عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

ضرب علي بن أبي طالب بعد انتهاء معركة الجمل، هودج أم المؤمنين برمحه وقال:

كيف رأيتِ صنيع الله يا أخت إرم؟.
فقالت أم المؤمنين عائشة:
يا ابن أبي طالب، ملكت فاسجع.
فيقول علي: غفر الله لكِ.
وتقول عائشة: وغفر لكْ.


(1)
كثير من الإخوان المسلمين ومتابعيهم يدّعون أن الإسلام دين ودولة. ويعتمدون على الآية التي تتحدث عن أن الأمر بينهم شورى.{ ...وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ} (38) سورة الشورى. وتلك هي التميمة السحريّة التي قام الإخوان المسلمين بتأويلها لأغراضهم، وأدخلوا السياسة والحكم عنوة في أصل التأويل، لإقامة حكم الخلافة الإسلامية. بل يقولون إن الشورى سابقة للديمقراطية، وأنها أي الشورى هي الأصل الذي ينبغي على الجميع اتباع نهجه، دون تفصيل وهدي ومنهاج.

وكانت الآية: { وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ۖ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (30) سورة البقرة، توضح أن خلافة الإنسان قد نصت عليها آية في الذكر الحكيم. ولكن على غير هوى طلاب السلطة من المتأسلمين. لم تنص أي آية من الذكر الحكيم على خلافة النبي بعد رحيله.

ويزعمون رغبتهم تطبيق نهج ما يطلقون عليه "الخلافة الراشدة". كأن الخلافة أمر نص عليه الذكر الحكيم، وينسون اجتماع زعماء القبائل في سقيفة بني ساعدة، قبل دفن النبي الكريم، ليختاروا حاكماً. كانوا من زعماء القبائل، ولم يكونوا من عامة الناس وليس فيهم النساء ولا الموالي ولا العبيد. وهو عمل دنيوي بإمتياز، استأثر به زعماء القبائل، ليس له شأن بالدّين أو العقيدة.

لذلك نبدأ نقلّب صفحة جديدة من التاريخ القديم، الذي يحاول كثيرون نسيانه عمداً، لأنه يهزّ شجرة الأفراد المقدسين و لأن تذكّره يقدّم دليلاً أن الأبطال الذين كادوا أن يوصمونهم بالقداسة، هم محض أناس عاديين، وبشر يتقلّبون في الخطأ والصواب، بل ويتجادلون ويحتدّون على بعضهم، ويثبون إلى هرم الخصومة فيحاربون بعضهم البعض ويقتتلون، ويموت من جراء ذلك كثير من الصحابة. فيهم من المُبشرين بالجنّة، من أمثال الصحابي طلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام وغيرهم كُثر.


(2)
قُتل الخليفة عثمان بن عفان، وهبّت الفتنة من مرقدها.
موقعة الجمل هي معركة وقعت في البصرة عام 36 هـ بين قوات أمير المؤمنين حينها علي ابن أبي طالب، والجيش الذي يقوده الصحابيان طلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام بالإضافة إلى أم المؤمنين عائشة، التي قيل أنها ذهبت مع الجيش داخل هودج من حديد على ظهر جمل، وسمّيت المعركة بمعركة الجمل نسبة إلى ذلك الجمل. وقتل فيها حوالي عشرة آلاف نفس مسلمة.
*
حزن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كثيراً على الذين قُتلوا ووجدهم في نهاية القتال. وقال حين لقي الصحابي طلحة ً مقتولاً،جعل يمسّح التراب عن وجهه ويقول: " عزيزٌ عليّ أبا محمد أن أراك مجندلاً تحت نجوم السماء"، ثم قال: " إلى الله أشكو عُجري وبُجري"، وبكى عليه هو وأصحابُه.
*
كان أمر البصرة أشد من أمر الكوفة تعقيداً، فقد كان أهل هذا المصر بايعوا علياً واستقاموا لعامله عثمان بن حنيف. فلم يلبثوا إلا قليلاً حتى أظلّهم الزبير وطلحة وعائشة ومن معهم من الجند. فأرسل إليهم عثمان بن حنيف سفيرين من قبله. هما عمران بن حُصين الخزاعي صاحب رسول الله وأبو الأسود الدؤلي، فلما أقبلا سألا القوم: ماذا يريدون؟ فقالوا: نطلب دم عثمان ونجعل الأمر شورى بين المسلمين يختارون لخلافتهم منن يشاءون. وهمّ السفيران أن يحاورا القوم في هذا الأمر، فأبى القوم أن يسمعوا منهما، فعادا إلى عثمان بن حنيف ينبئآنه أن القوم يريدون الحرب ولا يريدون غيرها، فتأهب عثمان للقتال وخرج في أهل البصرة حتى واقف القوم، ثم تناظروا فلم يصلوا إلى خير. خطب طلحة والزبير فطلبا بدم عثمان وجعل الأمر شورى بين المسلمين. فرد عليهما من أهل البصرة من كانت تأتيهم كتب طلحة بالتحريض على قتل عثمان. واختلف أهل البصرة وقال قوم: صدقاً وتكلّما بالصواب. وقال قوم: كذبا ونطقا بغير الحق. وارتفعت الأصوات واشتد الخلاف، وجعل أهل البصرة يتسابّون.

جيء بعائشة على جملها فخطبت الناس، وأبلغت في الخطابة. لسان زلق ومنطق عذب وحجة ظاهرة القوة. تقول: غضبنا لكم من سوط عثمان وعصاه، أفلا نغضب لعثمان من السيف؟ ألا وإن خليفتكم قد قُتل مظلوماً، أنكرنا عليه الأشياء وعاتبناه فأعتّب وتاب إلى الله، وماذا يطلب من المسلم إن أخطأ أكثر من أن يتوب إلى الله ويُعتب الناس. لكن أعداءه سطوا عليه فقتلوه. واستحلوا حُرماً ثلاثثاً: حُرمة الدم وحرمة الشهر الحرام وحرمة البلد الحرام.

وقد استمع لها الناس في صمتٍ عميق، ولكنها لم تكد تتمّ حديثها، حتى عادت الأصوات فارتفعت يصدّقها قوم ويكذبها قوم، وأولئك وهؤلاء يتسابّون ويتضاربون بالنعال. ومع ذلك ثبت مع عثمان بن حنيف جند قويّ من أهل البصرة فاقتتلوا قتالاً شديداً وكثرت فيهم الجراحات، ثم تحاجزوا وتداعوا إلى الهدنة حتى يقدم علي. وكتبوا بينهم كتاباً بذلك يقرّ عثمان بن حنيف على الإمرة ويترك له المَسلة وبيت المال. ويبيح للزبير وطلحة وعائشة وممن معهم أن ينزلوا من البصرة حيث يشاءون.

(3)
وعاد أمر الناس إلى عافية ظاهرة. ومضى عثمان بن حُنيف على شأنه، يصلي بالناس ويقسم المال ويضبط المِصر. لكن القوم الطارئين ائتمروا فيما بينهم فقال قائلهم: لئن انتظرنا مقدم علي ليأخذنّ بأعناقنا. ثم أجمعوا على أن بيتوا عثمان بن حنيف، وانتهزوا ليلة مظلمة شديدة الريح، فعدّوا على عثمان وهو يصلي بالناس العشاء الآخرة، فأخذوه ووكلوا به من ضربه ضرباً شديداً ونتّف لحيته وشاربيه. ثم عدّوا على بيت المال فقتلوا من حرسه أربعين رجلاً، وحبسوا عثمان بن حنيف وأسرفوا عليه العذب. هنالك غضب من أهل البصرة، قوم أنكروا نقض الهدنة، وكرهوا هذا العدوان على الأمير، وكرهوا استئثار القوم ببيت المال، واجتنبوا المدينة وخرجوا إلى بعض ضاحيتها يريدون الحرب وحماية ما اتفق القوم، علي أنه حرام لا ينبغي أن يعرض له أحد بسوء.
وكانت هذه الفتنة من ربيعة يرأسها حكيم بن جبلة العبدي. فخرج لهم طلحة في قوم من أصحابه فقاتلوهم حتى قتلوا منهم أكثر من سبعين رجلاً، وقُتل حكيم بن جبلة بعد أن أبلى بلاء حسناً عظّم القصاص من أمره فيما بعد. فزعموا أن رجلاً من أصحاب طلحة ضربه ضربة قطعت رجله، فحبا حكيم حتى أخذ رجله تلك المقطوعة فرمى بها من ضربه فصرعه فجعل يرتجز:
*
يا نفس ُ لا تراعي .. إن قطعوا كراعي
إن معي زراعي

ثم قاتل رغم جراحته وهو يرتجز:

ليس عليّ في الممات عار ... والعار في الحرب هو الفرار
والمجد ألا يُفتح الذّمار

وما زال يقاتل حتى قُتل.

(4)
وكذلك لم يكتف هؤلاء القوم بنكث البيعة التي أعطوها علياً، وإنما أضافوا إليها نكث الهدنة التي اصطلحوا عليها مع عثمان بن حنيف. وقتلوا من قتلوا من أهل البصرة الذين أنكروا نفض الهدنة وحبس الأمير وغصب ما في بيت المال وقَتلُ من قتلوا من حرسه، وكلهمن كان من الموالي. ولم يقف أمرهم عند هذا الحد وإنما همّوا أن يبطشوا بعثمان بن حنيف، لولا أن ذكرهم بأن أخاه سهل بن حنيف، يدبر أمر المدينة من قبَل علي، وبأنه خليق أن يضع السيف في بني أبيهم إن أصابواه بمكروه. فخلّوا سبيله. وانطلق حتى أتي علياً في بعض طريقه إلى البصرة. فلما دخل عليه قال له مداعباً: يا أمير المؤمنين، أرسلتني إلى البصرة شيخاً فجئتك أمرد.

ولم يكن من شأن هذه الأحداث التي أحدثها القوم في البصرة، إلا أن توغر صدر علي وأصحابه، وتزيد الفرقة بين أهل البصرة الذين انقسموا على أنفسهم شر انقسام وأشده نُكراً، فقد غضبت عبدُ القيس لحكيم بن جبلة فخرجت مكابرة حتى أتت علياً فانضمت إلى جيشه. وأفلت من أصحاب حكيم حُرقوص بن زهير، وهو من الذين ألّبوا أشد التأليب على عثمان، فغضب له قومه وحموه وأبوا أن يسلموه، ثم اعتزلوا الناس مع الأحنف بن قيس في ستة آلاف.


(5)
واشتد الخلاف بين الناس بعد ذلك، قوم يخرجون إلى علي متسللين أو مكابرين، وقوم ينتظرون مقدم علي لينضموا إليه، وقوم ينضمون إلى طلحة والزبير ليحموا ثَقَل رسول الله عائشة ولينصروا حواري رسول الله الزبير، وقوم يريدون أن يعتزلوا الفتنة فراراً بدينهم، فمنهم من يتاح له الاعتزال ومنهم من يضطر إلى الفتنة اضطراراً. والرؤساء بعد ذلك ليسوا من الرضى وراحة الضمير بحيث يحبون. فطلحة والزبير يختلفان أيهما يصلي بالناس، ثم يتفقان بعد خطوب أن يصليا بالناس هذا يوماً وهذا يوماً. وفي ضمير عائشة قلق لا يكاد يبين .مرّت في طريقها بماء فنبحتها كلابه وسألت عن هذا الماء فقيل لها إنه الحوأب. فجزعت شديداً وقالت: ردوني ردوني، فقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول وعنده نساؤه: أيكنّ تنبحها كلاب الحوأب؟ وجاء عبدالله بن الزبير فتكلّف تهدئتها، وجاءها بخمسين رجلاً من بني عامر يحلفون لها أن هذا الماء ليس بماء الحوأب.


(6)
فرقة ظاهرة واختلاف بيّن وقلق خفيّ في الضمائر وأطماع تظهر على استحياء ثم تستخفي على كره من أصحابه، كذلك كانت حال القوم حين أظلهم عليّ بمن معه من جند كثيف.
وكانت حال علي وأصحابه على خلاف ذلك من جميع الوجوه، فلم يشك علي قط في أنه كان أحق الناس بالخلافة، فلما جاءت الخلافة استمسك بها ورأى أن حقه قد صار إليه. وما كان الثائرون بعثمان ليُكرهوا خيار أصحاب النبي الذين كانوا في المدينة من المهاجرين والأنصار على غير ما يحبون، وهم الذين شهدوا المشاهد مع النبي وصبر كثيرٌ منهم على الفتنة وامتُحنوا في موطن الشدة على اختلافها، فآثروا دينهم على دنياهم وآثروا الموت في سبيل الله على الحياة في سبيل أنفسهم. وقوم مثل هؤلاء لا يُستكرهون على شيء يرونه مخالفاً لدينهم، فهم قد بايعوا علياً إذاً راضين به مؤثرين له لا راهبين ولا راغبين. وآية ذلك أن فريقاً منهم لم يطمئنوا إلى بيعة علي فلم يكرههم علي على البيعة وإنما خلّى بينهم وبين ما أرادوا من الاعتزال وقبل منهم ما قدّموا إليه من عذر، وقام دونهم يمنع الثائرين من أن يصلوا إليهم، وجعل نفسه وكيلاً لعبد الله بن عمر حين أبى عبدالله أن يأتي بكفيل. ولأمر ما سكت علي عن استكراه طلحة والزبير على البيعة فقد شاركا في الإنكار على عثمان والجد في أمره، وكان كل واحد منهما ينظر إلى نفسه ، فخشي منهما وخشي عليهما الفتنة.

لم يكن علي إذاً متردداً ولا شاكاً ولا قلق الضمير حين همّ بقتال أهل الشام حين رفضوا البيعة وحين تحول عنهم إلى أمر طلحة والزبير حين أظهرا النّكث والخلاف ولكنه في بعض مواطنه قال كالنادم المحزون: لو علمت أن الأمر يبلغ هذا المبلغ ما دخلت فيه. يريد أنه لم يكن يظن بهذين الشيخين وبأم المؤمنين عائشة أن يبلغ بهم ما بلغ من تفريق كلمة المسلمين وحمل بعضهم على أن يسلّوا سيوفهم على بعض. ولو علم أن خلافته ستكون مصدر فتنة وفرقة لأعرض عنها إيثاراً لعافية المسلمين واجتماع كلمتهم، ولصبر نفسه على ما تكره كما فعل حين بويع للخلفاء الثلاثة من قبله. فأما وةقد بايعه عامة المسلمين وخاصتهم فقد مضى في أمره على بصيرة، وكره أن يرجع بعد أن مضى ويحجم بعد أن أقدم، وكان كثيراً ما يقول: والله إني لعلى بينة من ربي ما كذبت ولا كُذبت ولا ضللت ولا ضُل بي.


(7)
ولم يكن أصحاب علي في طريقه إلى البصرة شاكّين ولا متردّدين، إلا ما كان من أمر أبي موسى الأشعري، وقد ظهر أن أهل البصرة لا يشاركونه في رأيه، وإنما أراد أفراد أن يستوثقوا لأنفسهم في أمر دينهم وفي أمر آخرتهم خاصة فسألوا علياً عما يريد من شخوصه وإشخاصه إياهم إلى البصرة، فكان يجيبهم بأنه يريد أن يلقى بهم إخوانهم من أهل البصرة فيدعوهم إلى الصلح ويبيّن لهم الحق ويناظرهم فيه لعلهم يثوبوا فتجتمع الكلمة وتلتئم وحدة الجماعة. وكان هؤلاء النفر يسألونه: فإن لم يثوبوا إلى الحق ولم يقبلوا الصلح؟ فكان يجيب: إذا أبدؤهم بقتال حتى يبدءونا. فكانوا يسألونه: فإن بدءونا ؟ وهنالك كان يجيبهم: إذا نقاتلهم على الحق حتى يرجعوا إليه. وقد أراد بعض هؤلاء أن يستوثقوا لأمر آخرتهم فسألوه: ما يكون أمر الذين يُقتلون منهم إن كانت حرب؟ فأجابهم: بأن من قاتل صادق النية في نصر الحق مبتغياً وجه الله ورضاه فمصيره مصير الشهداء. وقد سأله رجل منهم ذات يوم: أيمكن أن يجتمع الزبير وطلحة وعائشة على باطل؟ فقال. إنك لملبوس عليك، إن الحق والباطل لا يعرفان بأقدار الرجال، اعرف الحق تعرف أهله، واعرف الباطل تعرف أهله. وما اعرف جواباً أروع من هذا الجوزاب الذي لا يعصم من الخطأ أحداً مهما تكن منزلته، ولا يحتكر الحق لأحد مهما تكن مكانته، بعد أن سكت الوحي وانقطع خبر السماء.
كان عليّ إذا على بصيرة من أمره، وكان أصحابه يمضون معه على بصائرهم يُشفقون من أن يسلّو سيوفهم على قوم من المسلمين أمثالهم، ولكنهم لا يرون أن يُعرضوا عن ذلك إذا لم يكن منه بد.


(8)
وكان علي يريد أن يعارض القوم في الصلح ويناظرهم على الحق، ولا يبدأهم بقتال إلا أن يبدأوه به. فقد كان الأمر مختلفاً إذا بين هذين الفريقين: أهل البصرة مختلفون كما قدّمنا آنفاً وأصحاب علي مؤتلفون، وأهل البصرة مترددون بحيث يحبون. فطلحة والزبير يختلفان أيهما يصلي بالناس، ثم يتفقان بعد خطوب على أن يصليا بالناس هذا يوماً وهذا يوماً. وفي ضمير عائشة قلق لا يكاد يبين.

فرقة ظاهرة واختلاف بيّن وقلق في الضمائر وأطماع تظهر على استحياء ثم تستخفي على كره من أصحابها، كذلك كانت حال القوم حين أظلهم علي بمن معه من جند كثيف.
فقد أرسل إليهم القعقاع بن عمرو صاحب رسول الله وأمره أن يعلم علمهم ويسألهم عما يريدون ويناظرهم فيما خرجوا من أجله. فمضى القعقاع حتى أذن له على عائشة، فسألها عما أقدمها إلى البصرة. قالت: إصلاح بين الناس .فسألها أن تدعو طلحة والزبير ليقول لهما ويسمع منهما وهي شاهدة. فأرسلت إليهما. فلما أقبلا. قال لهما القعقاع: إني سألت أم المؤمنين غما أقدمها إلى هذه البلدة فقالت: إصلاح بين الناس، فأنتما متابعان لهما أم مخالفان؟ قالا: متابعان .قال القعقاع: فأنبئاني عن هذا الإصلاح الذي تريدانه، فإن كان خيراً وافقناكم عليه، وإن كان شراً اجتنبناه. قال قائلهما: قُتل عثمان مظلوماً ولا يستقيم الأمر إذا لم يقم الحدّ على قاتليه. فقال القعقاع :فإنكم قد قتلتم من قتلة عثمان ستمائة رجل في البصرة إلا رجلاً واحداً هو حُرقوص بن زهير، غضب له قومه فخالفوا عنكم، وغضب لمن قتل قومكم، فتفرقت عنكم مضر وربيعة وفسد الأمر بينكم وبين كثير من الناس، ولو مضيتم في الأمصار تفعلون فيها مثل ما فعلتم في البصرة لفسد الأمر فساداً لا صلاح بعده. قالت عائشة. فأنت تقول ماذا ؟ قال القعقاع: أقول: إن هذا الأمر دواؤه التسكين واجتماع الشمل حتى إذا صلح الأمر وهدأت الثائرة وأمن الناس واطمأن بعضهم إلى بعض نظرنا في أمر الذين أحدثوا هذه الفتنة. وإني لأقول هذا وما أره يتم حتى يأخذ الله من هذه الأمة ما يشاء، فقد انتثر أمرها وألمّت بها الملمات وتعرضت لبلاء عظيم. فاستحسن القوم كلامه، أو أظهروا له أنهم يستحسنون كلامه وقالوا: قد رضينا منك رأيك. فإن أقبل علاي بمثل هذا الرأي صالحناه عليه. ورجع القعقاع راضياً فأنبأ علياً بما قيل له، فسرّ علي بذلك أشد السرور وأعظمه.


(9)
وكان الأفراد من أهل البصرة يلمّون بمعسكر علي، يأتي الرّبعي من أهل البصرة قومة من ربيعة الكوفة، ويأتي المُضري قومه المُضريين، ويأتي اليمني قومه اليمانية، فلا يكون الحديث بينهم إلا في الصلح وإيثار العافية حتى ظن أولئك وهؤلاء أن الأمر ملتئم بعد قليل. وهنا يروي الغلاة من خصوم الشيعة قصة ما أراها تستقيمن، لأنها تخالف طبيعة الأشياء ولا يسيغها إلا أصحاب السذاجة أو الذين يتكلفون أو يريدون تصوير التاريخ كما كان بمقدار ما يريدون تصويره كما تمنوا أن يكون. فقد زعم هؤلاء الغلاة أن الذين تولوا كبر الثورة بعثمان جزعوا حين أحسّوا أن أمر الناس صائر إلى الصلح وأشفقوا أن يكونوا ثم هذا الصلح، فالمجتمع ناديهم بليل وجعلوا يديرون الرأي بينهم على نحو ما تجد في السيرة من اجتماع قريش بدار الندوة وائتمارهم بالنبي وحضور ذلك الشيخ النجدي الذي اتخذ إبليس صورته ليشهد أمر القوم ويشير عليهم.

وكان إبليس الجماعة في هذه القصة ذلك اليهودي الذي أسلم بأخرة ومضى في الأمصار يفسد على الناس أمور دينهم وأمور دنياهم ويؤلّبهم على عثمان، وهو عبدالله بن سبأ المعروف بابن السوداء.وقد جعل القوم يتشاورون وجعل إبليس القوم يسفه ما كان يُعرض من آراء حتى انتهوا إلى رأي أعجب به ابن السوداء كما أعجب إبليس برأي أبي جهل في أمر النبيّ. وكان هذا الرأي الذي أعجب ابن السوداء هو أن يحزموا أمرهم ويكتموا سرّهم حتى إذا التقى الجمعان أنشبوا القتال من غير أمر من علي، فأثاروا الحرب وحالوا بين الفريقين وبين ما كانوا يريدون من الصلح.

وتمضي القصة فتروي أن القوم أنفذوا خطتهم كما دبروها، فأنشبوا القتال على حين كان طلحة والزبير وعلي قد أجمعوا أمرهم على الصلح. والتكلف في هذه القصة أظهر من أن نحتاج إلى كثير عناء في ردها. فلم علي وأصحابه من الغفلة بحيث تُدبّر الخيانة في معسكرهم ويدبرها قوم من قادتهم وهم لا يشعرون. وإنما الوجه الذي يلائم طبيعة الأشياء هو ما رواه المعتدلون من المؤرخين من أن القوم قد التقوا عند البصرة ووقف بعضهم لبعض وتناظروا ولم تغن المناظرة عنهم شيئاً، فكان ما لم يكن بدّ من أن يكون.


(10)
وكان كعب بن ثور حبراً صالحاً من أحبار المسلمين، كان في الجاهلية نصرانياً ، فلما أسلم مضى في إسلامه متتبعاً الخير متوخياً للبر متفقهاً في الدين ناصحاً لله وللناس مرتفعاً عن صغائر الأموروأعراض الدنيا. وقد به عمر فولاه قضاء البصرة، وأثبته عثمان على قضائها، ولم يعرض له عامل علي. فظل قاضياً ححتى كانت الفتنة، وأقبلت أم المؤمنين ومعها هذان الشيخان إلى البصرة. وحاول كعب أن يصلح بين الناس، فلم يبلغ شيئاً. وحاول أن يحمل قومه الأزد على اعتزال الفتنة وترك البصرة فلم يبلغ من ذلك شيئاً. وقال له رئيس القوم صبرة بن شيمان: ما أرى إلا أن نصرانيتك القديمة قد أدركتك، أتريد أن نترك ثقل رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأراد أن يعتزل الفتنة وحده بعد أن أبى قومه أن يتبعوه فلم يبلغ من ذلك شيئاً. عزمت عليه أم المؤمنين ألا يتركها، فأقام معها مستجيباً لعاطفته الدينية من جهة ولعاطفة الجوار من جهة أخرى. كأنه قدّر أن أم المؤمنين حين عزمت عليه ألا يتركها قد أرادت أن تتخذه لها جاراً، فأقام معها وجعل مع ذلك يحاول الإصلاح بين الناس ولم يكن يشفق من شيء كما كان يشفق من التقاء الجمعين ووقوف بعض القوم لبعض. كان يرى أن في ذلك تحريضاً على القتال ودعاء إليه. فما أسرع ما يعذب حلم الحليم وما أسرع ما يستخف الطيش سفهاء الناس في مثل هذه المواطن.

ولكن الجمعين قد التقيا على تعبئة ذات صباح، وخرج علي حتى كان بين الفريقين فدعا إليه طلحة والزبير ليكلمهما. فخرجا إليه. وتواقف ثلاثتهم وسأل صاحبيه: ألم تبايعاني؟ قالا: بايعناك كارهين ولست أحق بها منا. فقال لطلحة: أحرزت عِرسك وخرجت بعرس رسول الله صلى الله عليه وسلم تعرّضها لما تتعرض له. قال للزبير: كنا نعدك من آل عبد المطلب حتى نشأ ابنك ابن سوء ففرق بينك وبيننا. يريد ابنه عبدالله وأمه أسماء بنت أبي بكر. تعصّب لأخواله من تيم ، فخرج مع عائشة خالته ومع طلحة التيمي من عمومته ولم يحفل بأن أباه الزبير كان ابن صفية بنت عبد المطلب عمة رسول الله وعمة علي. ثم قال علي للزبير : أتذكر يوم قال لك رسول الله: إنك ستقاتلني ظالماً لي ؟ فذكر الشيخ هذا الحديث وتأثر به وتأثر كذلك بقرابته من علي والنبي. وقال لعلي: لو ذكرت ذلك ما خرجت. والله لا أقاتلك أبداً.


(11)
ورجع إلى أم المؤمنين فقال لها: إني لا أرى في هذا الأمر بصيرة. قالت : فتريد ماذا؟. قال أريد أن أعتزل الناس. وهنا يختلف المؤرخون. فقوم يرون أنه مضى لوجهه حتى أدركه ابن جُرمو فقتله في وادي السّباع بأمر من الأحنف بن قيس أو عن غير امرته. وقوم يقولون إن ابنه عبدالله عيّره الجبن وقال له: رأيت ابن أبي الخطاب وعلمت أن تحتها الموت فجبنت. وما زال به حتى أحفظه. فقال له الزبير: ويلك ! إني قد حلفت لا أقاتل علياً. فقال عبدالله ما أكثر ما يكفّر الناس عن إيمانهم، فأعتق غلامك سرجيس وقاتل عدوك. ففعل وانهزم مع الناس.
ونحن إلى الرواية الأولى أميّل، فقد كن الزبير رقيق القلب شديد الخوف من الله، شديد الحرص على مكانته من رسول الله. وكانت حيرته شديدة منذ وصل إلى البصرة ورأى ما رأى من افتتان الناس واختلافهم. وازدادت حيرته حين عرف أن عمّار بن ياسر قد أقبل في أصحاب علي. وكان المسلمون يتسامعون بقول النبي صلى الله عليه وسلم لعمّار: ويحك يا ابن سمية ! تقتلك الفئة الباغية. فلما عرف أن عمار في جيش علي أصابته رعدة شديدة من أن يكون من هذه الفئة الباغية. وقد تماسك مع ذلك حتى لقي علي وسمع منه ما سمع. وهنالك استبانت له بصيرته. فانصرف عن القومولم يقاتل حتى قُتل غيلة بوادي السباع. وقد حزن علي لمقتله وبشّر قاتله بالنار، وأخذ سيف الزبير وهو يقول: سيف طالما جلا الكُرب عن وجه رسول الله.

مضى الزبير إذا لم يقاتل، وكأن انصرافه قد فتّ في أعضاد أصحابه فلم يقتتلوا إلا ضحوة يومهم ذاك ثم انهزموا. وجعل طلحة يحرضهم وهو جريح، أصابه سهم طائش في بعض الروايات، أو سهم رماه به مروان بن الحكم، وكان من أصحابه. وكان مروان يقول: والله لا طالبت بثأر عثمان بعد اليوم.
وقال لبعض ولد عثمان: لقد كفيتك ثأر أبيك من طلحة.


(12)
ومهما يكن من شيء فقد انهزم الناس وأصيب طلحة وعرف أنه ميت، فجعل ينظر إلى دمه وهو ينزف ويقول: اللهم خذ لعثمان مني حتى يرضى. ثم أمر مولاه أن يأوي به إلى مكان ينزل فيه . فأوى به بعد جهد إلى دار خربة من دور البصرة، فمات فيها بعد ساعة.
وظن الناس أن الحرب قد وضعت أوزارها وأن النصر قد كُتب لعلي وأصحابه . وكان علي قد تأذن في أصحابه ألا يجهزوا على جريح ولا يتبعوا هارباً ولا يدخلوا داراً ولا يحوزوا مالاً ولا يؤذوا امرأة. وأن علياً لفي أمره يظن أن الحرب قد وضعت أوزارها وأن النصر قد أتيح له، وإذا هو يسمع عجيجاً وضجيجاً شديدين. فيسأل فيقال له: إنما عائشة تحرّض الناس وتلعن قتلة عثمان، والناس يلعنون معها قتلة عثمان. فيقول علي: يلعنون قتلة عثمان! والله ما يلعنون إلا أنفسهم، فهم قتلوه . اللهم العن قتلة عثمان.

وكان علي صباح ذلك اليوم، حين استيئس من طلحة وعرف أنه يأبى إلا الحرب. قد كفّ أصحابه كفاً شديداً عن أن يبدأوا بالقتال حتى يأمرهم. وجعل شباب أهل البصرة والسفهاء منهم خاصة يحاولون إنشاب القتال فينضحون أصحاب علي بالنبل حتى أصابوا منهم نفراً. فجعل أصحاب علي يحملون من أصيب منهم إلى علي ويتعجلون إذنه بالقتال، وهو مع ذلك مستأنٍ لا يجيبهم إلى ما يطلبون. فلما كثر ذلك من أهل البصرة ، دفع علي مصحفاً إلى فتى من أهل الكوفة وأمره أن يقف به بين الصفين وأن يدعو القوم إلى ما فيه. وأنذره بأنه مقتول إن نهض بهذه المهمة. فشك الفتى غير طويل. ثم أخذ المصحف وانطلق به حتى وقف بين الصفين وجعل يدعو القوم إلى ما فيه. فرشقوه بالنبل رشقاً واحداً فقتلوه. وتكثر الرواة بعدذلك فقالوا: رفع الفتى المصحف بيمينه فقطعوها، فأخذ المصحف بشماله فقطعوها، فأخذ المصحف بأسنانه أو بين منكبيه حتى قُتل.


(13)
والشيء المحقق أن الفتى قتل وهو يدعوهم إلى ما في القرآن. فقال علي لأصحابه: الآن طاب الضراب. وكانت الأولى صدر النهار، وكانت الهزيمة حتى زالت الشمس. فلماانهزم الناس أقبل المتحمسون من أصحاب طلحة والزبير، وعلى رأسهم عبدالله بن الزبير في أكبر الظن، فأخرجوا أم المؤمنين من بيتها في المسجد الذي استترت فيه وأدخلوها هودجاً مصفحاً بالدروع، وحملوها على جملها ذاك، وأشهدوها ميدان الوقيعة. فثاب المنهزمون إلى أمهم ورأوا أنهم لا يحمون أمهم فحسب وإنما يحمون زوج رسول الله وحبيبته. فثارت في نفوسهم عقدة غريبة. فيها الشعور بحرمة العِرض وحماية الأم والذود عن الذّمار. واجتمع الناس حول أمهم مستقتلين يكرهون أن تنصاب أم المؤمنين بأذى في بلدهم وهم شهود.

وكان جمل عائشة فيما يقول بعض من شهد الوقعة، راية أهل البصرة يلوذون به كما يلوذ المقاتلون براياتهم. وما أسرع ما أفاق المنتصرون من انتصارهم حتى أقبلوا على خصمهم أولئك يريدون أن يهزموهم آخر النهار كما هزموهم وجه النهار. وهنا يظهر كعب بن ثور قاضي البصرة وقد برز بين الصفين وعلّق في عنقه مصحفاً وجعل يدعو أولئك وهؤلاء إلى كتاب الله وما فيه وينهاهم عن الشر. ولكن أصحاب علي رشقوه بالنبل رشقاً فقتلوه. كأنهم ثأروا لفتاهم ذاك الذي قتل وهو يحمل المصحف بين الصفين حين ارتفع الضحى.


(14)
واقتتل الفريقان قتالاً شديداً منكراً، يريد أصحاب علي ألا يفلت مهم النصر بعد أن أحرزوه، ويريد أصحاب عائشة أن يحموا أم المؤمنين ويموتوا دونها. واقتتل القوم حتى كره بعضهم بعضاً وحتىيئس بعضهم من بعض. ثم هذه صيحات ترتفع في الجو تأتي من يمين ومن شمال ، وتدعو القاتلين إلى أن يطرّفوا، أي إلى أن يقطع بعضهم أطراف بعض وهم يقبلون على هذا النكر من الأمر يقطع بعضهم أيدي بعض ويقطع بعضهم أرجل بعض. ولا يكاد أحدهم تقطع يده أو رجله حتى يستقتل إلى أن يقتل. وقد كاد أصحاب عائشة أن ينهزموا. ولكن الجمل قائم لا يريم، وعليه هودجه لا يضطر، وفي الهودج أم المؤمنين تحرِّض لناس فتردهم إلى الحماسة والجرأة بعد الخوف والفرق، وهم يثبتون حول الجمل لا يريدون انتصاراً ولا يريدون أن يحموا أمهم. وراجزهم يرتجز:

يا أمنا عائشة لا تراعي ... كل بنيك المِصاع

وهي تتحدث إلى من عن يمينها محرضة، وإلى عن شمالها محمسة ، وإلى من أمامها مذكرة. وأصحاب علي يلحون على هؤلاء المستقتلين وراجزهم يرتجز:
يا أمنا أعق أم نعلم ... والأم تغذو ولدها وترحم
أما ترين كما شجاع يكلّم ... وتختلي منه يدٌ ومعصم
فيجيبه راجز أصحاب عائشة:
نحن بني ضبة أصحاب الجمل ... ننازل القرن إذا القرن نزل
والقتل أشهى عندنا من العسل ... ننعي ابن عفان بأطراف الاسل
ردوا علينا شيخنا، ثم بجل
وما يزال أولئك يستقتلون وهؤلاء يشتدّون عليهم حتى كان لا يأخذ بخطام الجمل أحد إلا قتل دونه. وقد رأى علي هذا القتل الذريع فراعه نكر ما رأى وصاحى بأصحابه: اعقروا الجمل فإن في بقائه فناء العرب. فيهوي إليه رجل من أصحابه بالسيف فيعقره. ويخر الجمل إلى جنبه وله عجيجٌ منكر لم يُسمع مثله. ونالك، وهنالك فحسب يتفرق حماة الجمل كما ينتشر الجراد.ويقبل محمد بن أبي بكر وعمّار بن ياسر فيحتملان الهودج وينحيّانه ناحية، ويضرب محمد على هودج أخته فسطاطاً، ويأمره علي أن ينظر أأصابها مكروه. فيدخل رأسه في الهودج فتسأله: من أنت؟ فيقول أبغض أهلك إليك. فتقول: ابن الخثعمية فيقول: نعم أخوك محمد. ويسألها: أأصابها مكروه؟ فتقول: مشقص في عضدي، فينتزعه، ويأتي علي مغضباً، ولكنه على ذلك متماسك يملك نفسه ،ويضبطها أشد الضبط ، فيضرب الهودج برمحه ويقول: كيف رأيت صنيع الله يا أخت إرم. فتقول: يا ابن أبي طالب، ملكت فاسجع. فيقول علي. غفر الله لك. وتجيب عائشة: وغفر لك.


(15)
ثم يأمر علي محمد بن أبي بكر أن يدخل أخته داراً من دور البصرة، فيحملها حتى يدخلها دار عبدالله بن خلف الخزاعي ، فتقيم فيها أياماً.
وكذلك اقتتل الناس حول طلحة حتى انهزموا وجه النهار وقُتل طلحة. ثم اقتتلوا آخر النهارحتى انهزموا حين أقبل الليل وسَلمت عائشة. ورأى المسلمون يوماً لم يروا مثله شناعة ولا بشاعة ولا نُكراً. سل المسلمون فيه سيوفهم على المسلمين، وقتل خيار المسلمين فيه خيار المسلمين. فقُتل من أولئك وهؤلاء جماعة من جلة أصحاب النبي ومن خيرة فقهاء المسلمين وقرائهم. وحزن علي لذلك أشد الحزن وأقساه. فكان يتعرف القتلى من أصحابه ومن خصمه ويتوجع لأولئك وهؤلاء ويترحم على أولئك وهؤلاء ويتجه إلى الله ربه فيقول:

أشكو إليك عُجري وبُجري ... وشفيتُ نفسي وقتلت مَعشري

كأن العرب في ذلك اليوم قد عادت إلى جاهليتها الجهلاء وضلالتها العمياء، ونسيت دينها السمح أو كادت تنساه. أو كأن العرب في ذلك اليوم قد جُنّ جنونها وفقدت صوابها فلم تدر ما تأتي وما تدع. أو كأن الفتنة قد شُبهت على العرب حتى رأى المسلمون أنفسهم في ظلمة ظلماء لا يرون. تجاوز علي كل ذلك إلى أبعد الحدود، وأمر بجمع ما ترك أهل البصرة في الميدان، وحمله إلى المسجد ونادى مناديه في الناس: من عرف منه شيئاً فليأخذه. وكأن الليل قد ردّ إلى القوم عوازب أحلامهم، وأصبحوا جميعاً محزونين.

المرجع :
1.الفتنة الكبرى 2 علي وبنوه، الدكتور طه حسين.
2. تاريخ الطبري، لابن جرير الطبري.


عبدالله الشقليني
30 يوليو 2018


/////////////////