يبدو الأمر وكأنه مفارقة. فالنظام المالي العالمي يكتسب قوة أكبر بفضل قوة النمو الاقتصادي وانتعاش الأسواق وانخفاض أسعار الفائدة. ولكن على الرغم من هذه الظروف المواتية فقد بدأت الأخطار تلوح في الأفق متمثلة في مواطن ضعف مالية متزايدة، مما يتطلب من صناع السياسات التحرك العاجل لكبحها.
وكما يشرح تقرير الاستقرار المالي العالمي، إن التعافي من الأزمة المالية العالمية لم يكتمل بعد. ويواصل مسؤولو البنوك المركزية اتباع سياسات تيسير لدعم النمو، وهو توجه صائب ولكنه يولد حالة من التراخي ويسمح بتراكم المزيد من التجاوزات المالية. وتغتنم الجهات المقترضة غير المالية فرصة توافُر الائتمان بأسعار منخفضة للحصول على كم كبير من القروض. ومن ناحية أخرى، يواصل المستثمرون شراء أصول أكثر خطرا وأقل سيولة. وإذا تُركت مواطن الضعف تلك دون علاج، فستستمر في التراكم حتى تهدد بإخراج التعافي الاقتصادي عن مساره الصحيح في حالة حدوث صدمات.

( توبياس أدريان )

(2)

تفردت الصين منذ التسعينات القرن العشرين ، بعقلية دولة واحدة بنظامين : الصين الشعبية من طرف وتايوان من طرف آخر، بعد استرداد الأخيرة من بريطانيا. وقامت في الصين تجربة جديدة وهي نظام سياسي دكتاتوري، يعيش في نظام اقتصاد السوق. وتسلقت الصين النظام الاقتصادي العالمي ، وتخطت قيود الملكية الفكرية ، واستغلت كل وسائل الفساد الممكن عند الآخرين للكسب الرأسمالي البشع، حتى تأثرت به، فتغلغل الفساد في بنيتها الاقتصادية في مشاريعها في الدول الإفريقية تحديداً لأنها المجال التي تستبق فيه الدول المصنعة الأخرى. ولا نعرف هل تسلق الفساد إلى تجربة هيمنة الحزب الواحد أم لا، فالصين عند اكتشافها فساد مالي تجاه أحد السياسيين، فإن عدالتها تعدمه بالرصاص.
*
نتساءل اليوم، هل دفنت الصين النفاية النووية في أرض السودان حين بناء سد مروي؟، فقد كان الكادر من الإخوان المسلمين، صعد إلى القرار التنفيذي عبر سياسة التمكين مع ضعف التأهيل. وهؤلاء في غفلة جهالتهم، لا يعلمون إن نفذت الصين دفن النفاية النووية شمال السودان أم لا؟، فهم لا يعرفون محتويات الحاويات التي جلبها الصينيون عن طريق ميناء بورتسودان.

(3)

لماذا الازدهار الاقتصادي يتوافق مع الاستقرار، حتى لو كان النظام دكتاتورياً؟
*
ولماذا كل ما أصبحت ثورة في بلد، انخفضت معدلات النمو الاقتصادي وجفت المصادر في ذاك البلد؟.
*
ألا تشجع الديمقراطية الاقتصاد أم أن الثورة فوضى ضاربة أطنابها وهازمة الاقتصاد؟.
*
لقد زحفت الاشتراكية التقليدية إلى الرأسمالية الحديثة، واكتسبت الرأسمالية من طرف ثانٍ جانباً إنسانياً كانت محرومة منه في تاريخها، وتلك انحناءة غامضة تظهر الرأسمالية وكأنها تراود الظروف، و يتعين بموجبه توفير المال من أجل مبادئ اجتماعية وإنسانية ، تخفف الرأسمالية من أنانية الملكية الفردية. وفي اقتصاد رأسمالية السوق تكون الوحدات الاقتصادية ملك أفراد أو مجموعات، فأنهم غير معنيين بالمصالح العامة والرفاهية العامة، بل الأرباح هي المقياس.

المميزات الأساسية في رأسمالية السوق تجعلها ملائمة للمؤسسات الديمقراطية في تركيبتها، ولكن لها مخاطر سالبة على الديمقراطية.

(4)
إنفاق الرأسمالية على الخدمات الاجتماعية:
في دول مشهورة في التزامها اقتصاد السوق وهي الولايات المتحدة فإن الحكومة و الفيدرالية وحكومات الولايات والحكومات المحلية، تنظر الاقتصاد بطرق أخرى: كتأمين البطالة ومعاشات الشيخوخة وسياسة مالية لتجنب الركود الاقتصادي، الأمن - الغذاء - الدواء - الخطوط الجوية - السكك الحديدية - الطرق السريعة - الطرقات و الصحة العامة - مكافحة الأمراض المعدية - التطعيم الاجباري لأطفال المدارس والتامين الصحي والتعليم وبيع الأسهم والسندات والأوراق المالية الأخرى وتخطيط المدن ومبانيها السكنية ووضع معايير البناء وضمان تنافس السوق ومنع الاحتكارات وقيود أخرى على التجارة وفرض وخفض الرسوم والحصص على الواردات وإنشاء تراخيص الأطباء والمحامين والمحاسبين وغيرهم من المهن وإنشاء والمحافظة على الحدائق القومية وأماكن الترفيه ومناطق الحياة البرية وتنظيم الأعمال ومعالجة التدمير البيئي وتنظيم وبيع منتجات التبغ بهدف خفض معدلات السرطان.
لا يوجد اقتصاد السوق الرأسمالية في أي دولة ديمقراطية بلا تنظيم أو تدخل حكومي. لما كانت رأسمالية السوق تخلق بالضرورة عدم المساواة في توزيع الموارد فإن قضية الديمقراطية وتطورها.

(5)
الملاذات الآمنة للمال المسروق ولأثرياء هاربين من الضرائب:
وتأتي في مقدمة المناطق الحاضنة لرؤوس الأموال الهاربة من دفع الضريبة ، جزر الكيمن الكاريبية والتي هي من الجُزر المسماة الجزر الحرة، أي الخاضعة للتاج البريطاني. ففي الجزيرة الرئيسية، التي تبلغ مساحتها (14) كيلو مترا مربعا وعدد سكانها 14 ألف مواطن، ثمة ما يزيد على( 500) مصرف مسجل فيها، تمثل كل ما يخطر على البال من المصارف ذات الصيت، والتي من ضمنها أيضاً العشرة الأوائل من بيوت المال الألمانية. لا تجد غضاضة في فتح حساب في جزر الكيمن لرؤوس الأموال الهاربة من دفع الضريبة. وفي الواقع فإن الزبائن الأوربيين ليسوا بحاجة إلى الجزر الكاريبية للتهرب من الضريبة.
فهم يحصلون على مبتغاهم في الواحات الضريبية الأوروبية أيضاً، إذ تقدم لهم نفس التسهيلات الجزيرتان جيرسي و جورنسي الوقعتان في القنال الإنكليزي، وكذلك الإمارتان لشتنشتاين ولوكسمبورج.
ومنذ سنين عدة انضمت مقاطعة جبل طارق إلى قائمة المناطق المستقطبة لرؤوس الأموال الهاربة، وأصبحت واحدة من تلك المراكز المسماة بـ( الواحات) المستترة على جنايات الهاربين من دفع الضريبة في أرجاء المعمورة. فقد نقل ما يزيد على المائة ألف ثري أموالهم، شكلاً إلى جزيرة جبل طارق. وهناك استشاريون، يقدمون كل التسهيلات والارشادات التي يحتاجها المتهربون من دفع الضريبة، ابتداء من تأسيس شركة غفلا من اسم مالكها ولا وجود لها في الواقع العملي ولا تمتلك سوى صندوق بريد، وانتهاء بكل الوثائق التي تثبت الهجرة المزعومة ، وتحت شعار المودعون الأذكياء يتوجهون إلى جبل طارق الآن. يغري المصرف الألماني التجاري بالهروب نحو الجنوب لتفادي دفع الضريبة، في الجزيرة الخاضعة للتاج البريطاني والواقعة في الطرف الجنوبي من إسبانيا، بكل هارب من دفع الضريبة لديه على الأقل مائة الف مارك يرغب في إيداعها لأجل مسمى. أما من يرغب في أن يتولى المصرف إدارة ثروته في مجالات تدر عليه الفوائد، فإن عليه أن يُحضر نصف مليون مارك على الأقل . ويقول مدير الفرع برند أولفن بلهجة تنم عن شعور بالفخر والانتصار:
( هنا لا يزال المودعون واثقين من سرية وكتمان معاملاتهم المصرفية)
فقد صار تتبع ثرواتهم المتراكمة بصورة غير شرعية أمراً مستحيلا في الواقع العملي، كما صار من المستحيل التعرف على، ما إذا كانت الواحات الضريبية هذه تقوم بغسل الأرباح الآتية من كل أنواع الجريمة. وتعتبر قبرص واحة تنتقل عبرها مختلف منظمات المافيا الروسية. فبناء على احصائيات صندوق النقد الدولي، هناك ما يزيد على 200 مليار دولار، ستظل تحت راية الدويلات الصغيرة التي تؤوي الهاربين من دفع الضرائب. كما لا تحصل هذه الهياكل الضرورية، فقط صندوق بريد وممثل عام أو وكيل يفيان بالغرض، وما تبقى هي أجهزة كمبيوتر مركزية.
*
كم هي المبالغ التي تم إيداعها داخل ملاذات آمنة للمال المسروق من الدولة السودانية بواسطة تنظيم الإخوان المسلمين وزعمائه طوال 30 عاماً، وفي ظل السيولة الأمنية؟
لن يعوزهم المستشارين الذين يأخذون بيدهم نظير مبالغ تافهة تُدفع لهم، لتأمين تلك الملاذات الآمنة. فمنْ ذا الذي يأتي بمبالغ تم سرقتها وتحويلها لمباني استثمارية ومزارع مطاط وأسهم شراكة في مؤسسات وجامعات؟.

عبدالله الشقليني
16سبتمبر 2019

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
///////////////