في سابقة هي الاولي من نوعها منذ استقلال السودان والتحولات والصراعات السياسية ومحاولات الانقلاب التي نجحت في الاستيلاء علي السلطة في نوفمبر 1958 و 25 مايو 1969 والتحركات الاخري التي فشلت وانتهت باعدام وسجن المشاركين فيها.

النائب العام السوداني يعلن عن تشكيل لجنة قانونية للتحقيق في ملابسات انقلاب الحركة الاسلامية السودانية و اعدام ثمانية وعشرين ضابط من القوات المسلحة مطلع التسعينات بعد استيلاء ما كانت تعرف بالجبهة القومية الاسلامية علي السلطة بمشاركة عناصر مدنية من عضوية التنظيم وعدد قليل من العسكريين بما فيهم الرئيس المخلوع عمر البشير الذين استعملهم الاسلاميين كواجهة للانقلاب الذي استخدمت فيه انواع من الخداع والتضليل وتحقير مباشر من الاسلاميين لكل السودانيين الذين بادر النظام الاخواني بالتنكيل بهم وتعذيبهم في معتقلات تلك الايام الشهيرة علي شكل رسالة للنخب السودانية الذين بادرت اعداد كبيرة منهم بمغادرة البلاد في ظاهرة تعتبر الاولي من نوعها ليخلو الجو للاسلاميين الذين اشهروا سيف الاحالة للصالح العام وتفكيك مؤسسات الدولة السودانية من خدمة مدنية وشرطة وجيش واحدة بعد الاخري وبسط نفوذهم علي النشاط التجاري والاقتصادي وعسكرة المجتمع عن طريق الميليشيات الجهادية وما كان يعرف باسم الدفاع الشعبي.
تباينت ردود الفعل من اعوان النظام المباد من الاسلامين علي هذا التطور والتحقيقات التي اعلن عنها مكتب النائب العام عبر ملاسنات كلامية واتهامات للشيوعين بالوقوف خلف هذه القرارات ولكنهم تناسوا ان اخطر الاعترافات والادلة المادية في هذه القضايا وفرها الاسلاميين بانفسهم بطريقة موثقة علي لسان الاب الروحي والزعيم التاريخي للجماعة الدكتور حسن الترابي في حلقات واعترافات نادرة لقناة الجزيرة تحدث فيها بالتفصيل الدقيق عن كيفية استيلاء الاسلاميين علي السلطة بمشاركة صورية من عناصرهم من العسكريين بما فيهم عمر البشير نفسه.
كشف الدكتور الترابي للاعلامي الاخواني احمد منصور عن قيام الجبهة الاسلامية بشل شبكة اتصالات الجيش السوداني وتعطيلها قبل ساعات قليلة من الانقلاب بطريقة تؤكد ان الجبهة الاسلامية هي التي خططت ونفذت بالكامل انقلاب الثلاثين من يونيو وليس الجيش السوداني كما اكد الدكتور علي الحاج ذلك واعترف بطريقة مباشرة بتدبيرهم وتنفيذهم للانقلاب.
وحيث ان الامر يمثل سابقة جديدة وخروج علي نص الانقلابات العسكرية التقليدية التي شهدها السودان من قبل سيصعب جدا اللجوء الي المقارنة والقيام بعملية فلاش باك لما حدث من قبل وما فعله الشيوعيين خلال مشاركتهم في مايو هذا النوع من المزاعم لن تكون له اي قيمة قانونية حيث ان الامر هذه المرة يتعلق بامر مخالف وقيام حزب ومنظمة عقائدية بالاستيلاء علي السلطة والانقلاب علي الجيش الذي كان يقوم بالانقلابات العسكرية الي جانب ذبح عدد كبير من الضباط المهنيين في القوات المسلحة السودانية في عملية جرت كل وقائعها خارج اسوار المؤسسة العسكرية السودانية ويتردد علي نطاق واسع ان مجلس شوري الحركة الاسلامية هو الذي افتي بضرورة اعدام الضباط الثمانية والعشرين بعد ساعات قليلة من اعتقالهم ومتابعة لصيقة من قيادة التنظيم وليس الجيش السوداني لعملية تنفيذ احكام الاعدام .
الي جانب ذلك سيصعب قانونا الاعتماد في الدفاع عن الاسلاميين علي المقارنة بالتجارب الانقلابية السابقة والتي انتهت عن طريق ثورات وانتفاضات شعبية في اكتوبر 1964 وابريل من العام 1985 حيث انتهت تلك الانظمة وغادرت السلطة بطريقة سلمية عادت فيها الحياة لطبيعتها بعد ساعات قليلة من الاطاحة بها اضافة الي ان تلك الانظمة تركت من بعدها مؤسسات دولة قومية متماسكة واقتصاد معافي ولم يكن هناك حماس في الشارع السوداني لمحاكمة نظام الفريق ابراهيم عبود الذي لايزال يحتل مكانة محترمة في ذاكرة ووجدان السودانيين وتفاوت الامر بصورة نسبية مع نظام نميري الذي حكم البلاد علي مدي 16 عام.
لسوء حظ الاسلاميين الامر مختلف تماما اليوم سواء كان من يحكمون السودان شيوعيين كما يزعمون او مخلوقات قادمة من الفضاء الخارجي سيجد الاسلاميين انفسهم في مواجهة واقع سياسي وقانوني مختلف الي جانب اجماع وارادة شعبية متربصة بهم وستظل الاوضاع فيما يتعلق بالتعامل القانوني مع بقايا وفلول الحركة الاسلامية من المطلوبين للعدالة والتحقيقات وربما الاحالة الي المحاكمة في يوم قريب علي ماهي عليه سواء بقيت الحكومة الحالية في الحكم او ذهبت وحلت محلها حكومة اخري.
يبدو ان الاسلاميين اصبحوا يسابقون الزمن في محاولات يائسة لاسقاط السقف علي الجميع قبل ان تدور عجلة العدالة دورتها بتحقيقات ومحاكمات قد تخلص الي نتائج مشابهة في عناوينها الرئيسية لما حدث للنازيين في اعقاب الحرب العالمية الثانية.
ولكن الفرص التي امامهم لتغيير النظام الراهن وفرض بديل يجنبهم المحاسبة سيكون امر عسير المنال ان لم يكن امر مستحيل ولم يعد التنظيم الاخواني يملك الامبراطورية الاقتصادية الضخمة والاذرع الامنية والعسكرية السرية التي مكنتهم من الافلات من مشانق نميري التي اعدها لهم قبل مغادرته الي امريكا واختراقهم لانتفاضة ابريل الشعبية والتسلل بمهارة فائقة الي كل اجهزة الدولة السودانية مرة اخري في ظل الحكومات الحزبية .
مكتب النائب العام الانتقالي عن طريق قرارالتحقيقات المشار اليها يبدو انه ايضا في سباق مع الزمن للكشف عن الصندوق الاسود لما تعرف بالحركة الاسلامية واخطر اسرار التاريخ السياسي المعاصر في السودان والكيفية التي تم بها الاستيلاء علي السلطة في يونيو 1989 واعدام الثمانية وعشرين ضابط من القوات المسلحة السودانية بواسطة مؤسسة حزبية عقائدية وليس الجيش السوداني كما جرت العادة خلال السوابق المعروفة خلال التحولات السياسية والانقلابات العسكرية التي شهدتها البلاد.
اتمني ان لايتورط الاسلاميين في مغامرة يائسة للقيام بعمليات تخريبية او اغتيالات سياسة ستترتب عليها ردود افعال ستعجل بتوجية ضربة قاصمة لهم ستمحو اثرهم من الوجود وعليهم ان يراعوا ان اغلبهم قد بلغ مرحلة من العمر ستجنبهم صدور احكام بالاعدام في مواجهتم الي جانب الظروف الصحية لبعضهم ولكن من المؤكد انهم سينالون نصيب معتبر من احكام السجن والاحتجاز حتي يغادروا الحياة ويواجهون عدالة رب العالمين التي يصعب التجمل امامها حيث لاتختل هناك الموازين.