خط ميترو الأنفاق الدائري
The Circle Line
Leila Aboulela   ليلى أبو العلا 
ترجمة: بدر الدين حامد الهاشمي
******       *******   *******     ******
لا يسيح الجبن في مكان مثلما يسيح في لندن. ولا يختلط فيها القديم بالجديد مثل ما يفعل في غيرها. لندن مدينة مُسْعَدة. غير أنه يمكن لفتاة أن تنتحب في شوارعها، ولا يقف عندها أحد، ولا يرتفع حاجبا أحد من الناس، أو يسألها أحدهم عن سبب انتحابها. آه، هي مدينة الفرص المتاحة والسلالم الوظيفية والشهرة. كنت قد وعدتني بإمكانية البدء من جديد، وصنع ثروة لنفسي. أن أصعد وأحلق بعيدا. غير أن العمر يتقدم بي بينما الفرص أمامي تتجمع، والمسارات تتلاقي. فأنا أعيش في مرحلة التَضَييّق والتَقْيِيد والإغلاق التام.
أفضى ذلك التَضَاؤُل والانكماش للعيش حياة مُتَوَاضِعة، بل فاشلة في الواقع. فتحت بابا سريا على ما خلت أنه أقل مني قدرا. بالوعة من الجريمة المريرة المسعورة. كان خطيبي قد أعتقل الشهر المنصرم بتهمة غسيل الأموال. لا أعلم عن ذلك الأمر... ليست لدي أدنى فكرة عنه. قال لي الناس إنه من حسن حظك أنك لم تعتقلي معه. لم يشغلوا أنفسهم بحال قلبي.
ولما انفصلت عنه، دأبت أمي على أن تبعث لي بخُطَّاب بديلين. من الأسهل لي أن أقابلهم هنا في لندن. في "أبو ظبي" لا بد أن يكون معنا شخص ثالث، أو على الأقل نتظاهر بذلك. هنا يمكنني أن أقابله بمفردي. هنا كل شيء أسرع: من اللقاء المُحْرَج الأول، إلى معرفة حقيقة الشخص رغم قشرة المظهر الكاذب، ورعاية شرارة (الحب)، وإيقاف مشروع قبل أن يعلن رسميا. مسموح لنا هنا ببداية أكثر خصوصية وحيويةً.
صحوت على رَنَّة رسالة قصيرة منها. وتحدثت معها عن طريق (اسكايب) وأنا أتناول خبزي المحمص. كان توقيتها متقدما على الوقت عندي بثلاث ساعات، وكان واضحا أنها في مزاج مرح. قالت لي: "بعد تجربتنا التراجيدية الأخيرة، يجب أن نلزم العائلات التي نعرفها."
كان لطيفا منها أن تستخدم كلمة (تجربتنا) لتضم نفسها لي في الذل والمهانة التي حاقت بي. غير أن ذلك من الممكن أن يكون مجرد خُدْعَة من جانبها لتليين موقفي. أعرف حيلها جيدا.
واصلت الحديث في ثقة: "أتذكرين هشام، ولد دكتور سعاد؟ لا بد أنك تتذكرينه منذ ذلك الوقت الذي التقيت به في الإسكندرية. كم كان عمرك وقتها؟13 أو 14 سنة؟ أعطيته رقمك. هو في لندن لعدة أيام فقط. لا بد أن تلتقي به."
عاد بي عقلي لعقدين من الزمان إلى صورة هشام ... شاب نحيل يرتدي زي سباحة داكن الزرقة. كان يردد وهو يزيح قطعا من الأعشاب البحرية: "هذا يمكن أن يؤكل! هذا يمكن أن يؤكل!". ولم يشاركه أحد في إثارته تلك. وكنت أعرف وأنا في الرابعة عشر من العمر شيئا عن الوله والتعلق. وكنت أعرف من يعجبني ومن لا يعجبني. وفي تلك السن قيمت هشام هذا وخلصت إلى أنه ليس من نوعي ولا يناسبني.
قلت لأمي: "أنا مشغولة."
"أنت في الرابعة والثلاثين."   
"ثلاثة وثلاثين." عيد ميلادي سيكون في نوفمبر.
تغير مزاجها. قالت لي: " بعد قليل من السنوات سوف لن يكون الموقف مزحة."
كنت قد سمعت تلك القصة مرارا وتكررا. تطير السنوات، وتقل الخصوبة. كم صرت أكثر استقرارا في حياتي، وكم صرت لا أرى أن هنالك رجلا مثاليا. سألتها: " وما هي الخدعة مع هذا؟". كنت أجد عيبا ما في كل الخُطَّاب. فأول خاطب بعثت به كان قصيرا جدا، والثاني لا يتحدث معي إلا ليقول لي إنه يكره لندن. أما الثالث فلا بد أن يكون جيدا – فرقم ثلاثة رقم جيد، على كل حال. ولكنه أعترف لي بأن عائلته هي من ضغطت عليه ليقابلني، رغم أنه في الواقع يحب فتاة أخرى. وكان في الرابع غلو مفرط في التدين.
تنهدت أمي وقالت: "العَرْقَلَة منك. أنت العائق الوحيد."
****    ****      ****
اِتَّصَلَ بي هاتفيا وأنا أدلف لهايد بارك. قبل أن أبدأ رياضة الرَكْض التي أمارسها بعد العمل، وأشرع في التنفس بشدة. اليوم مشمس. تَبَطَّحت الفتيات على العشب، وبدأ دِمام شفاههن يسيل من حر الشمس. خطوت عبر أجهزة الراديو والسي دي المحمولة، والكلاب ذات الرائحة الكريهة، والآيس كريم الفاتر الذي يقدم للأطفال. أخبرني هشام إنه يقيم بفندق في بيز ووتر، وإنه قد ترك وظيفته في إحدى منظمات المجتمع المدني العاملة في دارفور بعد أن قضى فيها 18 شهرا. وسيسافر بالقطار لأدنبرا بعد أيام قليلة لزيارة شقيقه الذي يدرس هناك.
قلت له: " أنا في المساء أعطي دروسا خاصة في اللغة العربية. قد تعجب من كثرة الطلب على تعلم العربية. يدفعون جيدا ليتعلموها!"
رد ضاحكا بأن هذا أمر جيد ومثير للاهتمام. وقفت ساكنة في مكاني وأنا أنظر للمُنْتَزَه. صبي عربي بدين يلهث وهو يلعب في حفرة رملية، تراقبه مربيته الفلبينية وهي تضع يديها النحيلتين على وركيها. كانت وظيفتها هذه قد أخذتها من بلادها الشديدة الخضرة عبر الدوحة أو البحرين. غير أنها ستسير الآن فوق عشب لندن المُرْهَق. وستغدو في صور العطلة ومقاطع وفيديوهاتها زهرةً أجنبية غريبة في خلفية المشهد.
قال لي: "أسفت عندما سمعت بخبر فسخ خطوبتك."
أجبته بالهمهمة بشيء ما.
بدا صوت هشام يبتعد وكأنه ينظر بعيدا وهو يقول لي: "يمكن أن تضيق الحياة بسبب الحاجة للمال. غير أن بعض الناس ليس لديهم مُثل وأخلاق، أو حتى ضبط للنفس."
كان آخر ما أود مناقشته هو أمر خطيبي السابق. لذا حاولت أن أجعل صوتي أقل حدةً وأنا أقول له: "لقد صرت فيلسوفا يا هشام."
"نعم. وأعجب من "خط ميترو الأنفاق الدائري"، وكل الأشياء التي تعطى أسماءً غير دقيقة."
"معذرة؟ ماذا تقصد؟"
" في ميترو الأنفاق. أخذت الخط الدائري، ولم يرجعني إلى المحطة التي بدأت منها. يبدو أن القطارات لم تعد تكمل الدائرة، بل تسير لنصف دائرة فقط، وهنالك الآن في الواقع خطين."
تذكرت الآن الغرابة التي لمستها عند هشام. فكان أحيانا يبدو عبقريا غريب الأطوار، وفي أحيان أخرى يكون مفعما بالعاطفة. وكان يقوم أحيانا، في جدية تامة، بذكر معلومات أو ترديد أشياء لا بد أنه قرأها في مكان ما، أو تذكرها من التلفزيون. فيقول مثلا دون مناسبة "الميرلين هو نوع من الصقور" أو "نهر النيل هو أطول الأنهار في العالم" و"الأعشاب البحرية تؤكل." 
والآن يريدني أن أريه معالم لندن.
اتفقنا على اللقاء في اليوم التالي. ربما لن يكون يوما حارا مثل اليوم. في مثل هذا اليوم الحار أشتاق أكثر شيء لابي ظبي. أفتقد تلك المولات الضخمة وهبات النسيم البارد الآتية من المكيفات الضخمة. هنا تبدو شمس الإمبراطورية الآن وكأنها أتت لتزور المدينة وتعبر عن احترامها وتقديرها لها. وتفيض لندن وتتضخم بأعداد مهولة من السائحين تحملهم إليها مئات الطائرات. سُيّاح لهم شهية عالية، ونقود كثيرة، ولعابهم يسيل وأعينهم تتسع من الدهشة.
سمعت أماً تقول مغمغمة: " يا للأجانب الأوغاد ... كل صيف لعين!" بعد أندفع عدد كبير من السواح نحو الحافلة في شارع أكسفورد وأزاحوها هي وبنتها من باب الحافلة. 
كانت الحافلة مليئة بالنساء. نساء يدفعن عربات الأطفال ونساء عجائز صغيرات الحجم يرتعشن. وطالبات مدارس حالمات يعاكسهن بعض الشباب المُتَنَمِّرٌين. والحافلات الحمراء البطيئة مبجلة مكرمة كما الملكة.
مدينة تتميز بكرم لا مثيل له في الاستيعاب: استيعاب نساء كبيرات في عباءاتهن السوداء وحجاب أوجههن وهن يقمن بزيارة الأطباء الأخصائيين في شارع هارلي، ومراهقين مُشَاكِسين يبحثون في متحف مدام توسو عن بعض ما يلهيهم ويسليهم. وذهب مصر القديمة يرقد باردا في متحف. والتنس في ويمبلدون، والحَمَامُ في ميدان الطرف الأغر. والانصاف، وإلزام النفس بفعل ما يصلح من الأشياء والأحوال ولو قليلا بطريقة بسيطة ما. وتحت "قوس الرخام / ماربل آرش" أحس بثِّقَل التاريخ.
وترى في الشوارع حلقات الأنف، وضفائر الشعر المجدل، وحليقي الرؤوس، ودبابيس محفورة خلال الحاجب، ورجلا يرتدي ملابس نسائية، وكلبا أُلبس ملابس رجل، ولافتة مرفوعة عاليا مكتوب عليها "المسيح عائد". 
ولكنها أيضا مدينة صَرْعَات الأزياء. يبدو السواد الأعظم من سكان المدينة حسني المظهر. يهتمون بالشعر والملابس الجديدة، فاللندنيين يبذلون مجهودا، ويولون صفحات المجلات الصقيلة الأوراق كامل ثقتهم. إما هذا أو الساري والعمائم: والنيجيريات في ملابس الجنة الخضراء وأغطية الرأس الضخمة التي لا تستطيع سواهن حملها.
وفي الأسفل كان الطّقْسُ في محطة قطار الأنفاق أكثر دفئا. يا ترى ما هو شكل هشام الآن بعد مرور كل تلك الأعوام. تعجبت من كوني لم أبحث عنه في الفيس بوك. خط اليوبيل ثم خط العاصمة (ميتروبولتان). كريستال بلاس وماربل آرش. وماذا أقول له عن الخط الدائري، وكيف أن "سيرك أكسفورد" ليس بسيرك؟
لا يمكنه أن يعرف لندن حقا حتى يعيش فيها في فصل الشتاء، بضبابه، والقفازات، وأضواء عيد الميلاد.  وهنالك أيضا الأسرار المخبوءة تحت تلك المعاطف السوداء والأشجار العارية من الأوراق، وخطوط الدخان المنبعث من الأنفاس وأضواء الشارع. ومن المهم أيضا تذكر أن ليس كل من يتحدث أو يقف في "ركن المتحدثين" هو مخبول. ليس كل فرد هناك.
*****
تقابلنا في أحد المقاهي بالقرب من شارع ريجنت. كانت جدران المقهى مزينة بصور من مات من نجوم هوليود، وكانت قائمة المشروبات والمأكولات فيه تميل إلى الذَّائِقَة الأميركية. كانت الساعة تشير إلى العاشرة، وبدأ أن تلك الساعة مبكرة جدا بالنسبة للندن، فقد كانت نظيفة وحركة المرور فيها قليلة، وليس في الجو حرارة الصيف المرتفعة.
غمرتني فجأة مشاعر حنين لزج عندما وقعت عيني عليه لأول مرة. كتفاه الآن أعرض، وشعره أقصر. ولبرهة قليلة تاقت نفسي لجنون سنوات صبانا الباكر، وسَفْعَة الشمس، وأزياء السباحة التي تثير في أجسامنا حكة، وتلاطم أمواج البحر، وآباءنا وأمهاتنا في الخلفية يتسامرون ويضحكون. يا ترى ماذا سيكون حالي إن لم أرزق أبدا بأطفال؟ طلب هشام كابتشينو، وطلبت أنا قهوة مثلجة (ايكسترافاقانزا) لأجربها لأول مرة في حياتي. أتتني حلوةً في كوب طويل، تعلوها قشدة سميكة بيضاء. وجدتها طيبة المذاق بصورة لا تكاد تصدق.
قال لي: "أطلبي واحدة أخرى." صدمت لاقتراحه وتعجبت منه. قلت لا. كان ذلك سيكون طمعا وشرها مني ... كل ذلك الثلج والقشدة.
وجاءني الكوب الثاني، وبقي معي مدة أطول. ومضيت أرتشف منه عبر مصاصة بلاستيكية حتى بلغت الكَرَامِيلاّ في قاع الكوب. قلت له: "توجد كَرَامِيلاّ في القاع"، وعرضت عليه قليلا منها فهز رأسه.
كنت في الرابعة عندما انتقل والداي لابي ظبي. وكان لديهما فائض من المال الجديد فصارا يطعماني من "ماكدونالدز" و"بيتزا هت"، وداوما على ذلك حتى صرت أعاف كل طعام غير ذلك. أكلت من تلك الوجبات السريعة لعامين متتابعين حتى مرضت. وكان فطامي منها وإجباري على تناول وجبة مطبوخة في المنزل أمرا بالغ الصعوبة. وصرت لمدة طويلة أرى في تناول الخضروات الطازجة أمرا غريبا يحدث في فمي إحساسا بالوخز.
سألني: "إلى متى ستظلين مختبئة في لندن؟"
فوجئت بالسؤال، وشرعت في تفسير طويل ومرتبك. وتفاخرت له بانتظامي في الركض بالمتنزه، وبالسيارة الجديدة التي سأشتريها. لا يجب أبدا أن يحس نحوي بالإشفاق.
قال بأنه يحس بالضيق والاستياء بسبب فقدانه لأي رغبة أو إثاره في عمله لثمانية عشر شهرا في دارفور، وأنه لا يستطيع الحديث عما رآه في المعسكرات هناك. ومد راحتا يديه ليضيف كل ما في محيطنا من مقاعد وثيرة وبقايا طعام الآخرين في الأطباق. 
قلت له: "أنت أكثر رقةً من أن تحتمل مثل ذلك النوع من العمل."
لم يتضايق من قولي بالضحك بل قابله بضحكة، وقال: "ربما كان هذا ما يعنيه التقدم في العمر. أن نصاب بالخذلان من أنفسنا. وآن لي الآن أن أحول مجرى الحديث لدردشة عادية، ولنوع الحياة العادية، حين لا يطرأ طارئ كل دقيقتين. ولكني لن أبحث بعد عن وظيفة جديدة. سأنتظر حتى تنفد مدخراتي."
قال بأنه يكتب الآن قصة عن أستاذ جامعي. وشرع في تلاوتها غيبا بصوت عالٍ:
 "انحنى البروفيسور وهو يحدق في كأس الويسكي أمامه، وبدأ في تحريكه ببطء في حركة دائرية جعلت قطع الثلج تصطدم مع بعضها محدثة صوتا مميزا، ثم قال (وهنا غير هشام صوته فصار كلامه متداخلا نوعا ما، وجَرْسه يشي بأنه على وشك أن يفصح عن سر رهيب): "أؤمن بأن الأرض سوف تدور وتدور، تدور وتدور إلى ما لا نهاية ... لن تتوقف أبدا."
قلت له: "هل هذا كل شيء؟". ونظرت من النافذة ورأيت أن حركة المرور قد بدأت في التزايد، والعجلات الهوائية تشق طريقها وسط سيارات الأجرة السوداء.
رد بالقول: "لا، لأن صديقه قال ..."
"أي صديق؟"
قال هشام: "يوجد معه صديق، رفيق الشرب." قال عبارة "رفيق الشرب" ببطء وكأنها كلمة أجنبية، وكأنه يريد التأكيد على نقطة مهمة تتعلق ببعده شخصيا عن الكحول. ركز على كل مقطع في كلمتي "رفيق الشرب". وأضاف هشام بفخر بائن: "هو يكتب سيرة باسكال."
"بالفعل؟ "
"نعم، وهذا ما قاله للبروفيسور عندما أخبره البروفيسور بأن الأرض سوف تدور وتدور، تدور وتدور إلى ما لا نهاية ... ولن تتوقف أبدا. وقال له (وهنا غير هشام صوته أيضا فصار كلامه متداخلا قليلا، لكنه أكثر نعومة): "أراهن بكل ما أملك بأن دورانها سينتهي."
سألته وأنا أمد يدي لأتناول هاتفي: "ثم ماذا بعد؟"
"هذا كل شيء. هذه هي كل القصة.  ألا تعرفين (رهان باسكال)؟"
"لا. لا أعرفه."
"قال باسكال أنه من المنطقي الرهان على أن الله موجود، لأنك ببرهانك هذا ستكسبين كل شيء، ودون خسارة أي شيء. وإن راهنت على عدم وجود الله، ثم تبين بعد ذلك أنه موجود بالفعل، فستخسرين كل شيء. أما إن راهنت على أنه موجود ثم تبين لاحقا إنه غير موجود، فلن تخسرين شيئا."
ابتسم هشام، بينما اشتغل دماغي بمحاولة اللحاق بأفكاره وفهمها. كان على ذات الحال في سنوات صغره. لم أكن أفهم نصف ما كان يتكلم به، أو كيف بمقدوره أن يفعل أشياء مثل الاستماع لغناء فرقة موسيقية مثل فرقة (Grateful Dead)، وأراه الآن يرسم خريطة سير خط ميترو الأنفاق الدائري على منديل ورق أمامه.
نظرت لما رسمه. لم يكن خط سيره مستمرا، ولا يدور ويدور في حلقة. له نهاية.  قال هشام إن تلك كانت هي الحجة العميقة الأساسية في كل ما قاله. هل سينتهي هذا العالم أم سيستمر إلى الأبد؟  هل سينتهي الزمن أم لا؟ يبدأ الخط المستقيم من نقطة معينة وينتهي في نقطة أخرى، إلا إذا استمر إلى ما لانهاية – وما لانهاية هذه لا بد أن تكون مكانا مختلفا، ليس في المكان الذي بدأ منه الخط. غير أن الدائرة تعدك بالاستمرارية، تدور وتدور مارةً بنفس الأشياء.
"من المنطقي والمعقول أن نراهن أن العالم – كما نعرفه – سوف ينتهي."
ما قاله لي لم يبد لي جديدا فقلت له: " كل واحد يعرف هذا. ماذا تظن الناس يفعلون يوميا؟ يستفيدون من الأشياء بأقصى ما يمكنهم قبل فوات الأوان."
قال: "إذن هم يعلمون ذلك سلفا. الأمر واضح بتلك الصورة."
الأمر واضح بطريقة ما، وغير واضح بطريق آخر. بدت لي الحافلات وأنا أنظر إليها عبر النافذة تمضي بتأن وعزم. ويدق المشاة بأقدامهم على الأرض في مسيرة أسمع وقعها خافتا من بعيد. أقبل على حلبة الرقص.  تلك المتاجر الأنيقة ... ويبيعون الأيس كريم اللين على أرصفة الطريق.
 كُلْ، واِمْشِ، وتسوق، وأحمل الأكياس البلاستيكية، وأركض واِقْفِزْ على الحافلة. في مخمضة وسط لندن يتحد كل الناس على رغبة واحدة: المزيد كي ينفق. هل هنالك "لا شيء" يملكه كل الناس؟ كل واحد من الناس؟
تعجبت من إجابة هشام ومن ثقته في صحة قوله: "الوقت. كل واحد من الناس يمتلك الوقت. ولكن إن كان البروفيسور في قصتي مخطئا، وتوقفت الأرض عن الدوران والدوران، فسوف يتوقف حتى الزمن نفسه."
رأيت رسالة نصية في هاتفي. كانت أمي تسألني: "ما رأيك في هشام؟"
 كان بإمكاني أن أرد عليها بـ "لست متأكدة بعد."  أو "حتى الآن، كل شيء يسير بصورة حسنة." غير أني آثرت أن أتجاهلها. وخرجنا من المقهى. وكان يمشي معي مسايرا لخطواتي. كان مهما بالنسبة لي أن يفعل ذلك. هو أمر له أثره عندي، وأقدره بأكثر مما أود الاعتراف به. ومضينا بجانب متجري هاميلز وليبرتي، وتجاهلنا الالتفاف في شارع كرانبي.
كُلْ، واِمْشِ، وتسوق، وأحمل الأكياس البلاستيكية، وأركض واِقْفِزْ على الحافلة.
 الحقيقة في الحركة نفسها. ففي كل خطوة تختبئ خيبة الأمل، لأن كل واحدة منها تقربنا أكثر للنهاية. والعالم يدور وهناك أمل. يبدو الأمر وكأن دُولابٌ فيريس الهوائي الد َوّار يغرفنا من الأرض ويرفعنا عاليا، عاليا جدا ويدور بنا في حلقة ترفعنا وتخفضنا.        

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

/////////////