من تاريخ الخدمات الصحية بالسودان في العشرين عاما الأولى من الحكم الثنائي (2/2)

بيرسي اف. مارتن Percy F. Martin
ترجمة: بدر الدين حامد الهاشمي
مقدمة: هذه ترجمة لما جاء في الفصل الرابع عشر من كتاب (السودان في طريق التطور Sudan in Evolution) الذي صدر بلندن في عام 1921م عن دار نشر كونستابل وشركاه Constable & Company ، لمؤلفه البريطاني بيرسي اف. مارتن Percy F. Martin )1861 – 1941م). ويتناول هذا الفصل بعض تاريخ الخدمات الصحية بالسودان في العشرين عاما الأولى من حكم الاستعمار الإنجليزي – المصري.
للمزيد عن تاريخ الخدمات الصحية بالسودان يمكن الاطلاع عدد من المقالات المحكمة منها مثلا مقال مترجم بعنوان: "عرض لكتاب: تاريخ الطب في السودان الإنجليزي المصري، 1899 – 1940م" لهيذر بيل 1955م" ، ومقال بعنوان "مدرسة كتشنر الطبية بالخرطوم" ، ومقالين آخرين بعنوان "الأوضاع الصحية بالسودان قبل مجيء الحكومة الحالية "، و"الأبحاث الطبية التي أنجزتها البحرية الأمريكية في السودان الإنجليزي – المصري".
المترجم
******* ****** ******
معامل ويلكم لأبحاث المناطق الاستوائية (الحارة)
من المدهش حقا أن تجد في الخرطوم، البعيدة في قلب أفريقيا، معامل أبحاث علمية تنافس أي مؤسسات بحثية مشابهة في العالم من حيث المعدات والكادر العلمي والطبي. ومجرد ذكر كلمات مثل "الخرطوم" و"أم درمان" و "السودان" تلامس أوتارا رومانسية، وتعيد للذهن من دون قصد كل التاريخ المجيد والمثير للاهتمام لاستعادة ذلك الجزء العظيم من أفريقيا. وكان إخْضاع القبائل المحاربة المعادية عسكريا مجرد بداية لمناوشات في معركة الاستعادة الحقيقية للسودان، والتي تحققت عمليا الآن بالعلم وبمكافحة الأمراض الفتاكة التي تسببها الباكتيريا والحَيَوَاناتُ الأَوالِيّ (البروتوزوا).
وتُعد معامل ويلكم لأبحاث المناطق الاستوائية (الحارة) في مقدمة رواد محاربي معركة الاستعادة الحقيقية للسودان، وكإحدى أهم مؤسسات الإمبراطورية البريطانية الحيوية. فمهمة هذه المعامل تدور حول البحث في المشاكل المتعلقة بالبيولوجيا الاقتصادية، والتي سيفضي حلها لتهيئة المناطق الاستوائية (الحارة) لتغدو مكانا صالحا للبيض كي يستقروا فيها ويجعلوها وطنا لهم ولأحفادهم من بعدهم، وكذلك لتوفير الأمن لحياة الأهالي، وتحريرهم من رِبقة الأمراض الفتاكة التي كانت تعطل مسيرة تقدمهم، وبعبارة أخرى: نقلهم لحياة التمدن.
لقد كانت بعض ممتلكاتنا الاستعمارية (الامبريالية) المفرطة الحرارة تُوصف –عن حق – بأنها "مقابر الرجال البيض". وندين بالفضل للعلماء والباحثين في مجال أمراض المناطق الاستوائية لجعلهم مثل تلك المقولة شيئا من الماضي. ولا يمكننا الافراط في الثناء على هؤلاء العلماء، ولا في تقدير عظمة ما أنجزوه عندما نعلم أن عددا كبيرا من الإداريين الذين حملوا "عبء الرجل الأبيض" قد سقطوا صرعى بسبب تلك الأمراض الوبيلة، ولعدم توفر معلومات علمية عن أفضل طرق الوقاية منها، وعن وسائل الحماية من عوامل الطقس الحار الوخيم الهواء وغيرها من العوامل التي تفسد الحياة في المناطق الشديدة الحارة.
ونجد الآن بالخرطوم، الواقعة على تخوم الصحراء، معامل ممتازة فيها الكثير من الأجهزة العلمية والمعدات العصرية، يقوم عليها علماء وبُحَّاث أكفاء وهبوا أوقاتهم للعمل الجاد المثمر. وليس هنالك من مثال للسير في طريق التمدن وجني فوائده يوازي مثال ما تقوم به الآن معامل ويلكم لأبحاث المناطق الاستوائية بالسودان. ولا ينتقص البتة من عظم دورها أنها أتت في مؤخرة جيش ظافر. وشاع نور العلم في أراضٍ بقي فيها ظلام البربرية الجاهلة مخيما لقرون عديدة، بفضل إنجازات تلك المعامل في مجال أبحاث أمراض تلك المناطق، وما قدمته من فوائد جمة لسكانها.
وعندما قدم السيد هنري اس. ويلكم لحكومة السودان عرضه أول مرة لإنشاء معامل متكاملة وكاملة التجهيز للبحث في مسببات وعلاج أمراض الانسان والحيوان والوقاية منها بالبلاد، ساور الشك والارتياب بعض النقاد "الحكماء" بذريعة أن هذا مشروع غير عملي وعديم الفائدة في منطقة غير متمدنة. غير أن الحكومة كان لها رأي مغاير، فقد قبلت بالعرض، ومنحته مساحة من الأرض في كلية غردون التذكارية ليشيد فيها معمله رفيع المستوى.
وكان السيد ويلكم قد زار السودان لأول مرة في بداية أيام الاحتلال الإنجليزي – المصري، عقب إزالة حكم خليفة المهدي مباشرة. وكان الرجل شاهد عيان على حجم الخراب والبؤس الذي وجدته قوات كتشنر في كل مكان مرت عليه. وكان انتشار الأمراض يفاقم من حالة الخراب والبؤس التي حدثت في غضون سنوات حكم الدراويش. ورأى السيد ويلكم بعينيه شبابا واعِدين في المناطق التي أقام فيها كتشنر إدارته الجديدة وهم يقعون فريسة للأمراض الفتاكة، وشاهد ضحايا كُثْر يسقطون بسبب الملاريا في وسط أفريقيا. وساعدته خبرته العريضة ومعرفته الواسعة بأمراض المناطق الحارة على فهم المشاكل العويصة التي وجدت حكومة السودان نفسها في وسط معمعتها. ودفعه ذلك للتفكير في إقامة مشروع علمي مهم بعيد الأثر يبحث في الظروف والأحوال التي تجعل من الموت حاجزا بين القارة السوداء والسير في طريق المدنية، وكذلك في اكتشاف أفضل الطرق العملية لكبح انتشار تلك الأحوال والظروف المساعدة على انتشار الأوبئة الفتاكة. ولإحساسه بالحاجة الملحة لإحياء موات هذا البلد المَنْكُود، ولرغبته في دعم مجهودات الحكومة الجديدة وزيادة حماسها لتطوير وتنمية البلاد، قرر السيد ويلكم منحها الوسيلة التي يمكنها بها تنفيذ ما تصبو لتحقيقه في مجالي القضاء على الأمراض وتحسين صحة الأفراد وبيئتهم. ورأى أن خير ما يفعله في سبيل تحقيق ذلك هو إنشاء مؤسسة علمية بحثية مزودة بكل ما يلزم لإجراء بحوث تسهم في حل مشاكل الغابة والصحراء، خاصة اكتشاف مسببات الأمراض الفتاكة التي تصيب البشر والحيوانات بالسودان، وطرق علاجها أو منع انتشارها.
وكان السير ريجلاند وينجت – مثله مثل لورد كرومر وكتشنر – يقدر الأهمية الكبيرة لمثل تلك المؤسسة البحثية بالنسبة للسودان والدول الاستوائية بوجه عام. لقد كان تقليل معدل انتشار الأمراض المعدية والمستوطنة في مساحات واسعة، ظلت من قبل مرتعا للملاريا وموطنا للأمراض الفتاكة الأخرى، بمفرده غايةً تبرر إنفاق مبالغ مالية ضخمة لإنشاء تلك المعامل البحثية. وكان ذلك العمل يسير جنبا إلى جنب أعمال (حكومية) أخرى تسير في اتجاه آخر، وتهدف هي أيضا لتطوير وتنمية بنية اقتصادية للبلاد.
وأثبتت هذه المعامل التي بدأت في العمل بالخرطوم منذ عام 1902م أنها كانت عملا مجيدا صالحا وعظيما. فلا غَرْوَ إذن إن غدت الخرطوم خالية عمليا من مرض الملاريا.
ولا تقل مساهمة معامل ويلكم البحثية في زيادة المعرفة العلمية بطب المناطق الحارة (في الانسان والحيوان) من مساهمات نظيراتها من المعامل الأخرى في أرجاء العالم الأخرى. ولن يقَدَّر مثل تلك المعرفة العلمية حق قدرها إلا طالب علمٍ يدرس ويبحث في وسائل السيطرة على الأحوال والمصادر والأسباب التي تزيد من معدلات حدوث الأوبئة والأمراض المعدية في المناطق الاستوائية، تلك التي حيرت لزمن طويل، الرحالة والأطباء الأوربيين على حدٍ سواء. وسيتمكن العلماء والأطباء من السيطرة على انتشار تلك الأمراض مع تراكم المعرفة والخبرة بمعدل حدوث وانتشار تلك الأمراض. وهذا ما يعمل عليه الباحثون بمعامل ويلكم بالسودان بلا كلل ولا ملل، وبتوفيق كبير ونتائج باهرة.
وشكلت عملية حفظ العينات المرضية، والحشرات الناقلة للأمراض وغيرها بصورة سلمية وإرسالها للمعمل الرئيس بالخرطوم صعوبة كبيرة للبُحاث الذين كانوا يقومون برحلات علمية لمناطق بعيدة لجمع تلك العينات، وذلك بسبب الظروف المناخية غير الملائمة. ولحل تلك المُعْضِلَة جلب السيد ويلكم للبلاد بارجة/ زورقا بخاريا (barge) ليستخدم كمعمل عائم، وزوده بكل أدوات البحث الحديثة ليكون معملا مساعدا لمعمله الرئيس في الخرطوم. وأتت فكرة "المعمل العائم" من مدير المعمل وقتها، الدكتور أندرو بالفور، الذي قام أيضا بتصميم ذلك المعمل. وزُودت غرف السكن في الطابق العلوي من ذلك المعمل بستارة شبكية (مصنوعة من أسلاك معدنية رقيقة) لحماية العاملين به من الحشرات، خاصة البعوض. وتكفلت الحكومة بتقديم باخرة لتجر ذلك المعمل من مكان لآخر، حيث تطلَّبَ عمل الباحثين بالمعمل العائم القيام برحلات عبر النيلين الأبيض والأزرق وفروعهما (مثل سوباط وبحر الغزال)، للدخول في أكثر المناطق المؤوبة في السودان بغرض الحصول على معلومات ثمينة من العينات التي تجمع من تلك المناطق فور جمعها، أي أن تنقل الحرب إلى "معسكر الأعداء"، إن صح التعبير.
وأكاد أجزم بأن ما من معمل آخر في العالم يقوم بعمل علمي وبحثي مفيد بصورة مباشرة للبلاد التي أقيم فيها مثل معامل ويلكم البحثية، التي حُظيت بخيرة المختصين من أطباء وعلماء.
(للمزيد عن تاريخ معمل ويلكم للأبحاث يمكن الاطلاع على كتاب باتريك دارسي المعنون:
"A History of the Wellcome Research Laboratory ، الذي صدر عام 1999م عن دار نشر CRC. المترجم").
وتوسعت الموضوعات البحثية ذات الأهمية الاقتصادية التي تولاها علماء وأطباء معمل ويلكم بالدراسة. وواظب المعمل الرئيس بالخرطوم على نشر نتائج أبحاثه في تقارير رسمية، ومنشورات دورية حسنة الإخراج ومزودة بصور ملونة ورسومات توضيحية عديدة. وليس بالإمكان هنا التوسع في ذكر الموضوعات البحثية التي تولاها المعمل بالتنقيب والدراسة. ولكني أخص بالذكر هنا بحث عملي مفيد أجراه المعمل عن الإجراءات الصحية الواجب اتباعها بالخرطوم للحفاظ على البيئة وصحة السكان بها. وكان من ثمار ذلك البحث عند تطبيق نتائجه أن غدت المدينة واحدة من أن أنظف المدن وأفضلها من ناحية صحية، بعد أن كانت تُعد قبل أعوام قليلة من أقذر المدن الأفريقية.
شن دكتور بالفور حَرْباً شَعْوَاءَ على البعوض الناقل للملاريا في الخرطوم، تماما كما فعل جورجاس كبير الجراحين في بنما، عن طريق نظام محكم للبحث عن أماكن توالد البعوض والقضاء على يرقاته. أما الأبحاث حول الأمراض التي تسببها طفليات في الدم تسمى المثقبيات، التي أجريت بالخرطوم وفي الحقل، فقد كانت قد أضافت الكثير من المعلومات القيمة لما هو معروف عن تلك الأمراض في الإنسان والحيوان. ويحمد للحكومة السودانية اهتمامها بتلك الأمراض الوبيلة وتعاملها معها بصورة عاجلة وحاسمة شملت إقامة المحاجر الصحية وغيرها. ولولا ذلك لتعذر الدخول للسودان، خاصة في مناطقه الجنوبية.
ومن المشاريع البحثية المهمة الأخرى التي قام بها معمل ويلكم للأبحاث، بالاشتراك مع حكومة السودان، هو مكافحة انتشار مرض الكلازار (الداء الأسود)، وبحث مسببه وطرق علاجه ومكافحة انتشاره في مناطق معينة من السودان. وقام فريق من معمل ويلكم بخمس رحلات علمية زاروا فيها 219 قرية بغرض جمع البيانات والعينات المتعلقة بذلك المرض. ولا تزال هذه الأبحاث جارية حتى الآن (1919م). وقام المعمل بدراسات في مجالات أخرى لا يتسع المجال للدخول في تفاصيلها، إلا أنه يكفي أن نذكر أنها شملت أبحاثا في مجالات الزراعة والكيمياء والجيولوجيا والصحة العامة وعلم الحشرات (الطبية) والأنثروبولوجيا والطب الشعبي وتاريخه. وأثمرت كل تلك الأبحاث عن نتائج مفيدة.
ولم يتم انجاز كل ذلك من دون صعاب وتعرض لمخاطر عديدة. ومما يدعوا للأسف أن أسجل هنا أن عالمين على الأقل في ذلك المعمل قد سقطا ضحايا من أجل العلم. فقد أصاب العالمين دكتور ماك تاير والسيد أي. انقلس مرض تسبب فيه البحث الذي كانا يجريانه على إحدى الكائنات الدقيقة التي كانا يعملان عليها. ولَقِي الرجلان حتفَهما من أجل منفعة شركائهم في الإنسانية.
وستستغرق الكتابة عن الخدمات الجليلة التي قدمها العاملون في هذه المعامل للبشرية أكثر من فصل وفصل. ولحسن الحظ، لا يجد الكاتب عن مسيرة التطور العلمي في السودان أي ضرورة للخوض في تفاصيل ذلك المعمل الشهير بالخرطوم. فكما ذكرنا آنفا هنالك تقارير المعمل الرسمية التي تسرد بإسهاب ما تم إنجازه من أبحاث، وما يتم بحثه إبان كتابة التقرير. ولا يحتاج أي مؤلف للكتابة عن التطور العلمي في السودان لأكثر من النظر في تلك التقارير المفصلة. وتقف تلك التقارير كمعلم تذكاري وأثر باقٍ للخدمات الجليلة التي أسداها أولئك العلماء والأطباء لهذه البلاد وسكانها تحت أقسى وأخطر الظروف، ووثقوها في تقاريرهم. وتقف أيضا كدليل دَامِغ على بعد نظر وثاقب فكر السيد هنري ويلكم – الذي سخر ماله وفكره لإقامة مثل تلك المؤسسة العلمية.
وتشمل وظائف معامل ويلكم لأبحاث أبحاث المناطق الحارة (المقامة في مباني كلية غردون التذكارية بالخرطوم) ما يلي:
1. دراسة أمراض وصحة أمراض الانسان والحيوان في المناطق الحارة، خاصة الأمراض المعدية المنتشرة بالسودان، والتعاون (العلمي والعملي) مع المفتشين العسكريين والمدنيين، ومفتشي الصحة، والعيادات والمستشفيات العسكرية والمدنية.
2. دراسة أمراض النبات التي تسببها الفطريات والحشرات، ودراسة الحشرات النافعة والضارة، خاصة تلك التي تنقل أمراض المناطق الحارة.
3. القيام بدراسات وفحوصات لحالات التسمم، وتطوير طرق كشف المواد السامة التي قد يستخدمها الأهالي.
4. عمل اختبارات كيميائية وباكتيرية على المياه والأغذية، ومسائل صحية أخرى.
5. القيام بتحليل التربة والمعادن ومصادر المواد الخام والوقود.
6. وأخيرا، اجراء بحوث عن منتجات الزراعة والغابات أو عملياتها.
وعلى وجه العموم، دراسة أي مادة يمكن أن يكون لها فائدة عملية لتنمية وتطوير السودان.
معامل ويلكم لأبحاث المناطق الحارة
يُعرف دكتور أندرو بالفور (الحاصل على الدكتوراه في الطب وزمالة كلية الأطباء بأدنبرا، وعلى دبلوم الصحة العامة من جامعة كمبردج) كواحد مِنْ أهم أَسَاطِينِ طب المناطق الاستوائية (الحارة) والصحة العامة. وقد وهب ذلك الطبيب العالم اثني عشر عاما من عمره في إدارة معامل ويلكم بالخرطوم. وكانت تلك السنوات – في هذا العهد الجديد – هي التي جعلت من تلك المعامل مؤسسة ناجحة ومعروفة على مستوى العالم. وفي ذات الوقت شغل دكتور بالفور منصب باشمفتش طبي (للصحة) في الخرطوم، ومستشار الصحة للمصلحة الطبية أيضا.
وآثر دكتور بالفور – للأسف – الاستقالة من عمله بالسودان في 1913م، وعاد إلى بريطانيا للعمل مديرا لمؤسسة أنشئت حديثا في ذلك العام بلندن، تحمل اسم "مكتب ويلكم للأبحاث العلمية". وأتاح له ذلك المنصب الجديد، مع ثلة من العاملين الأكفاء نظرة عالمية أشمل وأوسع للبحث العالمي. وُوجهت معامل ويلكم بالخرطوم بمهمة عسيرة بعد رحيل دكتور بالفور هي العثور على رجل في مثل كفاءته وعلمه ليقود مسيرتها البحثية. ولحسن الحظ وجدت ضالتها في شخص دكتور البرت جي. شالمرز. فللرجل خبرة واسعة وعلم غزير بالمناطق الاستوائية وأمراضها، فقد كان قد عمل لسنين طويلة في غرب أفريقيا وسيلان ومناطق مدارية أخرى. وهو لم يكن من المؤهلين أكاديميا فحسب، بل كان يتمتع أيضا بكفاءة عالية مشهود لها في حل المشاكل العلمية والعملية التي تصادف البحث العلمي (في السودان وغيره). وبدأ دكتور شالمرز عمله بالخرطوم في مايو من عام 1913م، وظل في وظيفته تلك إلى أن توفي في أبريل من عام 1920م. وخلفه الرائد آر. جي. آرشيبالد، الذي كان لصيق الصلة بمؤسسة ويلكم.
(للمزيد عن مساهمات دكتور شالمرز في البحث العلمي والطبي بالسودان يمكن الاطلاع على مقال للدكتور أحمد عوض عديل بعنوان
Albert Chalmers: Perpetual honours for a prominent tropical medicine career in the Sudan
https://www.ncbi.nlm.nih.gov/pmc/articles/PMC4949909/. المترجم).
ولا تمثل معامل ويلكم بالسودان إلا واحدة فقط من مساهمات عديدة للسيد ويلكم في مجال العلم والإنسانية. وأسجل هنا طرفا من تلك المساهمات. كان ذلك الرجل المحسن قد قدم لمحطة البعثة الطبية (C.M.S. Medical Mission) في منقو بأوغندا معدات لصيدلية حسنة التجهيز. وكانت تلك الصيدلية شديدة الفائدة، ليس فقط لأهالي المنطقة، بل للأوربيين الموجودين فيها أيضا. ويتحدث الكثيرون الذين زاروا أوغندا عن الأعمال العظيمة التي تؤديها تلك البعثة الطبية في ذلك البلد. وأنشأ السيد ويلكم في الصين "صندوق ويلكم للنشر الطبي في الصين"، وهو يعمل تحت مظلة " البعثات الطبية الموحدة في الصين". ويقوم ذلك الصندوق بترجمة الكتابات العلمية المحكمة في مجالات الكيمياء وعلوم الصيدلة المختلفة إلى اللغة الصينية. ويتولى الصندوق أيضا طباعة ونشر الكتب الدراسية العلمية وبيعها بأسعار زهيدة جدا، لتكون في متناول أفقر الطلاب. وهذا مما من شأنه رفع مستوى كليات الطب الحديثة الإنشاء، التي جددت الممارسة الطبية والجراحية في الصين، وأدخلت إليها طرقا علمية معاصرة.
ولم يتوقف شغف السيد ويلكم بالتبرع لأعمال البر والإحسان على الدول الفقيرة وحدها. فقد تبرع لمختلف المؤسسات والمختبرات في لندن. فقد أنشأ "مكتب البحث العلمي"، الواقع في شارع حدائق انسلاي بميدان غردون (في منطقة بلموزبيري بوسط لندن)، ومعامل الأبحاث الكيميائية (الواقعة في 6 شارع الملك)، ومعامل أبحاث الفسيولوجيا في بكنغهام بمقاطعة كنت. وتميزت تلك المؤسسات الثلاث بجمعياتها العلمية وبشهرة علمية عالمية مرموقة، إذ أن الكتب والأبحاث التي نشرها بُحاثها قد أثرت الأدبيات العلمية بكنوز من المعارف المبتكرة. وكانت كل الأرصدة المالية المخصصة لتلك المؤسسات قد حولت لوزارة الدفاع في غضون سنوات الحرب العالمية الأولى، وتحولت الاهتمامات البحثية للعاملين فيها للبحث في أمور تتعلق بالحرب وبأمراض المناطق الاستوائية وشبه الاستوائية.
وفي سنوات تلك الحرب أعطي دكتور بالفور رتبة عسكرية (عقيد) وعُين عضوا في اللجنة الطبية الاستشارية. وقام بهذه الصفة (وبحكم مناصبه الأخرى) بزيارة كل مواقع العمليات. ونال على مجهوداته إبان الحرب نيشان C.B.. وكان دكتور وينون (المشهور بأبحاثه عن الحَيَوَانات الأَوالِيّ والأمراض التي تسببها في السودان) قد أعطى رتبة عقيد وصار أيضا عضوا في اللجنة الطبية الاستشارية، ثم عين لاحقا في ماسيدونيا مع الجيش بالقوقاز. وكُوفئ على خدماته بمنحه وسامي C.B.E وC.M.G..
ولعل أهم إنجازات السيد ويلكم من بين كل المؤسسات التي أقامها كانت إقامته لمتحف تاريخ الطب في شارع ويقمور Wigmore بلندن. ويحوي ذلك المتحف مجموعة ضخمة من المواد جُمعت من كل أنحاء العالم عن تاريخ الطب والجراحة والعلوم الطبية الأخرى عبر القرون. وتمثل تلك المجموعة حصاد قرون من البحوث الاستكشافية والتاريخية، والعمل الدؤوب في جمع تلك العينات من أركان العالم الأربعة. ولا تخفى الأهمية التعليمية لمثل ذلك المتحف. وكان أحد العلماء الكبار قد أشاد بما قدمه السيد ويلكم وكتب ما مضمونه:
"نحن نرى في السيد ويلكم رجل بر وإحسان سخر ماله وطاقاته الشخصية لسنوات طويلة من أجل خدمة العلم. فلم تقتصر جهوده الحثيثة على مجالات البحث الجديدة (مثل أبحاث دكتور بالفور في الطفيليات وأمراضها، وأبحاثه هو نفسه في علم الأنثروبولوجيا بالسودان) فحسب، بل ساهم في جمع كميات ضخمة من الأدوات والمخطوطات والكتب والتَذْكَارَات والعينات الطبية والعلمية القديمة من شتى أرجاء المعمورة، وصنفها وأودعها في مكان واحد (هو متحف تاريخ الطب)، حيث تجد آثار الماضي السحيقة القدم جنبا إلى جنب مع نتائج الأبحاث الجديدة. ألا يذكرنا ذلك بقول أبو قراط قبل أربعة وعشرين قرنا: "سيوفر الأطباء وقتا طويلا إن بدأوا أبحاثهم بدراسة ما قام به القدماء قبلهم من أبحاث"؟
ربما سيكون من غير المتوقع أن يقدر كل من انتقدوا السيد ويلكم على إنفاقه ماله وجهده في البحث العلمي بالسودان قدر الأهداف النبيلة السامية الخالية من الأنانية والغرض التي عمل على تحقيقها، وأن يدركوا المنافع العلمية العظيمة التي جنتها وستجنيها البشرية في المستقبل من وراء أعماله.
وجاء في إشادة أحد الرحالة بالعمل الرائع الذي قام به معمل ويلكم لأبحاث المناطق الاستوائية بالخرطوم ما مضمونه:
"هذه بداية لعمل يمكن لنا أن نقارنه بأعمال الرحالة والمستكشفين البرتغاليين في القرنين الخامس عشر والسادس عشر. فقد قام الأمير هنري الملاح، وفاسكو دي جاما، وبارتليمو دياز بفتح شواطئ أفريقيا للأوربيين من أجل الاستكشاف والتجارة. ولكن رغم ذلك ظل قلب القارة السوداء قاسيا غير مضياف، بل ومميتا لقرون عديدة تالية. ويبدو أن العلم الحديث والصحة العامة ستعيد المدنية لذلك الجزء من أفريقيا، وستجعله صحيا وقابلا للعيش لأعراق الشمال. ولعل معمل ويلكم بالخرطوم سيكون في مقدمة الركب في عملية الاستعادة السلمية للجنوب. وإن لم تكن بريطانيا قد فعلت في السودان أكثر من توفير مركز آمن لهذا العمل العلمي العظيم، فإن هذا وحده يبرر ما بذلناه من جهد في سبيل العودة لأعالي النيل".
******* ****** *******
حاشية: هنالك رواية سودانية للكاتب محمد الدابي بعنوان "أطياف هنري ولكم" تحمل آراءً مختلفة عن الرجل. المترجم

 


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.