دور الرقيق في المجتمع السوداني في سنوات القرن التاسع عشر
  Taj Hargey تاج هارجي
ترجمة: بدر الدين حامد الهاشمي
****    ****    ****
تقديم: هذه ترجمة مختصرة لقليل مما جاء في مقدمة أطروحة تاج هارجي المقدمة لجامعة أكسفورد عام 1981م بعنوان "كبح تجارة الرقيق في السودان ين عامي 1898 – 1939م، The Suppression of Slavery in the Sudan, 1898 - 1939".
وسبق لنا ترجمة بضع صفحات من مقالات مشابهة لكيم سيرسي (مواقف مهدي السودان حيال الرق وتحريره)، واليس موور–هاريل (تجارة الرقيق في السودان في القرن التاسع عشر ومنعها بين عامي 1877 – 1880م) وهيذر شاركي (أهمية الرق وارتباطه بالرفاهية والمنزلة والمكانة الاجتماعية في القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين) وروبرت كولنز (من تاريخ الرق في السودان).
الشكر موصول للأستاذ صديق محمد عثمان لجلبه هذه المادة للترجمة.
المترجم
************       *********           ***********
بقيت عمالة الرقيق طوال سنوات القرن التاسع عشر عاملا مهما ومكملا في النظامين الاجتماعي والاقتصادي للسودان. وظل المسترقون يستخدمون في مختلف أشغال الحياة في المجتمع، وعند كل طبقاته، من الملوك إلى عامة الناس، وفي كل أنشطة الحياة المختلفة، العسكرية منها والسياسية، وفي الأعمال الاقتصادية والمنزلية أيضا. وكان هذا امتدادا لتقاليد مشتركة سادت في غالب البلاد الإسلامية.
وكان تجنيد الرقيق في الجيش ممارسة قديمة، إذ مثلت مليشيات المسترقين الجزء الأهم في إدارة شؤون كثير من الممالك وسُلَالَتها الحاكمة عبر التاريخ الإسلامي. فقد صعد كثير من هؤلاء المجندين الأرِقَّاء إلى أعلى المراتب في المؤسسة الحاكمة، وكانوا في بعض الحالات يتحدون أو يبعدون "سادتهم / مُلاَّكهم" من الساسة ويحلون محلهم. وزعم الرحالة الأسكتلندي جيمس بروس في كتاب رحلاته أن "العبودية كانت هي ... النبل الحقيقي".
وعند اضمحلال الولايات المركزية في السودان، كونت القبائل القوية والجماعات المتناحرة وبقية الأجنحة السياسية المتنافسة لها جيوش مكونةً من المسترقين ليتولوا حماية استقلالهم ويحافظوا على هيبتهم. فعلى سبيل المثال أفلح الشايقية في الخروج على سلطان مملكة الفونج في منتصف القرن الثامن عشر بفضل أفواج مسترقيهم الذين جندوا للعمل في الجندية.
وخلافا لوضع غالب المجندين الأرقاء في بقية الأماكن الأخرى، كان المجندون الأرقاء في الممالك الإسلامية التقليدية (مثل دار فور) يمثلون الغلبة الغالبة في جيش السلطان، بل أفلحوا في تسنم مواقع القوة والنفوذ ونالوا ما تجلبه تلك المواقع من امتيازات. وأنيط بالأرقاء بعض المهام العسكرية المحددة في تلك الجيوش كرماة بالأقواس والسِّهام والحراب، وفي الاستطلاع والحراسة الشخصية. وكان بعض المسترقين يُختارون لأداء مختلف المهام السياسية والإدارية. ففي تنظيم سلطنة الفور السياسي مثلا كان السلطان على قمة السلطة. وكان قصر السلطان الرسمي في عاصمته الفاشر يعج بالخصيان الذين يقومون على حراسة حريمه، وبالجنود، والموظفين والخدم وغيرهم من العمال الذين كانوا يؤدون مختلف الوظائف. أما في بلاط السلطان، فقد احتل الخصيان (الآتين من دار رنجا، والذين كانت مهمتهم الأصلية هي حراسة نساء السلطان) مراتب عالية في أوساط طبقات المسترقين. وكانت من الوظائف المهمة بالسلطنة وظيفة (اب شيخ دالي ؟)، وهي وظيفة حاكم النصف الشرقي من السلطنة. وكانت وظيفة القائم بشؤون قصر السلطان مقصورة دوما على واحد من الثقاة من أولئك الخصيان. وكان بعض من تولوا ذلك المنصب (مثل محمد كُرا، المُتَوَفّى في 1804م) شبه مستقلين عن سلطان دارفور، بل كانوا يقومون بتنصيب السلاطين وفرض السياسيات التي كانت كثيرا ما تهدد الحقوق الموروثة لنبلاء الفور. وكان الأرقاء الملكيون يعينون كمستشارين ووزراء ومفتشين عموميين ومبعوثين خاصين وجواسيس وكاتمي أسرار، وكانوا يتحكمون في عملية الدخول على السلطان. وكان ذلك مما أثار حنق وغيظ نبلاء الفور عليهم. وكان بعض هؤلاء الأرقاء الخصيان يعملون أيضا في وظائف أدنى مثل إدارة السجون وحراستها. وكان السلطان يغدق على هؤلاء المسترقين العاملين في إدارة دولته الهدايا والعطايا والتشريفات. وربما كان لتواضع أصل أسلافهم (خاصة المخصيين منهم) بعض الأثر في سلوكهم الذي كان بعيدا كل البعد عن التذلل والمسكنة، بل كان يتسم بالوقاحة والصلف، وهو ما أكسبهم شهرة وسمعة سيئة (أشار الكاتب لعدد من الأمثلة لذلك السلوك وردت في كتاب م. التونسي، الذي جاب دارفور في عام 1803م، وكتاب الألماني ناختقال "الصحراء والسودان". المترجم).  ولكن على الرغم من إمساكهم بمفاصل السلطة، إلا أنهم عجزوا عن أن يحلوا محل نبلاء الفور بصورة دائمة.
أما في خارج السودان، فقد كان الأرقاء قلما يرقون إلى المراتب العليا في الحكومة. وفي غضون العهد التركي – المصري، لم يتسنم المناصب المدنية أو العسكرية العليا إلا قلة نذكر منهم محمد بيه سليمان (1822 – 1882م) ورابح أغا (1821 – 1849م) ومحمد بيه ألمار (1815م - ؟) وأحمد باشا التقلاوي.
وأدت النساء المحظيات (السريات) أيضا دورا سياسيا مهما أيضا في بلاط سلطان دارفور. ولما صارت الفاشر هي عاصمة سلطنة الفور تعاظم دور محظيات البلاط السلطاني. فأولاد أولئك المحظيات المفضلات صاروا من ورثة عرش السلاطين المتعاقبين. وبما أن المَوْلِد في قيود العبودية لم يكن عائقا أمام الترقي في سلم الوظائف الكبرى، فقد تآمر الخصيان في البلاط السلطاني مع المحظيات اللاتي أنجبن أولاد يحق لهم وراثة العرش فيما يمكن وصفه بـ "المؤامرات البيزنطية" (كناية عن الغموض والتعقيد. المترجم) لضمان اختيار الوريث القادم.
وأدت عمالة المسترقين كذلك دورا مهما في التركيبة الاقتصادية للحزام السوداني. فقد كان الإنتاج الزراعي وقطاعات أخرى من اقتصاديات السوق تعتمد اعتمادا كبيرا على عمالة هؤلاء المسترقين. ففي غرب السودان كان الارقاء يستخدمون كعمال زراعيين أو كرجال حراسة مسلحين في منازل وضَّيْعَات رجال الطبقة الحاكمة (ذكر الكاتب أن أولئك الأرقاء الملكيين كانوا ينتشرون في كل أصقاع السلطنة، وكانوا يعرفون جماعيا باسم "عبيدية  abidiyah" أو "مالك العبيدية malik al - abidiyah"، أي خدم كبار رجالات الحكومة. وكان ولاؤهم للسلطان وحده، وينعمون بحمايته وبالمزايا العديدة التي كان يغدقها عليهم، وكان هذا من أسباب حنق أفراد المجتمع الآخرين منهم. وكانت عمالة المسترقين العاملين في الزراعة مهمة لاقتصاديات الدولة إذ أن الجبايات والمكوس التي كانت تفرض على منتجاتهم الزراعية كانت تشكل مصدرا كبيرا من مصادر دخل الدولة (استشهد الكاتب هنا بمؤلف أوفاهي المعنون: "الدين والتجارة في سلطنة كيرا بدارفور. المترجم). وفي تلك المنطقة قليلة السكان، والمعتمدة أساسا على الري بالأمطار الموسمية، كان من الضروري القيام بأعمال فلاحية مكثفة شاقة من أجل إنتاج زراعي مجزٍ اقتصاديا. ولزم لتحقيق ذلك وحل مشكلة نقص الأيدي العاملة القيام بتهجير قسري لأعداد كبيرة من الناس (جلهم من المسترقين) بالمناطق القريبة من جبل مرة. وهنا – كما هو الحال في غالب مناطق السودان – استخدم المسترقون لزيادة الأيدي العاملة من رجال القبائل المحليين وتكملة النقص فيها - وهو نظام يختلف عن نظام " عبودية المزارع plantation slavery" المعروف في الأميركتين. وخلافا لما كان يتمتع به الأرقاء الملكيون من امتيازات وإعفاءات من قبل السلطات المحلية والقضائية، فقد كان الأرقاء الذين يعملون في منازل وضَّيْعَات أقرباء السلطان ورجال البلاط السلطاني والطبقة الحاكمة وأثرياء التجار والقادة العسكريين وزعماء القبائل والشخصيات الدينية والقضاة معرضين لذات الالتزامات القانونية التي  كانت مفروضة على عموم الناس (مثل دفع الدية وغيرها).
وكانت كل عمليات الزراعة واقتصاداتها في المناطق النهرية (بوادي النيل) تعتمد اعتمادا كاملا على عمالة المسترقين، خاصة في عمليات الري البدائية (مثل استخدام الشادوف) وحرث الأرض ورعاية الحيوانات الحقلية. وكان يُعهد لأطفال المسترقين بأعمال خفيفة نسبيا مثل منع الطيور من أكل الحبوب، ورعي الحيوانات وقيادة الثيران للسواقي. وكان هؤلاء الأطفال يستخدمون أيضا في الزرائب (المعسكرات) لحمل الأسلحة والذخائر. أما في ساحل البحر الأحمر فقد كان رجال القبائل في مصوع وسواكن والمناطق الأبعد شمالا يستخدمون مسترقيهم في عمليات الغوص والبحث عن اللؤلؤ، وكانت تجارة اللؤلؤ أوانئذٍ تجارة مربحة.
وكانت قبائل الرُحَلْ، مثلها مثل القبائل (الزراعية) المستقرة تستخدم المسترقين أيضا في رعي الحيوانات، وفي جلب وصنع الطعام. وكانت الزراعة (وهي من المهن المستحقرة عند تلك قبائل الرُحَلْ) تعد في غاية الأهمية بالنسبة لهم في سنوات الجفاف وقلة الطعام، خاصة في جنوب دارفور، حيث تسيطر - بطرق مختلفة - بعض قبائل البقارة على بعض رجال قبائل أخرى (كالفرتيت) وتستخدمهم في أعمال الزراعة. وأبرز مثال على ذلك هم رجال قبائل الماندلا / الباندلا. فعلي الرغم من أنهم كانوا يعيشون بصورة مستقلة عن "سادتهم / قادتهم" من القبائل الأخرى، إلا أنهم تشربوا قيمهم الاجتماعية، وظلوا يحتفظون بعلاقتهم بهم وتعاملاتهم معهم حتى في غضون سنوات التمرد والهبات المدنية وحتى بدايات سنوات القرن العشرين. وفي سنوات المهدية فر رجال الماندلا جنوبا إلى المناطق الشمالية لبحر الغزال ولكنهم احتفظوا بصلاتهم التقليدية (الخاضعة) مع من كانوا يسترقونهم سابقا (لمزيد من التفاصيل أرشد الكاتب القارئ لمقال جي. كي. سي. المعنون "الباندلا في بحر الغزال" المنشور بمجلة "السودان في مدونات ومذكرات" الصادرة عام 1925م، صفحات 187 – 194. المترجم).
وكان التجار في مراكز السودان التجارية المختلفة يعتمدون بصورة كبيرة على عمالة المسترقين من الجنسين. وكانوا يستخدمونهم كحمالين وعمال نظافة وعمال مهرة، وبل وبحسبانهم عملة قابلة للتداول (بما أن للمسترق ثمن يقدر بقطع نقدية معدنية مثل أشياء أخرى يتم تبادلها مثل القطن وقطع النحاس وخواتم الصفيح). وكان ملاك المسترقين في المناطق الحضرية كثيرا ما يؤجرون المتمردين أو من يفيض عن حاجتهم من المسترقين مقابل أرباح أو كمقدم مدفوعات لمشتريات يقومون بها، خاصة وأن المسترقين كانوا يفضلون حياة المدن الأقل إرهاقا، مقارنة بحياة الأرياف الشاقة.
غير أن غالبية المسترقين كانوا يعملون في مجال الأعمال المنزلية (انظر مقال هيذر شاركي المترجم بعنوان "الرق المنزلي بالسودان في القرن التاسع عشر. المترجم). وبينما كان قطاع المسترقين العاملين في الزراعة من الذكور البالغين، كان الوضع عند العائلة العربية التقليدية معكوسا. فقد كانت كل الأعمال المنزلية الشاقة (مثل جلب الحطب والماء وتحضير الطعام) بالإضافة لرعاية الأطفال وتربيتهم من مسؤولية النساء المسترقات، بمساعدة الصبيات المسترقات، وتحت اشراف سيدة الدار. وكانت المليحات من المسترقات يقدمن خدمات جنسية، ليس لـ "أسيادهن" فحسب، بل لأقاربه وضيوفه كذلك. لذا كان "التسري" بالمسترقات شائعا، وتسمى المحظية (السرية) التي تنجب من مالكها "أم الولد"، وتحظى بمكانة خاصة مساوية أو تكاد تقارب نظيرتها الزوجة الشرعية "الحرة". وساهم ذلك الضرب من الاستغلال الجنسي في اختلاط العناصر العربية والأفريقية، وظهور طبقة هجينة، خاصة في مجال الخدمة المنزلية. وصاحب ذلك خلق ممارسة أخرى بواسطة عدد من ملاك الرقيق في عدد من المدن التجارية والقرى، وهي بيوت دعارة كانت المسترقات يقدمن فيها خدمات جنسية للباعة المتجولين والمسافرين الآخرين (أضاف الكاتب في الهامش ما ذكره دبيلو براون في مذكراته إبان طوافه في دارفور بين 1793 – 1796م، عن بعض كبار التجار كانوا يديرون شبكات للدعارة يكسبون منها الكثير. المترجم). ولم تكن أرباحهم من تلك الممارسات مالية فحسب، إذ أن المواليد الذين يأتون نتيجة لتلك العلاقات الجنسية سيضافون لرقيق مالك أولئك المسترقات العاهرات. فالقاعدة أن تكون المسترقة وكل من تنجبه من أطفال من أملاك "مالكها / سيدها"، وسيغدو هؤلاء الأطفال من ضمن مجموعة مسترقي "السيد / المالك".
وبعد أن تخبو جاذبية المحظيات والمسترقات (العاملات في بيوت الدعارة) يفقدن وضعهن المميز ويعدن لممارسة الأعمال اليدوية التي يكلفن بها. أما في النطاق المحلي، فقد كان المسترق (حتى إذا برز في عمله، بسبب التعليم أو التدريب) قلما تتاح له الفرصة للترقي لمواقع الثقة والامتيازات.
لقد ظهر الاستخدام الكلي الواسع للمسترقين في المجتمع السوداني في عدد سكان البلاد القليل من واقع الإحصاء (التعداد) ومن ملاحظات أولية. وعلى الرغم من التفاوت في أعداد المسترقين في المناطق المختلفة مثل ذلك الحادث في دارفور حيث اقتصرت ملكية الرقيق على الطبقة العليا، ولكن كانت مؤسسة الرق قد اخترقت كل قطاعات المجتمع تقريبا. وفي هذا مصداق لما كتبه الرحالة السويسري بيركهاردت عن القرى التي زارها: "لم تكن هنالك أي قرية لم أجد فيها مسترقين، ويبدو أن كل رب أسرة يمتلك على الأقل مسترقة / مسترقا واحدا". وغدت أعداد ونوعية الرقيق التي يمتلكها الفرد من أهم مؤشرات الثراء والنفوذ. وكتب المراقب البريطاني جي. سي. ماكوان في كتابه (مصر كما هي Egypt as it is) الصادر عام 1877م ما نصه: (تتداخل مؤسسة الرق في الحياة المنزلية والاجتماعية بالبلاد، لدرجة أن امتلاك الرقيق من الأمور التي تكسب المرء "الاحترام" أمام الجيران، تماما مثل أن يكون للعائلة الأوروبية خادم في المنزل لأداء الاعمال اليدوية / الوضيعة... وفي كثير من الحالات يقاس وضع المرء بعدد العبيد الذين يمتلكهم...).
 وفي مطلع القرن التاسع عشر كان أكثر من 10% من سكان دارفور يعدون من المسترقين. وكان براون، أول رحالة أوروبي تطأ قدمه دارفور، قد قدر عدد سكانها في تسعينيات القرن الثامن عشر بـ 200,000 نسمة، منهم 20,000 من المسترقين. أما في المناطق النهرية الخصبة في شمال السودان فقد ارتفعت نسبة المسترقين بسرعة إلى نحو 20% من السكان بعد الغزو التركي – المصري. ولم يكن الأمر كذلك قبل ذلك الغزو، إذ لم يكن من المعتاد وجود عمال مسترقين يستخدمون في الزراعة، إذ كان السكان يفلحون أرضهم بأنفسهم.  أما في المدن والقرى، فقد كان العمل الزراعي مقصورا على المسترقين، وكانت نسبتهم إلى عدد السكان الكلي مرتفعة. فعلى سبيل المثال، وبحسب ما أورده ريتشارد هيل في كتابه (مصر في السودان Egypt in the Sudan) كان ثلثا سكان الخرطوم، الذين يقدرون بـ 50,000 نسمة، من المسترقين في بداية الثورة المهدية.
ورغم أن المعلومات عن العدد الكلي للسكان في كل البلاد شحيحة ومتضاربة، إلا أن الدلائل تشير إلى أن عدد المسترقين كان يتراوح بين 20 و30% من عدد السكان الكلي خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر إلى بداية القرن العشرين. وكان مرد الزيادة المضطردة في نسب المسترقين في شمال السودان هو استخدام المسترقين في الأعمال الزراعية المختلفة، والتوسع في الزراعة بصورة عامة في المناطق النهرية أو في الأراضي التي تسقى بمياه الأمطار. وبينما كان الإنتاج الزراعي في المناطق شمال مقرن النيلين يعتمد على المزارعين ("الأحرار" / غير المسترقين) في الربع الأول من القرن التاسع عشر، تغير الوضع بعد خمسين عاما على ذلك إذ غدا عمل المسترقين في كل العمليات الزراعية هو الغالب الأعم.
وعلى الرغم من الفروقات الكبيرة بين نظام العبودية في السودان وذلك الذي ساد في الأمريكيتين، إلا أن هنالك بعض جوانب الشبه بين النظامين. فقد كان نظام العبودية (بصورة عامة) يتراوح بين الإنسانية البالغة والبربرية المفرطة التي لا تأبه بالحياة البشرية. وكان ذلك النظام في السودان من النوع الأول، إلا أنه تغير بعد الغزو التركي – المصري، إذ أن ذلك الحكم الجديد كان قد أدخل في البلاد عنصرا شريرا جديدا أزاح عنصر الاحسان الفطري / الأساس الذي كان موجودا (استشهد الكاتب هنا بما كتبه المؤرخ ريتشارد هيل في كتابه المترجم بعنوان "On the frontiers of Islam" عن أن العرب – بصورة عامة – كان يأخذون مسترقيهم بالعطف والرحمة. أما حالات القسوة المفرطة فقد كان سببها تشجيع وممارسات الأوربيين والأتراك. (أورد الكاتب في مراجعه هنا أيضا رأياً مخالفا لرأي ريتشارد هيل ذكره البريطاني اف. كوبر في مقال له صدر عام 1979م. المترجم).
وعلى الرغم من أن الرق المنزلي ورق العمالة الزراعية كانا قد انتشرا في سلطنة الفونج، إلا نظام التسري (اتخاذ المحظيات) والتكامل الجزئي بين الطبقة المسترقة والطبقة الحاكمة قد خفف من وطأة الاسترقاق، إذ أن العاملين المذكورين حتما ضرورة معاملة المسترقين ببعض العناية والرأفة والاعتبار. وكتب الرحالة آي. بالمي في كتابه "رحلات في كردفان" أنه لم ير قط واحدا من المسترقين يتعرض لإساءة أو سوء معاملة من مالكه بسبب التراخي في العمل". أما في سلطنة الفونج، وعلى الرغم من سلطة زعماء الأقطاع في ذلك العهد، إلا أنه لم يكن ينظر للطبقة المسترقة/ الأدنى في المجتمع كـ "ممتلكات (رغم أنهم كانوا يوسمونهم – أي يجَعَلون لهم علامة بالكي يُعرفون بها)، بل كأقنان، مثلما كان البارون التليد يحكم قومه.     
وتبدل ذلك التسامح مع بداية الحكم التركي – المصري، وتزايد تجنيد المسترقين في العسكرية قسرا. ومع ذلك التغير تحول من يسترقون إلى مجرد "بضائع" و"أصفار". وشمل ذلك حتى ذرياتهم (كانوا يعرفون بالمولدين)، وأفضى ذلك، لا محالة، إلى تناقص متوالي ومتزايد في رفاههم ومعاملتهم (بحسب ما جاء في مذكرات بابكر بدري). وكانوا يصنفون من الناحية القانونية مع الحيوانات الحقلية والدواب التي تحمل الأثقال – وهو تصنيف لم يكن يقصد به قطعا تقليل الفروقات بين من ولدتهم أمهم أحرارا والمسترقين. وكان المسترقون يحرمون من أي تكافؤ مدني أو قانوني مع "الأحرار"، لذا كان ذَراريّهم يباعون ويشترون، أو (كما هو الحال مع أشجار النخيل) يشترك في ملكيتهم عدد من "الملاك"، ويباعون وتوزع أثمانهم لكل "الملاك"، كل بحسب أسهمه. وسمح نظام التقاسم المبتكر ذاك حتى للفقراء بالمضاربة والتربح في أسواق الرقيق التي أنشأها الحكم التركي – المصري.
وكما هو متوقع، أدت كثرة أعداد المسترقين في أسواق النِّخاسَة إلى انخفاض عام وحقيقي في أسعارهم في غضون غالب سنوات القرن التاسع عشر (أورد الكاتب جدولا مفصلا بأسعار مختلف أصناف المسترقين. فعلي سبيل المثال بلغ سعر المسترق العادي في عام 1814م 8 – 10 دولار إسباني، وسعره في 1898م خمسة ريالات، بينما بلغت سعر المسترقة الحبشية في عام 1880م 200 طالر (عملة جرمانية فضية)، وسعر المسترقة الجميلة في عام 1905م خمسة جنيهات مصرية. المترجم). وأفضت تلك الأسعار المنخفضة بلا ريب إلى شيوع الرغبة في امتلاك المسترقين، وإلى ممارسات (استمرت حتى أربعينيات القرن التاسع عشر) شملت عدم دفن من مات من هؤلاء المسترقين، بل ترك جثثهم في العراء لتأكلها جوارح الطير، أو إلقائهم في عرض النهر.
وعلى الرغم من أن العبودية قبل وبعد فترة الحكم التركي - المصري كانت تسلب من المسترقين واحدة من أهم حقوق الإنسان، إلا أنها لم تخل من بعض المزايا. فقد ساهمت سلوكيات ومواقف أفراد المجتمع الإسلامي الاستيعابية تجاه الخدم (بأجر معلوم) والمسترقين في وسطهم إلى ميل نحو اللين والرفق معهم. وكانت عملية "الاستيعاب" تتم بمجرد دخول المسترق لعائلة "المالك". فيتم ختان الولد ويعطى اسما عربيا لشخص مركب من اسم أبيه أو أحد اسلافه مع بادئة أو لاحقة (patronymics)، وترسل البنت الصغيرة المسترقة إلى جناح النساء لتتدرب على الأعمال المنزلية وتعليمها بعض مبادئ الإسلام الأساس (ذكر الكاتب أن الرحالة السويسري بيركهاردت أن بعض المسترقين كانوا يعطون أسماءً "عجيبة" و/ أو غير إسلامية مثل الصبر زين Patience is a blessing  ... الخ. وهنالك أسماء أخرى شائعة في السودان مثل فرجو قريب الخ. المترجم).
ومعروف أن ظاهرة تغيير هوية وعادات الأجانب نحو هوية وعادات الطبقة الاجتماعية الغالبة من الظواهر الملاحظة في كثير من المجتمعات. فقد ذكر الرحالة بيركهاردت أن المسيحيين والجرمانيين (Franks) كانوا أكثر عرضة للإساءة من المسترقين مقارنة بغيرهم من طبقات المسلمين. وفي مقابل عملهم، كان الأرقاء يحصلون على طعام كافٍ وملابس معقولة، وكانوا على وجه العموم يعاملون وكأنهم بالفعل من أفراد أسرة ممتدة. وكتب الرحالة بيركهاردت أيضا: "عندما ينشأ مسترق في وسط إحدى الأسر، سيؤمن بأنه أرفع قدرا من أي فرد فيها ما عدا رب تلك الأسرة (سيده / مالكه)، فمسموح له أن يشهد كل اجتماعات الأسرة، ويسمح له أيضا بممارسة التجارة أو أي عمل خاص به، وأن يفعل ما يريد، شريطة أن يثبت أنه رجل شجاع مقدام، وقادر عند الملمات أن يسل سيفه للدفاع عن مالكه / سيده. عند ذلك يمكنه أن يسيء التصرف في ساعة لهوه دون خشية من أي عقاب."
وكان المسترقون القادرون على تحسين الأوضاع المادية لـ "أسيادهم"، أو الذين يتمتعون بالقوة الكافية لتدبير أمر فرارهم يتمتعون بمعاملة أفضل من غيرهم من المسترقين، ومن غير المسترقين أحيانا. ولم تكن المصالح الذاتية المستنيرة (enlightened self – interest) وحدها هي السبب في ذلك السلوك الخَيِّر، فقد كانت هنالك أيضا بعض العوامل الأخرى مثل التقوى الصادقة وحب عمل الخير. ومن أجل الاحتفاظ بقوة عاملة مستقرة، كان ملاك المسترقين يدركون أهمية الحفاظ على وحدة العائلة. لذا فقد كانوا يوفرون لمسترقيهم العاملين في الزراعة مبانٍ منفصلة لسكنهم تكون قريبة من المزارع. وكانوا يشجعونهم على إقامة صلات اجتماعية وعلاقات أسرية فيما بينهم. وكان المسترقون يتزوجون أو يقيمون علاقات مع المسترقات في نفس مناطقهم. ولذا كان انتقال "المالك / السيد" إلى مناطق أخرى يثير عندهم الغضب الشديد. ورغم حدوث العديد من حالات بيع أو نقل ملكية المسترقين عبر الأجيال، إلا أن غالبية "الملاك / السادة" لم يكن يبيعون أبناء وأحفاد مسترقيهم القدامى، بل يستمرون في استيعابهم في صفوف خدم العائلة الكبيرة. وبذا كانت تلك الصلات العاطفية تستخدم لضمان وحدة مجموعة المسترقين (في العائلة الكبيرة) وجعلها قوة عمل ثابتة ومستقرة ويمكن الاعتماد عليها. وكحافز إضافي لزيادة الإنتاج والتماسك الاجتماعي، كان المسترقون يعطون جزءًا صغيرا من المحصول الذي ينتجونه. أما من يتمرد أو يثور من الأرقاء فيلقى العقاب المناسب للجرم المرتكب. فالجنح (مثل عصيان أو تجاهل الأوامر أو السرقات الصغيرة) تعاقب بعقوبات خفيفة نسبيا مثل تقليل أو قطع المواد الغذائية، أو تكليف مرتكب الجنحة بأداء أعمال شاقة. أما الجرائم الخطيرة كقتل المالك / السيد فتوقع عليها عقوبة الإعدام إيجازيا. 
وسادت في العلاقة بين السيد ومسترقه بعض التناقضات وعدم التوافق. فمالكي المسترقين يصفونهم بالكسل والطمع وسوء الخلق وقلة الأدب، وكثيرا ما يلجأون لوسائل غاية في الشدة لاستخلاص أقصى عمل ممكن منهم. ومن جانب آخر كان الأرقاء يتذمرون من "ملاكهم / سادتهم" ويطالبون بنقل ملكيتهم إلى "سيد" آخر.
وكما هي العادة في الدول الإسلامية مثل مصر والجزيرة العربية، قد يقوم "السيد" بعتق من يريد من الأرقاء الذكور لأسباب دينية، أو لشديد تقديره وعرفانه للخدمات التي قدمها له أحد مسترقيه، حتى يتيح له فرصة الزواج من إحدى "إماء" العائلة، أو أن يبقى اختياريا في خدمته كخادم له أجر شهري معلوم. غير أن المسترق الذي يمنح حريته (يسمى "المعتوق") يظل في نفس طبقته الاجتماعية (الأدنى) في المجتمع، وقد يباع ويشترى ويورث أو يوهب صدقةً (كما ورد في مقال جي. اسبوليدنق عن "العبودية وملكية الأرض والطبقة الاجتماعية في السودان الشمالي التركي"). وكثيرا ما يقوم ملاك النساء المسترقات بعتقهن بحسب ما جاء من تعاليم في الدين الإسلامي، وكان ذلك يتم في غالب الأحوال بسبب تعلق "المالك / السيد" بواحدة من إمائه، أو عندما تلد له واحدة من محظياته أطفالا.
وعلى الرغم من التناقضات والوحشية التي اتصفت بها العلاقة بين المسترق و"المالك"، إلا أنه يمكن القول بأن تلك العلاقة بنيت على ترتيبات مرضية للطرفين (هكذا؟! المترجم). ويجب التأكيد أيضا على أن العبودية في السودان والعالم الإسلامي كانت، على وجه العموم، مختلفة جدا عن العبودية القاسية وغير الإنسانية في العالمين القديم والجديد. وجاء في تقرير مدير المخابرات البريطاني شارلس ويليس عن الرق في السودان ما يلي: "لقد أتاح تراخي الانضباط وعدم التمييز الطبقي (الديمقراطي نسبيا) بين أفراد المجتمع للأرقاء حرية واسعة للعمل. وكانوا بالفعل ينعمون بنفس الظروف تقريبا كمالكيهم." وكتب هنري بيلوير (سفير بريطانيا لمصر) خطابا إلى رسل في 16 أبريل 1865م ما نصه: "سيكون من الظلم ألا نذكر (أهمية) الرق في تقدم وحماية الرجل المعدم أو المرأة. ولولاه لما حصلا على ذلك، فقد كان الرق حماية لهما من الفقر المدقع والدعارة. وفي وجود الرق ترقت النساء الفقيرات في كثير من الحالات إلى مواقع رفيعة".
لذا يصح القول إذن، إن الأرقاء كانوا يحتلون مكانة معترف بها في المجتمع السوداني في غضون سنوات القرن التاسع عشر (على الرغم من أن أحوالهم كانت أبعد ما تكون عن المثالية). وفرضت على المسترقين ومالكيهم حقوقا متبادلة. وداوم ملاك المسترقين، لا ريب من أجل مصلحتهم الذاتية أولا، ثم بدوافع العادات الاجتماعية والتعاليم الدينية، على منحهم امتيازات في مقابل حصولهم على الظهور في المجتمع كمحسنين، وأهم كل من ذلك، لمساهمتهم الضرورية في الإنتاج الاقتصادي.
وبالنظر إلى حال السودان (آنذاك) واقتصاد الكفاف فيه، إضافة لقلة الوظائف والمجاعات المتكررة ولتقاليده الثقافية (المقيدة؟)، فقد كان وضع الأرقاء فيه مريحا بصورة تدعو للعجب.   

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
////////////////////