Percy F. Martin بيرسي اف. مارتن 

ترجمة: بدر الدين حامد الهاشمي

مقدمة: هذه ترجمة لما جاء في الفصل الحادي والعشرين من كتاب (السودان في طريق التطور Sudan in Evolution) الذي صدر بلندن في عام 1921م عن دار نشر كونستابل وشركاه، لمؤلفه البريطاني بيرسي اف. مارتن Percy F. Martin (1861 – 1941م).
ويتناول هذا الفصل تاريخ ميناء بورتسودان منذ تشييده بين عامي 1906 – 1909م، وحتى كتابة هذا الفصل في عام 1919م.
ومن المقالات المترجمة عن هذه المدينة الساحلية يمكن النظر في مقالين هما: (عرض لكتاب "بورتسودان: نشأة مدينة استعمارية")1، و(قصة إنشاء ميناء بورتسودان)2.
المترجم
******* ****** ******
أثبتت الخرائط والرسومات القديمة لساحل البحر الأحمر وجود ميناء طبيعي كبير يسمى "الشيخ برغوث" يقع على بعد 29 ميلا شمال سواكن. ومدخل ذلك الميناء عريض يسمح بدخول وخروج بواخر كبيرة تحمل أوزانا ثقيلة، ويوجد به عدد أقل من الشعاب المرجانية الخطرة مقارنة بما هو موجود في سواكن.
وبعد مداولات معمقة حول مزايا وعيوب ميناء "الشيخ برغوث" مقارنة بسواكن قررت حكومة السودان الاستعانة بآراء خبراء مختصين في هذا المجال. وزارت لجنة من هؤلاء الخبراء "الشيخ برغوث" وسواكن في صيف عام 1904م، وقدمت في سبتمبر من ذات العام تقريرها الذي خلص إلى أن ميناء "الشيخ برغوث" هو الأفضل. وأفتتح بعد خمس سنوات من ذلك ميناء "الشيخ برغوث"، بعد أن سُمي "ميناء بورتسودان"، على يد الخديوي السابق (أفتتح في الرابع من أبريل من عام 1909م على يد الخديوي عباس حلمي الثاني ولورد كرومر، قنصل بريطانيا بمصر. المترجم).
ثم اُختيرت بورتسودان كمحطة أخيرة للسكة حديد، وميناء (وحيد) للسودان، نسبة للصعوبات والعوائق الموجودة في الميناء القديم (سواكن). ولاقى التخلي عن ميناء سواكن بعض الانتقادات، التي اقترح مقدموها الإبقاء على الميناءين معا. غير أن غالب الخبراء لم يوافقوا على ذلك. فعيوب ميناء سواكن أكثر وأخطر من تلك التي في بورتسودان كما أسلفنا. إضافة لذلك لم يكن من الممكن للسفن أن تدخل في ميناء سواكن ليلا، وستكون تكلفة توفير الإضاءة للميناء عالية جدا. وتم تقدير إن أدخال الإضاءة سيتطلب تركيب 11 كَشَّافا كبيرا. ومن غير المتوقع أن تقوم غالب السفن بالمغامرة بدخول ميناء سواكن ليلا، على كل حال. ومن جانب آخر، أكد الخبراء أن نحو 60% من السفن التي تصل لبورتسودان تدخلها ليلا.
ويصلح ميناء بورتسودان ليكون قاعدة بحرية مثالية، ويمكنه استضافة اسطول كامل من الرجال المحاربين بكل سهولة. وله أيضا مزايا استراتيجية عظيمة، خاصة إن قفلت قناة السويس في زمن الحرب، فمن السهل إرسال الجنود إلى الهند عن طريق الإسكندرية، وعبر النيل إلى بورتسودان.
وبالميناء قناة مستقيمة من المياه العميقة تمكن السفن من الدخول لـ "ثغر" الميناء بسهولة. ويقع ذلك "الثغر" بميلان يسير مقارنة بسطح ساحل البحر، مما يجعل الشعاب المرجانية في الخارج تشكل حمايةً من أمواج البحر العالية التي تجلبها الرياح الجنوبية والشرقية. ويبلغ عرض مدخل ميناء بورتسودان 500 ياردة، ويمتد ذلك العرض لمسافة ميل كامل. ثم يتسع ذلك المدخل ليغدو – من الناحية الجنوبية - حوضا طوله 900 ياردة وعرضه 500 ياردة وعمقه ستة قامات fathoms ، على الأقل. وهنالك حوض آخر، يقع في الجهة الشمالية على بعد ميل ونصف، وحوض ثالث في نهاية المدخل.
وتمت إضاءة ميناء بورتسودان بصورة تثير الاعجاب. فقد أقيمت على بعد 14 ميلا من الشمال الشرقي للميناء منارة من انتاج Sangareb تعطي وميضًا واحدًا كل خمس ثوانٍ، يُرى من على بعد 19 ميلا. وشُيدت في مدخل الميناء نفسه منارة إطارها من حديد سداسي الأضلاع، ويتصل بالساحل برصيف حجري. وضوء هذه المنارة (ونوعه انكساري من الدرجة الثالثة third – order dioptric)، وهو نوع من الإضاءة يأتي تأثيرها من مصباح مركزي يرسل أشعته عبر مجموعة من العدسات المحيطة به. ويختفي الضوء كل عشر ثوان، ويُرى من على بعد 14 ميلا. وهنالك في الجزء الأضيق من القناة كَشَّافان، واحد على كل جانب. وعند الجانب الأيمن في المدخل هنالك إضاءة (من نوع انكساري أخضر من الدرجة الخامسة)، وهنالك عند مدخل الميناء إضاءة مشابهة ولكنها حمراء اللون.
واتخذت إدارة الميناء كل الإجراءات الاحترازية الممكنة لضمن سلامة كل سفينة عند دخولها لمرفأها ليلا.
وهنالك خمسة مرافئ جاهزة للشحن، طول الواحد منها 125 مترا. وبها سبع رافعات تعمل بالكهرباء، منها أربع رافعات جسرية (تستطيع رفع ثلاثة أطنان)، إضافة لست رحويات كهربائية (capstans)، وأربع ناقلات فحم حجري تعمل بالكهرباء. وأقيمت بالميناء أيضا ورشة في حوض بناء السفن (المسفن) مجهزة بصور ممتازة للقيام بكل ما يلزم من إصلاحات وصيانة عامة للسفن والبواخر، إضافة لمزلقة /رصيف إنزال منحدر (slipway) لنقل البخار.
وتتولى سكك حديد السودان إدارة ميناء بورتسودان (وميناء سواكن قبل ذلك). وأكبر مسؤوليها يعد هو أكبر مسؤول بالميناء. وتفرض إدارة ميناء بورتسودان رسوما إجبارية على إرشاد السفن، تعد أقل مما هو مفروض في الموانئ الإفريقية الأخرى. وتراقب إدارة الميناء – بصورة خاصة – البواخر والقوارب الخاصة لضمان التزامها بنظم الميناء في الميناء والمرفأ. وتنشر إدارة الميناء قوائم الأسعار التي تفرضها على مثل تلك القوارب وغيرها، وهذا أمر مفيد للسُيّاح الذين يبلغون بورتسودان بالبواخر من أوروبا، ويقضون بها فترات قصيرة أو طويلة.
وكانت الباخرة الخديوية (المصرية) التي تحمل البريد هي أول باخرة تصل لميناء بورتسودان قادمة من أوروبا في آخر يوم من شهر أكتوبر 1907م (أي قبل اكتمال تشييد الميناء). وغادرت تلك الباخرة الميناء في التاسع من الشهر التالي. وكانت تلك هي المرة الأولى التي يصل فيها البريد المرسل من لندن إلى الخرطوم في غضون عشرة أيام. وكان على كل راكب في تلك الباخرة أن يحمل معه جواز سفره، وأن يُريه في ميناء بورتسودان لمسؤول من مكتب الجوازات قبل أن يُسمح له بدخول الميناء والبلاد. ولا يُعفي من هذه القاعدة العامة حتى كبار المسؤولين الحكوميين المعروفين. وتم التشديد على ذلك الإجراء، إضافة لإجراءات أخرى يراها الركاب مزعجة، في سنوات الحرب الأوربية (العالمية الأولى).
وفي عام 1904م لم يكن بالبلد الذي يسمى الآن "بورتسودان" سوى قبة مهملة للشيخ برغوث، الذي سُمي على اسمه ذلك المرسى الواقع على ساحل البحر الأحمر. أما اليوم فقد شيدت حول الميناء مدينة صغيرة ستغدو بلا ريب في المستقبل مدينة ساحلية كبيرة. وكان الفضل في بدء العمل في إنشاء ذلك الميناء يعود للنقيب كيلي من مصلحة الأشغال العامة بحكومة السودان.
وبلغت تكلفة إنشاء الميناء والمدينة مبلغ 866,000 من الجنيهات المصرية. ومنذ افتتاح الميناء تضاعفت تجارة السودان الخارجية بمقدار الضعفين. وتُعزى تلك الزيادة الكبيرة لمد خط السكة حديد لبورتسودان، وأيضا لتجهيز ميناء بورتسودان بمعدات حديثة مكنته من العمل نهارا وليلا، وجعلته قبلة أنظار سفن الركاب والبضائع لكثير من الخطوط البحرية العالمية.
وفي عام 1908م (أي قبل عام من الافتتاح الرسمي للميناء)، كان الميناء قد تعامل مع 312,770 طنا من البضائع القادمة من أرجاء العالم المختلفة. وبلغت تلك الكمية أقصى وزن لها في 1914م (العام الذي قامت فيه الحرب) 797,278 طنا، ثم انخفضت إلى 429, 138 طنا في عام 1917م.
وشملت الشركات الكبرى التي كانت سفنها وبواخرها تغشى ميناء بورتسودان شركات البريد الخديوي (المصري) ويونين – كاسل، وبومباي – أمريكا، وبريتش انديا، وأوديسا، وكلان، وسيتي، هاريسون، وبيك هول، وايلر مان، وشركة إيطالية هي Societa Nazionale dei Servizi Marittimi.
وتمتاز بورتسودان على الخرطوم في بعض جوانب الطقس. غير أنها، من جانب آخر، تعاني من عيوب ليست بالخرطوم. ويعلم كل من عاش في مناطق ساحل البحر الأحمر أن الرياح الشمالية الشرقية التي تهب عليها تكون عادة باردة، إلا أنها متقطعة. وعندما تمطر السماء ترتفع مستويات الرطوبة، ويغدو الجو مشبعا بها لدرجة أن الهواء يغدو لزجا ومالحا، وهو أمر غير مريح بالطبع للبشر. وتعاني مدينة بورتسودان من هذا لدرجة كبيرة. ويسكن الهواء فيها بالليل. غير أن الريح تبدأ فيها عادة صباحا في نحو العاشرة، وتستمر حتى لما بعد الغروب بساعة أو نحوها. ويسوء الجو ليلا (خاصة في فصل الصيف)، مما يجعل النوم عسيرا ومتقطعا، خاصة مع ازدياد نشاط الحشرات التي لا تهدأ!
ويخلو ميناء ومدينة بورتسودان لحسن الحظ من البعوض، وهي في هذه الميزة العظمى تشابه الخرطوم. غير أن بورتسودان موبوءة بأعداد مهولة من الحشرات الصغيرة تضاعف من الضيق الذي يكابده السكان في أوقات معينة من العام. ويعجب المرء من تقاعس السلطات المسؤولة عن الصحة العامة بالمدينة عن القضاء على تلك الحشرات الدقيقة، مثلما أفلحت في القضاء على البعوض من قبل.
وتبدو المدينة المقامة حول الميناء مدينة عصرية ونظيفة. ويلاحظ المرء سهولة الحركة في الشوارع وخلوها من الرمل (وهو أمر نادر الحدوث في المدن السودانية الأخرى). غير أن المسافات متباعدة في هذا الجزء من المدينة. فقد كان مقياس ومدى التخطيط الأصلي لبناء المدينة شديد الطماح وربما مُنْفَتِحا بأكثر مما يجب، وتركت فيه مساحات شاسعة رُبطت بشوارع عديدة لتستغل لاحقا لمزيد من الأبنية. غير أن شيئا من ذلك لم يتحقق إلى الآن، وربما يحتاج لعقود قبل أن يرى النور.
وشُيدت المباني الحكومية وبيوت الدرجة الأولى بالصخور المرجانية (اللينة نسبيا). ويسهل الحصول على تلك المادة بكميات كبيرة جدا من باطن الأرض التي بُنيت المدينة فوق سطحها. وهذا ما يعطي لعين الرائي منظرا باردا للمدينة، أكثر من أي منطقة بالسودان شمسها فاقعة وساطعة النور. وسُقفت أسطح تلك الأبنية بالقرميد الفاقع الحمرة، أو بصفائح الحديد المتموج المطلي بألوان زاهية مريحة المنظر على خلفية السماء الزرقاء للميناء وللفضاء البعيد. غير أن بهجة ذلك المنظر البعيد كان يقابلها لون باهت أكثر شحوبا في التلال الوعرة المحيطة بالميناء. وهذا ما يجعل المنظر مقبولا بصورة عامة، مثل أي منظر في السودان، وهو بلد ليس مشهورا بمناظره الطبيعية الملفتة للنظر.
ويُتوقع أن ترتفع قيمة أراضي البناء في بورتسودان في السنوات القادمة، وقد يحدث ذلك بالفعل. وكانت حكومة السودان قد قررت عدم تمليك الأراضي تملكا حرا لسكان المدينة. وكان الغرض من ذلك منع المضاربات في الأراضي، مثلما حدث بالخرطوم، وأفضى لنتائج كارثية. وحددت الحكومة تملك الأرض (أو بالأصح استئجارها من الحكومة) بتسع وتسعين سنة، وسنت نظما تحدد نوعية المباني وقيمتها، والمدة الزمنية القصوى اللازمة لإكمال تشييدها.
وكان القصد من كل تلك النظم هو إيجاد اتساق وتماثل في منظر وقيمة المباني بالمدينة. ولا شك أن بورتسودان ستغدو في مقبل السنوات مدينة متجانسة وجميلة. غير أنه لا يمكن الحصول على تجانس وتماثل دائم في منظر المدينة دون إزالة كاملة وشاملة، ودون رحمة، للأكواخ الخشبية العشوائية التي قامت هكذا، في أي مكان وبأي طريقة في الأيام الأولى لهذا العهد.
ومن المباني الرئيسة بالمدينة مبنى المديرية، هو مبنى أنيق مشيد من طابقين بالحجر المرجاني، ومبنى الفندق (الذي كان سابقا مكتب البريد العام)، والمبني أيضا بالحجر المرجاني، ومقر مدير المديرية، ومحطة السكة حديد، ومخازن الميناء ومكاتبه. وهنالك بالمدينة ناديان، وكنيسة صغيرة أنيقة (مبنية من الخشب وصفائح الحديد المجلفن، وبيوت أنيقة لكبار المسؤولين، تستحق أن توجد في مدينة أكبر حجما.
ويلاحظ في بورتسودان عدم وجود أي حدائق أو مناطق طبيعية تكسوها الخضرة. ولا شك أن سبب ذلك هو صعوبة الحصول على مياه كافية بالمدينة لري الأشجار والعشب، وعدم مناسبة تربتها المرجانية للزراعة. غير أن هنالك القليل من أشجار وشجيرات أثل من الفصيلة الطرفاوية (Tamarix) تعيش في مثل تلك الأرض القاحلة.
أما أفضل الشهور في بورتسودان بالنسبة للأوربيين فهي شهور فبراير ومارس وإبريل. فهبوب الريح في تلك الشهور أشد، وحرارة الشمس فيها أقل من باقي السنة.
وبذلت الكثير من الجهود لجلب السُيّاح للتمتع بالكائنات البحرية في البحر الأحمر، خاصة في ساحل بورتسودان. وكان من الزوار لهذا الساحل هو الراحل افالول الخبير في الأسماك piscatorial art))، الذي كان يكرر أن هواة صيد الأسماك في كل العالم سيجدون في ساحل البحر الأحمر ما يثير اهتمامهم. ولست متأكد أن صيد الأسماك في المياه العميقة وحده سيجعل السواح يتوافدون على بورتسودان بكثرة. غير أن إضافة رياضة اليخوت قد تجعل من ساحل البحر الأحمر أكثر إثارة. ولا يخلو هذا الساحل من خطورة على السفن والبواخر والقوارب بسبب ارتفاع الأمواج فيه وشدة عنفها. لذا أرى أن السودان – بصورة عامة - ليس بالمكان المفضل للرياضات البحرية. ولا أتوقع أن يقوم أحد الناس بالاستثمار – لأغراض تجارية – في ذلك الساحل في المستقبل القريب.
********* ***********
إحالات مرجعية
(1) http://www.sudanile.com/33884
(2) http://www.sudanile.com/961