشاركتهم في مختلف الأنشطة السياسية والتعليمية خارج بيئات مجتمعاتهم التي نشأوا فيها.
وتطرقت الكاتبة أيضا لما أفضى له النزاع العنيف بين طلاب "الجبهة الديمقراطية" و"الحركة الإسلامية" من نتائج كان منها التأثير على النقاشات (السياسية) خارج أسوار الجامعة. وفي غضون العهد البرلماني الذي وقعت فيه "حادثة العجكو" كانت الأحزاب الطائفية (الأمة والاتحاد الديمقراطي) تتسيد السياسة الانتخابية والقانونية، بينما كان الحزب الشيوعي و"جبهة الميثاق الإسلامي" يؤثران على الحوار الوطني في داخل وخارج البرلمان (رغم قلة عدد أعضائهما فيه). وشعرت الأحزاب التقليدية بأن عليها ضغوطا لتستجيب وتتعامل مع ظاهرة العنف الطلابي في داخل الجامعة، وأن تنتبه أيضا للصلات بين طلاب الجامعة المنتمين إليها حزبيا، وبين عضويتها العامة المنتشرة في كل أنحاء البلاد. وكانت حقيقة أن ذلك الصراع العنيف قد وقع بين طلاب الجامعة اليساريين والإسلاميين (الذين كان لحزبيهما بعض النواب في البرلمان) ينعكس بشكل سيء على السياسة بالدولة ككل، ويشير إلى مستوى من الفَظَاظَة لم يكن مقبولا، وينذر بانحدار في نوعية قادة العمل السياسي في المستقبل.
ذهبت الكاتبة في مقالها إلى أن تلك الحادثة ساهمت لاحقا في تشكيل أفكار ومناقشات الطلاب وناشئة الأساتذة الذين شهدوها، وفي مقاربتهم للسياسة والأنشطة السياسية. وأضافت بأن بعض النشطاء الذين تحدثت معهم بصورة غير رسمية ربطوا في حديثهم معها بين حادثة الرقص في عام 1968م وبداية الجماعة المسرحية المسماة "أبادماك" في نهاية الستينيات. وفي مقابلة لها في يوم 25 /2/2016م مع عبد الله علي إبراهيم، أحد أعضاء الجبهة الديمقراطية في تلك الفترة، ذكر لها بأنه لم يكن يرى قبل وقوع تلك الحادثة أي أهمية سياسية للأنشطة الثقافية، ولكنه بدأ بعد ذلك في المشاركة فيها.
وكانت صحيفة "الأيام" قد نشرت في صفحة "الشباب والطلاب" بها يوم 6 نوفمبر 1968م (اليوم السابق للحادثة) تقريرا عن الحفل وبرنامجه وأبعاده السياسية. ونشرت ذات الصحيفة بصفحتها الأولى في اليوم التالي للحادث (8 نوفمبر) خبر الأحداث العنيفة التي وقعت بالجامعة، والبيان الذي أصدرته إدارة الجامعة بخصوصها. وفي غضون أيام ذلك الأسبوع تناولت الصحف (خاصة الصحف اليسارية التوجه) مسألة العنف الطلابي بالجامعة بالتعليق والمناقشة. وندَّدَ الحزب الشيوعي السوداني في بيان له بالعنف الذي وقع، ولكنه عد الأمر شأناً طلابيا محضا. كذلك ندَّدَت الحركة الإسلامية خارج الجامعة بما جرى من عنف في محاولة للتباعد عن أفعال طلاب الحركة الإسلامية بالجامعة. وذكر قطبي المهدي للكاتبة في مقابلتها معه يوم 10/3/2015م بأن حسن الترابي زعيم الحركة الإسلامية كان قد كتب في صحيفة تصدر باللغة العربية عن رفضه لما قام به طلاب الحركة الإسلامية بالجامعة من عنف، وعن أن مثل تلك الأفعال لا تمثل الحركة الإسلامية ككل. وتعتقد الكاتبة أن تلك التصريحات والتعليقات كانت تهدف لتحسين صورة الحركة الإسلامية، ولكنها كانت متسقة أيضا مع ما أجمعت عليه الأحزاب السياسية الأخرى. ويبدو أن كل تلك الأحزاب كانت -عادةً - سلبية الأفعال فيما يتعلق بالشؤون الداخلية في الجامعة، إلا عندما تحتل أخبار الجامعة وطلابها الصفحات الأولى للصحف السياسية.
******* ***********
خلصت الكاتبة إلى أن سياسة الطلاب بجامعة الخرطوم (خاصة المتعلقة بالصراع بين الحزب الشيوعي والحركة الإسلامية) كانت تمثل في بعض الجوانب صورة مصغرة للسياسة الوطنية بالبلاد. ووصل لاحقا الحزبان في نهاية المطاف إلى سُدّة الحكم (الأول مع انقلاب نميري في مايو 1969م، والثاني مع انقلاب الإنقاذ في يونيو 1989م).
وأثبتت تلك الحادثة أن النشطاء والسياسيين من الطلاب لم يكونوا مجرد تُبَّع لأحزابهم، يأتمرون بما يأمرهم به قادتها في كل المسائل، بل كانوا على درجة عالية من الاستقلالية فيما يخص محيطهم الخاص، ويتحكمون في علاقاتهم وتداخلاتهم مع بعضهم البعض، ويصدرون بمفردهم بياناتهم التي تعكس أفكارهم واتجاهاتهم دون تأثر أو تدخل من أحزابهم خارج الجامعة. وبهذا، فهم يقررون مواقفهم السياسية في مختلف شؤون الدولة، التي ربما اختلفت عن مواقف (قيادات) أحزابهم.
خرجت "حادثة العجكو" من دائرة الصراع الطلابي في الجامعة (بين اليساريين والإسلاميين) إلى دائرة السياسة العامة بالبلاد كافة، وأجبرت الساسة على الانتباه لها والتعامل معها. وغدت الجماعات السياسية الطلابية موقعا للراديكالية، تمارس من خلاله ضغوطا على أحزابها وتشجعهم على الاهتمام بقضاياهم وعلى التَحْشيد والتعبئة وفق خطوط مغايرة.
********** *******
إحالات مرجعية
(1) https://history.columbia.edu/person/glade-rebecca/
(2) انظر مقال عبد الله علي إبراهيم بعنوان" العجكو (1968): وأمهلهم كثيرا". https://tinyurl.com/y5dp3o6s
(3) https://tinyurl.com/yysjhpew


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.