Egyptian Army and Suakin Operations

ريتشارد تريفور ويلسون R. T. Wilson
ترجمة: بدر الدين حامد الهاشمي
تقديم: هذه ترجمة لجزء من مقال عن "الفصيلة الخيلية في العمليات الحربية بالسودان في القرنين التاسع عشر والعشرين" نشر في يناير من عام 2018م بالعدد العاشر من المجلة الأفريقية للتاريخ والثقافة Afr J Hist Cult.
وكاتب المقال عالم بريطاني متقاعد له اهتمامات بحثية في مجالات البيئة والعلوم الزراعية والإنتاج الحيواني في مختلف المناطق المدارية على مدى عقود طويلة. وكان الرجل قد ساهم في سبعينيات القرن الماضي مع منظمة الوحدة الأفريقية في عمل مسح جوي منخفض المستوى لأعداد الثروة الحيوانية في السودان. ونشر الرجل أكثر من 13 ورقة علمية عن السودان (خاصة مناطق دارفور المختلفة) في مجالات مختلفة شملت دراسات عن الإنتاج الحيواني في مختلف الأنواع، والبيئة (مثل دراسته عن الرّئِيسات / القرود primates في دارفور)، وتاريخ الحيوانات في القرنين التاسع عشر والعشرين. ونشر أيضا في ذات المواضيع في تنزانيا وتركيا والهند وغيرها من بلدان العالم النامي.
المترجم
***** ***** ***** *****
أعلن محمد بن عبد الله في سبعينيات القرن التاسع عشر أنه هو "المهدي". وكان السودانيون، على وجه العموم، ينقِمُون من حكامهم المصريين والأتراك رِقَّة الدين، ولا يقبلون بتعيين مسيحيين (مثل الجنرال غردون) في أعلى مناصب الدولة. ودعا الرجل لإحياء الدين وتحرير الأرض، وبدأ الناس في الالتفاف حوله. وفي ثورته تلك أعلن أنه هو المهدي، وهو عند المسلمين مخلصهم الموعود.
وبعد سلسة من الانتصارات في المعارك الصغيرة انتقل المهدي مع أنصاره إلى كردفان، وتعقبه المصريون وبعثوا إليه بحملة عسكرية (مشؤومة) بقيادة العقيد ويليام هكس ليلقن المهدي درسا. وغادرت تلك الحملة الخرطوم في التاسع من سبتمبر من عام 1883م، وكانت مكونة (على وجه التقريب) من 7,000 من المشاة المصريين (غالبهم من الذين أطلق سراحهم من السجون المصرية نظير اشتراكهم في الحملة)، و400 من الباشبوزق على ظهور الخيول، و500 من الخيالة (سلاح الفرسان)، و100 من الشركس، مع عشرة من "مدافع الجبل" وأربعة من مدافع الميدان من نوع كرب Krupp، وستة مدافع آلية من نوع Nordenfeldt. وتميزت الحملة بضمها لجنود من الرعاع والغوغاء الذين كان يعوزهم التنظيم والتدريب. ووصفهم ونستون شيرشل بأنهم "ربما كانوا أسوأ جيش يزحف نحو حرب". وبالإضافة لسلاح الفرسان، فقد استخدمت الخيول أيضا في سحب المدافع. ورغم أن الهدف الرئيس المعلن من تلك الحملة كان هو حماية مدينة الأبيض، إلا أن الأبيض كانت قد سقطت بالفعل حتى قبل تحركها من الخرطوم. ووقعت معركة الأبيض (وتسمى أيضا معركة كاشقيل، في غابة شيكان، على بعد 220 ميل جنوب غرب الخرطوم) في يوم 3 نوفمبر. وانتهت المعركة بهزيمة ساحقة لجيش هكس، ولم ينج من تلك المجزرة سوى 300 من المصريين الذين أفلحوا في الهرب والعودة إلى الخرطوم. ولم ينج أي ضابط بريطاني في تلك الحملة.
وفي معركة التب بالقرب من سواكن، التي وقعت في 4 فبراير من عام 1884م، انتصرت قوات المهدي بقيادة عثمان دقنة (المكونة من أقل من 1,000 جندي) على قوات الجنرال فالنتاين بيكر (المكونة من عدد من الضباط البريطانيين مع 3,000 من الجنود). وأغضبت الهزيمة في تلك المعركة قطاعات من المؤسسة البريطانية، كان على رأسهم لورد وويلسلي (1833- 1913م)، الذي طالب بتدخل القوات البريطانية. ووافقت الحكومة على ذلك الطلب على مضض، وأمرت بتحويل عدد من الوحدات البريطانية التي كانت ستعود لبلادها من الهند إلى سواكن.
وفي ما سُمي بمعركة التب الثانية (في 29 فبراير 1884م) شاركت قوة بريطانية مكونة من 4,500 جنديا (منهم 3,342 من المشاة، وخبراء المتفجرات، والمدفعجية، مع 864 من الفرسان) ويمتلكون 28 مدفعا. وكانت تلك القوة تحت إمرة اللواء السير جيرالد جراهام، والذي كان هدفه الأعظم أن يلقن المهدويين درسا. وشملت الوحدات التي كانت لها أَحْصِنَةٌ قوة السوارى الخفيفة العاشرة (التي عرفت بعد عام 1861م بقوة سواري أمير ويلز العاشرة) وقوة السوارى الخفيفة التاسعة عشرة، والمشاة الراكبة، والمدفعية الملكية، ولواء بحرية يتكون من 162 رجلا. وانتصر البريطانيون في معركة التب الثانية، ويعزى الفضل في ذلك، لدرجة كبيرة، للهجوم الكاسح الذي شنته قوة السوارى الخفيفة العاشرة. واستخدمت قوات المهدية الخيول أيضا في سحب عدد من قطع المدفعية شملت مدافع الميدان من نوع كرب التي كانوا قد غنموها من حامية طوكر. وحصل الرائد آرثر ويلسون على والرقيب ويليام مارشال على "صليب فيكتوريا"، وهو أعلى وسام عسكري في بريطانيا، لشجاعتهما في معركة التب الثانية. وأسفرت تلك المعركة عن مقتل نحو 2,000 من مقاتلي المهدية، بينما خسر الجانب البريطاني والمصري ثلاثين رجلا، وأصيب 142 من الجنود بجروح مختلفة.
وفي يوم 13 مارس 1884م جرت معركة أخرى سميت بمعركة تاماي، شارك فيها جنود من قوة السوارى الخفيفة العاشرة، وقوة السوارى الخفيفة التاسعة عشرة، والمشاة الراكبة، والمدفعية الملكية، ولواء بحرية، مع عشرة مدافع جبل، ومدافع كرب (9 ملم). واستخدم المشاة للاستطلاع، وحاربوا كمشاة راكبين (على ظهور الخيول). وفي تلك المعركة منح أحد الضباط برتبة ملازم "صليب فيكتوريا" وذلك لوضعه جنديا جريحا على ظهر فرسه بعيدا عن منطقة الخطر، وإنقاذه من موت محقق. ومُنح كذلك "صليب فيكتوريا" لأحد الجنود من فرقة اللواء البحري لحمايته بقوة وشجاعة بغال الجيش البريطاني من هجمات العدو، مما سهل عملية إعادة مدافع الجيش إلى مواقعها بسلام.
وفي بدايات عام 1885م تم إعادة تكوين "قوة سواكن الميدانية" بعد أن كانت قد حُلت في نهاية العام السابق، وذلك بسبب تواصل الحملات التي كان يشنها أنصار عثمان دقنة في مختلف مناطق شرق البلاد. وكان سلاح الفرسان مكونا من وحدات قوة السوارى الخفيفة التاسعة عشرة (سحبت في بداية شهر مارس 1885م)، وسربي خيالة من فوج الفرسان الخامس 5th lancers (المكون من عشرة ضباط و249 من الجنود في رتب مختلفة، و200 فرسا). وكان هنالك أيضا جنود بنغال في فرقة سلاح الفرسان (أورد الكاتب صورة جماعية لبعضهم أخذت في عام 1885م). ولم يكن لأحد من هؤلاء البنغال أي معرفة أو خبرة سابقة بالرماح (lances) قبل مجيئهم للسودان، ولكنهم تلقوا تدريبا عليها من أفراد فوج الفرسان الخامس. وكانت تشكيلة فوج الخيالة (الفرسان) البنغالية غريبة بعض الشيء، فقد كانوا من "طبقات" مختلفة، وكان بعضهم هندي الأصل، ولكنهم يعملون في فوج واحد. وعند مجيئهم للسودان كان ذلك الفوج مكونا من عشرة ضباط بريطانيين، وثلاثة عشر ضابطا هنديا، و475 من الجنود في رتب مختلفة. وكانت كتيبة سواكن للمشاة المسلحة (الراكبة للخيول) قد تكونت في البدء من جنود أتوا من خمسة وثلاثين وحدة مختلفة (شملت أيضا جنود البحرية البريطانية)، وقد أمدت سلاح الفرسان برجال ذوي خبرة بركوب الخيل.
وكانت هنالك أيضا وحدة لحمل أسلحة وأمتعة الجيش مكونة من 1,500 حيوانا (غالبها من الإبل والبغال). وكانت هنالك أيضا أحصنة بطارية مدفعية، وبطارية بغال، ومدافع من نوع قاردنر Gardner. وجلبت غالب تلك الخيول من إنجلترا، ولكن صعب على معظمها التغلب على صعوبات العيش في جو السودان الوخيم. وتم استبدالها بخيول مصرية كانت موجودة أصلا في سواكن. وكان سلاح الفرسان يمتلك خيولا عربية اعتادت على الظروف المناخية المحلية، وعلى تحمل الجوع والعطش. وأصيبت خيول الجيش بمرض جلدي يسمى داء المرشقات (cutaneous habronemiasis) تسببه يرقات دودة تسمى المرشقة Habronema. ولم يكن لذلك المرض من علاج ناجع في تلك السنوات.
وكان الجنود البنغال هم أول قوات خيالة تشارك في القتال في هشيم (وردت في النص الأصلي هشين Hashin) يوم 20 مارس 1885م. وكانت معركة شرسة نزل فيها بعض الجنود من على ظهور خيولهم ليردوا على نيران العدو. ثم دار قتال عنيف بالأيادي وتطايرت زخات الرصاص دون أهداف محددة. وفي تلك المعركة قُتل اِثنا عَشَرَ من الجنود البنغال. غير أن النصر في النهاية كان حليفهم، إذ أفلحوا من القضاء المبرم على مهاجميهم.
وفي 22 مارس من ذات العام دارت معركة في توفريك، وكانت معركة استخدم فيها البريطانيون 580 من الإبل حملوا على ظهورها 11,500 جالون ماء، وحملوا المؤون على ظهور 500 من الإبل، ونحو 400 من البغال لحمل الأثقال، و400 من خيول الجر، وخيول وجمال حمل الأمتعة. وأنتصر البريطانيون في تلك المعركة بعد أن قتلوا أكثر من ألف رجل من جنود العدو. ولكنهم في المقابل خسروا أربعة ضباط وستة وستين من الجنود. وجرح منهم ثمانية ضباط و128 من الجنود. وكانت تلك واحدة من أقسى المعارك التي خاضها البريطانيون في الشرق إلى ذلك التاريخ. واستفاد البريطانيون من تلك المعركة عسكريا بأن أدركوا أنه بمزيد من التدريب فبإمكان المشاة والفرق المحمولة على ظهور الخيول أن تتعاون تكتيكيا، وأن أهم عنصر لنجاح قوات الخيالة يكمن في خيول صحيحة البدن ومغذية جيدا ومتأقلمة على الطقس.
وعقب معركة توفريك عاد بعض أفراد فرقة الخيَّالة إلى هشيم لدفن موتاهم. وكان الجنود البنغال في يوم 9 أبريل قد خرجوا في عملية استطلاع، بينما ظل معظم أفراد فرقة الخيَّالة في مهمة لحماية تشييد خط سكة حديد سواكن – بربر. وفي يوم 7 مايو واجهت القوة الميدانية عددا كبير من أنصار المهدي في منطقة تسمى T’Hakul (لعل المقصود هو تلهوك) وتبعد عشرة أميال غرب سواكن. وقامت القوة الحكومية بهجوم من محورين: بجنود المشاة من جانب واحد، وخيالة البنغال وفرقتين من المشاة راكبة الخيول من جانب آخر. وسبب ذلك الهجوم المباغت ارتباكا كبيرا في معسكر المهدية، مما اضطر محاربيهم لانسحاب سريع وغير منظم، تركوا فيه على عجل كل معزهم وأغنامهم وحميرهم وإبلهم، إضافة لكميات كبيرة من الذرة. وغنمت القوات الحكومية كل ذلك، وكانت ذات فائدة كبيرة للهنود والبريطانيين في ما أقبل من أيام.
ومع نهاية حملة سواكن، غدا واضحا أهمية فرقة الخيالة البنغالية التاسعة، بل وصار أفرادها مجيدين لرمي الرماح. ولم يفقدوا في تلك الحملة غير ضابطين (مات أحدهما بسبب المرض)، واثني عشر جنديا. بينما جُرح ضابطان بريطانيان، واثنان وعشرون من الجنود في مختلف الرتب. ثم تقرر أن يعود جنود رئاسة فوج البنغال مع سربين من خيالتهم إلى الهند في يومي 9 و10 يونيو 1885م. أما السرب الثالث فقد تقرر أن يبقى في سواكن حتى يوم 20 نوفمبر. وآب كل الجنود البنغال إلى بلادهم مع خيولهم، التي فقدوا منها في سواكن 52 فرسا، رغم أنهم عُوضوا عنها في أيام وجودهم بسواكن بخيول مصرية. وفيما بعد منحت بريطانيا فرقة الخيالة البنغالية التاسعة وسام معارك "سواكن 1885".
وظل الجنود البريطانيون يحاربون في ساحل البحر الأحمر في عام 1888م. وفي 11 ديسمبر من عام 1888م كتب الجندي فيرغسون من قسم السوارى الخفيفة رسالة لأهله عن معركة الجميزا El Gemaizah (التي قادها فرانسيس قرانفيلد، ويطلق عليها البعض أيضا "معركة سواكن") عن صدمة شديدة تلقاها جنودهم وهو في معركتهم ضد المقاتلين المهدويين، إذ قتل منهم أربعة رجال، كان من بينهم عازف بوق (ذكر الكاتب أن رفات من قتلوا في تلك المعركة نقلوا إلى مقبرة قتلى جنود الكومونويلث بالخرطوم، وأورد صورة مركبة لتلك القبور. المترجم). وكانت الحصيلة النهائية لتلك المعركة مقتل اثني عشر جنديا بريطانيا، بينما خسرت قوات المهدية نحو ألف من المقاتلين. وعزا فيرغسون الخسارة الكبيرة (نسبيا) في صفوف البريطانيين لسوء المعدات الحربية التي استخدموها. واستدعى البرلمان البريطاني وزير الحربية يوم 21 ديسمبر لسؤاله عن ذلك التقصير. وأحدث ما قام به المهدويون من تشويه لجثث الجنود البريطانيين سَوْرَة غَضَبِ شديد في أوساط رجال الجيش البريطاني. وكما هو الحال في غالب الحروب، أثارت تلك الأخبار حفيظة الشعراء في الجيش فتباروا في نظم قصائد تشيد بالنصر البريطاني، وتأسف للخسائر التي تكبدوها (أورد الكاتب عدة أبيات لأحد الجنود اسمه وود ليك، جلبها من كتاب بقلم وليام اسبايرز عنوانه The Victorian soldier in Africa صدر عام 2013م).
لم يكن جنود مصر وبريطانيا وحدهم هم الذين كانوا يناصبون القوات المهدية العداء. فقد كان رجال المهدية يخوضون أيضا معارك متطاولة ضد الإثيوبيين (الأحباش) على حدود السودان الشرقية، خاصة في منطقة القلابات في الجانب السوداني من الحدود، والمتمة على الجانب الإثيوبي. وانتصر الاثيوبيون على المهدويين في معركة كوفيت Kufit في يوم 23 سبتمبر من عام 1885م. ولكن قرر خليفة المهدي عبد الله في عام 1888م أن ينهي "المشكلة الحبشية" بصورة حاسمة، فبعث بجيش كبير العدد للهجوم على الحبشة، ونجح بالفعل في هزيمة جندها وتدمير عاصمتها غوندار تدميرا شاملا. وكرد انتقامي على ذلك قام الأحباش بمهاجمة القلابات في العاشر من 1889م بجيش مكون من 130,000 من الجنود المشاة، و20,000 من الخيالة. ورغم أنهم أصابوا نجاحا كبيرا في بادئ الأمر، إلا أن قوات الخليفة أفلحت في صدهم وقتل نحو 15,000 منهم، بعد أن تكبدوا هم أنفسهم عددا مماثلا من القتلى. وأصابت رصاصة طائشة ملك الحبشة فأردته قتيلا، وقطع رجال الخليفة رأسه وأرسلوه للخليفة في أم درمان للتدليل على انتصارهم. وفي المدينة عرض رأس ملك الحبشة احتفالا بذلك الانتصار. وشجع الانتصار على إثيوبيا خليفة المهدي على نشر المهدية (في الأصل نشر دينه. المترجم) بمصر، غير أنه مُنِيَ بهزيمة ماحقة في توشكي (نحو 75 داخل الحدود المصرية بالقرب من "أبو سمبل") في الثالث من أغسطس عام 1889م. وكان الجيش المصري في توشكي تحت قيادة ضباط بريطانيين (كان منهم الرائد هورايشو هيربرت كتشنر قائد سلاح الفرسان في تلك المعركة). ولم تشارك في معركة توشكي غير وحدة عسكرية واحدة هي سرب الخيالة رقم عشرين، خسرت فيها جنديا واحدا، بينما جُرح أربعة آخرون. وكان للضباط البريطانيين الذين يقودون جنود المشاة المصريين والسودانيين خيولهم الخاصة. ويعزي الخبراء العسكريون الفضل في النصر بتوشكي إلى مدفعية الخيول وسلاح الفرسان المصري. ويبدو أن الجيش المهدوي لم يكن لديه خيول في تلك المعركة (بحسب ما أوردته مجلة اسبكتايتور Spectator في عددها الصادر في العاشر من أغسطس عام 1889م).

 



عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.